مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

الجزر الأخير

 

أنا لمْ تَلِدْني نِساَءُ القبيلَةِ،
لمْ أحْتَفِلْ...
لمْ ألامِسْ خُزامَى وحنَّاءَ عِيدِي
ولا خِدْرَ زوْجٍ تُغَني لِتَفْتِنَ قافِيَةً...
كنتُ كالغيْمِ أجْرِي عَلَى دَرْبِ حُبِّي
فدَاسُوا ظِلالِي.
يقولُ ليَ البحرُ:
(كنْتَ هنَا قبلَ مدِّي
كصُدْفةِ بَيْتٍ منَ الشِّعْرِ
في ذهْنِ طَيْفٍ بئيسٍ)
أنا لمْ أجدْ أثراً للمَشيمَةِ،
لمْ أشْرَبِ اللَّبَنَ المُسْتَدَرَّ مِنَ الضّرْعِ،
لَمْ أتذوَّقْ حُمُوضَة أوَّلِ قُبْلةِ عِشقٍ..
نسيتُ الوُجُودَ،
وحِيداً أشاكِسُ صَمْتِي...
***
لي صغيرٌ يُسائِلُني كلما مسَّنِيِ المِلْحُ فِي أخْمَصِ القَدَمَيْنِ
يَقولُ:
- أبي حُمْرَةُ البَحرِ مثلُ الشِّفاهِ التي خبَّأتْ في يدي رَعْشةً
هَا هِيَ الآنَ في صَمْتِهَا تحْتَضِرْ
مثل شَمْسِ الغُروبِ التي كنتُ أعشقها
مثل جُرْحٍ تَخَافُهُ أمي التي قُلْتَ لي إنها في سَفَرْ
لِتزورَ الإله الرحيمَ
وتَشْكُو لهُ مَا ألَمَّ بِنَا مِنْ جفافِ الحليب بِثَدْيِ الفراشاتِ
يا ابْنِي هي الحرْبُ مَنْ لَوَّنَتْهُ
بأشْلاءِ منْ صارَعوا جَزْرَ أحْلامِهِمْ
لَوْنُهُ هو كلُّ ذُنوبِ السَّلاطِينِ في لهْوِهِمْ
هُوَ حُفْنةُ خَوْفٍ بصَدْرِ المُهَاجِرِ مِنْ شَرْقِهِ
هوَ تأنيبُ ما يَحْمِلُ القلْبُ
مِنْ ذكرياتٍ يُجِيدُ اللَّظى في بلادِي (الَّتي خِلْتُني صُنْتُها) سَبْكَها
وهُوَ الثأرُ والقتْلُ والنَّحْرُ والبَطْشُ والفَتْكُ وال...
(كلُّ ما يَشْتَهِي مُعْجَمُ الموتِ مِنْ صَرْخَةِ الكلِمَاتِ
وبعْض العبَاراتِ لمَّا تُصادِف جُثَّةَ
مَنْ كانَ قبْلَ ثوانٍ يُطاردُ بعْضَ النَّسيمِ المُعفَّرِ
بالأغْنِياتِ الطُّفولِيَّةِ).
***
يَقولُ لِيَ الابْنُ:
لنْ أسْبَحَ الآنَ،
لكِنَّني،
قَدْ أفوز بيَوْمٍ فَأبْلُغ فيهِ أشُدِّي
أواري احْمِرارَ البحارِ بكفِّي التي تُشْبِه العُشْبَ
 -طِين الأمَلْ-...
فَعَسَاهُ الرَّدى يَهْتَدِي
بِغِرَاسِ الخَجَلْ...

 

ذو صلة
التعليقات