مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

رحيل فؤاد زكريا .. مقاتل من طراز نادر

فقدت الثقافة العربية برحيل الدكتور فؤاد زكريا الشهر الماضي ( 1927-2010م)، واحداً من المفكرين الكبار، الذين آمنوا دوما بقدرة العقل على تحرير الإنسان من أوهامه، وتبديد الخرافات التي تكبل نهضة الأمة وتعوق مسيرتها نحو التقدم.

الإيمان المطلق بالعقل، كان أحد المفاتيح الدالة على شخصية فؤاد زكريا، المفتاح الآخر هو يقينه الراسخ بالديمقراطية، التي اعتبرها ضرورة حياة من دونها يسقط الإنسان في مستنقع القمع والعبودية.
وبسبب هاتين القناعتين -إيمانه المطلق بالعقل وتقديسه للحرية- دخل المفكر الراحل معارك عديدة، وأغضب بكتاباته التي تميزت بحس نقدي رفيع مغاير لما اعتاده من تربوا في أجواء شمولية سيطرت على مصر منذ مابعد يوليو  1952م، تيارات سياسية وفكرية عدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حتى لتظن من هول معاركه أنه لم يبق حبيباً.
 أغضب دعاة الإسلام السياسي حين رفع في مواجهة شعارهم « الإسلام هو الحل « شعاره « العلمانية هي الحل «، وكذا حين هاجم بقوة ادعاءاتهم عن الغزو الفكري واصفا إياه بالخرافة التي يتستر خلفها من يريدون للأمة أن تظل على حالها من التراجع والنكوص، وأن يلقوا بتبعات فشلهم ونزعاتهم الاستبدادية على مؤثرات خارجية، متسربلين بثوب الضحية مع أنهم أصل الداء والبلاء، وكشف مبكراً جداً عن مخاطر التأسلم المغرض والشكلي، المعادي للتطور والتحديث، والذي أسفر عن وجهه البغيض في عمليات إرهابية وعنف ممنهج استند إلى تفسيرات مغرضة وخاطئة للدين، حين كتب عن الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة.
أغضب «الساداتيين» حين انتقد الممارسات العملية لسياسات الانفتاح غير المحسوب على الغرب، والارتماء في حضن أمريكا بزعم أن 99،9 % من أوراق اللعبة -كما كان يردد دوما الرئيس السادات- في يدها، واقتصادياً، بالتطبيق الفاشل لسياسات الانفتاح الاقتصادي -خصوصاً منذ منتصف السبعينيات وحتى رحيل الرئيس السادات في 1981م- والتي أطلق عليه انفتاح السداح مداح، لغياب الضوابط والقواعد القانونية والمؤسسية، والتي قادت في نهاية المطاف إلى قلب الهرم الاجتماعي في المجتمع المصري وصعود فئات من المغامرين والمتاجرين بأقوات الناس إلى قمته، فيما تراجعت الطبقة الوسطى تراجعاً مخيفاً مازال المصريون يعانون آثاره  السلبية حتى اليوم.
عمل فؤاد زكريا أستاذاً ورئيساً لقسم الفلسفة بجامعة عين شمس حتى عام 1974م.  ثم أستاذاً ورئيساً لقسم الفلسفة في جامعة الكويت في الفترة من عام (1974 وحتى 1991م)، لكنه لم يتوقف عند الدرس الأكاديمي كما يفعل كثيرون من أساتذة الجامعة، بل قاده انشغاله بالشأن العام، ورغبته في إحدث نهضة حقيقية في الأمة العربية إلى النزول بالفلسفة إلى الشارع، فبدت على يديه أفكار تمشي على الأرض، والأصوب أنها تصارع مادونها من أفكار وتتجادل معها بالعقل والمنطق والحجة، كاشفة عوراتها ونقائصها وربما نواياها السيئة، وقد فعل المفكر الراحل ذلك عبر كتاباته المتواصلة في العديد من الصحف والدوريات العربية، وكذا عبر ترؤسه لتحرير مجلتي «الفكر المعاصر» و«تراث الإنسانية» في مصر، وعمله مستشاراً لشؤون الثقافة والعلوم الإنسانية في اللجنة الوطنية لليونسكو في القاهرة، ورئاسته للجنة الاستشارية لسلسلة عالم المعرفة في دولة الكويت، والتي من خلالها صدر كتابه المرجعي «التفكير العلمى» والذي يمكن اعتباره أحد أهم الكتب المؤسسة في مجالها، ليس من حيث ما يحتوي عليه من معلومات -وهو غزير ومهم- وإنما -وهذا هو الأهم- من حيث إنه يرسم خطى ويضع معالم على طريق الفكر، وأظن أن كثيرين يفتقدون إلى القدرة على التفكير العلمي في المشكلات التي تواجههم، سواء في قاعات البحث والدرس، أو في شؤون حياتهم اليومية، وهو ما رمى إليه الدكتور فؤاد زكريا، فقد أراد أن يكون كتابه للمواطن العربي العادي، وكان السؤال الذي سعى إلى الإجابة عنه عبر صفحات الكتاب الذي وزع عشرات الآلاف من النسخ وطبع أكثر من عشرين طبعة هو كيف نفكر بطريقة صحيحة؟
وهو السؤال نفسه الذي طرحه عبر عدد من كتبه الأخرى مثل «الإنسان والحضارة» و»«مشكلات الفكر والثقافة» و«العقل والثورة» و«خطاب إلى العقل العربى».
لم يعوّل فؤاد زكريا كثيرا على الحوار بين الشرق والغرب، بل رأى أن هذا الحوار لن يؤدي إلى نتيجة، فالطرفان ينطلقان من تصورات مختلفة، فالإسلاميون حين يتحدثون عن الإسلام يستدعون بالضرورة أمجاد سنوات خلت، ويلجؤون إلى النصوص في صورتها النقية الداعية إلى المحبة والتسامح والعمل وإعمار الكون، وهي مبادئ رائعة لايختلف عليها أحد، أما الغربيون فهم حين يدخلون إلى دهاليز حوار من هذا النوع، فإنهم ينظرون إلى واقع العالم الإسلامي المتخلف، وشيوع أفكار التطرف والإرهاب التي ينسبها أصحابها زورا وبهتانا إلى الإسلام وهو منها براء، وفي حوار من هذا النوع لايتفق فيه الطرفان على المفاهيم كقواسم مشتركة، ومن ثم يذهب كل مايقال أدراج الرياح .
غيرأن المعركة الكبرى التي كان لها أصداؤها في المجتمع المصري والعربي، كانت تلك التي أعقبت إصداره كتابه «كم عمر الغضب» والذي جاء رداً على كتاب محمد حسنين هيكل الشهير الذي هاجم فيه الرئيس المصري الراحل أنور السادات «خريف الغضب».
ولم يشأ فؤاد زكريا أن يكون كتابه رداً على كتاب هيكل فحسب، بل كان رداً على منهج  في التفكير ساد منذ يوليو 1952م ومازال سائدا حتى اليوم، يقول في مقدمة كتابه الصادر عن دار «كاظمة» في الكويت: «أؤمن إيماناً راسخاً بأن هذا الاستقطاب للجماهير بين ناصريين وساداتيين، وهذا الاختيار المفروض عليها بين التصديق المطلق والتكذيب المطلق ماهو إلا مظهر خطير لضيق الأفق السياسي الذي فرض نفسه على عقولنا في العقود الأخيرة، فالقضايا الحقيقية التي تثيرها عملية الفضح في كتاب هيكل لاتؤدي أبداً إلى الاختيار بين عهدين، وإنما تؤدي إلى إلقاء ظلال من الشك على مرحلة بأكملها تشمل العهدين معاً، ويمكن أن تشمل غيرهما أيضاً، أما الاختيار الآخر بين التصديق والتكذيب فلابد للعقل الواعي أن يتجاوزه».
وتحت هذا التصور الذي قدمه لقارئه عن بواعثه لإصدار كتابه، بدأ فؤاد زكريا ينتقد العهدين الناصري والساداتي، ويكشف عن كثير من الضلالات التي يقدمها هيكل في كتابه مستخدما عبارات ومترادفات براقة لم تنجح في خداع فؤاد زكريا وإن نجحت في خداع قطاع كبير من العامة الذين تسلط عليهم عدد لابأس به من حواريي هيكل ودراويشه المنتشرين في الصحافة المصرية .
أحدث فؤاد زكريا بكتابه هذا صدمة لدى قطاع كبير ممن اعتادوا على تصديق ما يبثه قلم هيكل، سواء من الجيل الشاب أو ممن درجوا على مطالعة مقاله الشهير «بصراحة» على مدى عقود، ولم يذهب فؤاد زكريا بعيداً، بل استخدم سلاح الأرشيف، وهو ذات السلاح الذي اعتاد هيكل على إشهاره في وجه خصومه، مستغلا ما أتاحه له النظام الناصري من أوراق وأسرار ومستندات، بقيت في حوزته دون غيره بوصفه الصحفي الأوحد طوال هذه الحقبة، وكان مدهشا لمن قرؤوا الكتاب، أن يكتشفوا أن هيكل -بكتاباته الصريحة- هو من مهد لطرد الخبراء الروس وعقد الصلح مع إسرائيل والاقتراب من المعسكر الغربي بل والارتماء في أحضان أمريكا، وهي السياسات التي انتقدها هيكل في عهد السادات وهاجمه بسببها بعنف، وهو أيضا ً-هيكل- من أدخل في روع المصريين أن عبور خط بارليف دونه المستحيل، بل إن الجيش المصري سيدمر لو فكر للحظة في مغامرة من هذا النوع، وهو الذى تآمر بليل مع الرئيس السادات للقضاء على خصومه من مراكز القوى فى 15 مايو 1971م، حين كانت الأمور بينهما على ما يرام، وهي الحركة التي سماها السادات ثورة التصحيح.
رحل فؤاد زكريا إذن، لكن بقيت آثاره ورؤاه ومعاركه تتردد أصداؤها بين سطور كتبه العديدة .
  
مؤلفات فؤاد زكريا
نيتشه، 1956
نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان، 1962
اسبينوزا
الإنسان والحضارة
التعبير الموسيقي
مشكلات الفكر والثقافة
دراسة لجمهورية أفلاطون
آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة، 1975
التفكير العلمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1978
خطاب إلى العقل العربي، 1978
الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة، 1986
الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، 1987
آفاق الفلسفة، 1988
الثقافة العربية وأزمة الخليج، 1991

كتب ترجمها
ب. موي: المنطق وفلسفة العلوم (جزآن).
ر. متس: الفلسفة الإنجليزية في مئة عام، 1963
هانز رايخينباخ: نشأة الفلسفة العلمية.
هربرت ماركوز: العقل والثورة، 1970
أرنولد هاوزر: الفن والمجتمع عبر التاريخ (جزآن)، 1973.
برتراند راسل: حكمة الغرب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، الطبعة الأولى: العددان 62، 72، الطبعة الثانية: العددان 364، 365
ذو صلة
التعليقات