مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

الآخر في الرواية النسائية المحلية

لا يبدو الاستيعاب الحضاري للآخر واحداً أو متماثلاً لدى الروائيات المحليات، فعلى امتداد التجربة يحضر الآخر على مساحة واسعة شديدة التنوع، حسب الدور والمكانة الاجتماعية وحتى الاقتصادية أحياناً.. على أن معالم الصورة المتشكلة من خلال رسم ملامح الآخر في النصوص الروائية، تنم غالباً عن فاصل حضاري كبير بين الذات والآخر، وعن محاصصة اجتماعية وتراتبية للأدوار لا يسهل تبادلها أو تحريك قطع البزل فيها.. وعن (آخر) لا يفصح عن نفسه بقدر ما يدع ذلك للساردة التي تختار له دوره وحدود حراكه في النص.. وسواء بحثنا في نصوص البدايات أو في منجز حديث العهد، فإن الملامح لن يظهر فيها كبير اختلاف.
في روايتها «غداً أنسى»، ومنذ بدايات تشكل التجربة الروائية المحلية في بدايات الثمانينيات، تختبر أمل شطا رهان الاستيعاب الحضاري والإنساني للآخر لدى شريحة التجار الحجازيين الذين كانت تحكمهم ظروف تجارتهم بالبقاء لفترات طويلة في البلاد التي يقصدونها لتسيير أعمالهم.. وتكشف الساردة في هذه الرواية عن سلوك استعلائي بل استعبادي درجت واعتادت عليه هذه الشريحة في تعاملها مع هذا الآخر، من خلال حكاية لها كثير من صور التحقق في الواقع الذي تصدر عنه الكاتبة.. ففي شخصية «سيما» الفتاة الإندونيسية القادمة من بيئة مسحوقة اجتماعياً واقتصادياً تتكشف الكثير من صور الانتهاك لإنسانية الآخر الذي يتحول إلى مجرد أداة تستخدمها تلك الذوات المتحكمة والمتسلطة، بحكم وقوعها في أعلى سلم الهيمنة بالنظر لوضعها الاجتماعي والاقتصادي.. أداة قد يطول استخدامها وتوظيفها أو يقصر حسب ما تراه الذوات المهيمنة ملائماً لحاجاتها ومصالحها. فعلى الرغم من أن «سيما» أصبحت زوجة للتاجر الحجازي وأنجبت منه، إلا أنها ظلت بالنسبة له مجرد أداة للمتعة والخدمة انتهت صلاحيتها بمجرد انتهاء المهمة أو الصفقات التجارية التي كان مقيماً لأجلها في بلاد تلك الفتاة.. وفي تصعيد درامي للأحداث يخطف التاجر ابنته الرضيعة من هذه الزوجة المسحوقة ويعود بها إلى الحجاز دون علمها، ويظل يخفي عن ابنته أن والدتها إندونيسية الأصل لئلا تشعر الفتاة، على ما يبدو، بعقدة نقص بين قريناتها.. وحتى بعد أن كافحت «سيما» للوصول إلى ابنتها بعد أن ضحت بكل ما تملك ظلت تخشى عليها من تلك النقيصة.
ولا تختلف الصورة في رواية البحريات لأميمة الخميس إلا ببروز عنصر الشخصيات الأكثر واقعية وإقناعاً والأقل ميلودرامية نتيجة لنضج التجربة الروائية لدى أميمة الخميس عنها لدى أمل في الرواية الموسومة. فبيت «أبو صالح» التاجر النجدي ورجل الدولة المقرب من رؤوس السلطة السياسية يحتشد بالعبيد والخدم والجواري من شاميات وحبشيات وسواهن. وهؤلاء لم يكن يختلف حالهن كثيراً عن حال «سيما» في الرواية السابقة، إذ غرض حضورهن في هذا النص، أو في البيت العامر بتعبير أدق، هو السخرة والخدمة. ووسط الأعباء التي يتكفلن بها لا يكاد يُرى الجانب الإنساني لوجودهن.. فهن مجرد أشياء وآلات وعناصر ليس لها وجود إنساني. عدا أن ثمة صنفاً مختلفاً من «الآخر الأجنبي» كان حاضراً بحيوية في تشكيل بنية «البحريات»، وهي فئة «الزوجات الغريبات»: بهيجة،
مريما، سعاد، اللواتي يتشكلن كعناصر تمارس من خلالها الذوات المتمكنة تسلطها وهيمنتها وتعويض اضطهادها أيضاً. فكون هؤلاء النسوة ينتمين للعنصر الأضعف في تلك التراتبية التي تحكم بيت العائلة الكبير فإن الذوات الأعلى سلطة ومكانة تمعن في ترهيبهن وإيذائهن النفسي، لاسيما إن كانت هذه الذوات أيضاً تعاني القهر والكبت، فتلجأ لإسقاط الأذى على من هن أضعف، وليس ثمة أضعف من هؤلاء الغريبات اللواتي كن مطالبات بالتطهر من جريرة الاختلاف في بيئة «لا تهضم» المختلف؛ فالتراتبية التقليدية في مثل هذه البيئات هي نظام مقدس لا يمكن تغييره أو المساس به، والحدود الفاصلة بين العوالم حدود لا يمكن تجاوزها أو التعدي عليها، وهذا النظام المقدس هو ما يفتح المجال لـ«أم صالح» الأم والزوجة الأولى المهجورة لقمع الفئات الأضعف في تلك التراتبية، لاسيما (بهيجة) زوجة ابنها الشامية، والتي كانت تمارس عليها دور الرقيب الديني والأخلاقي، وتظل تنهرها وتأمرها بالستر والصلاة والالتزام، صائحة بها ليل نهار: «قومي صلي جعلك الوصل، قومي صلي لا ربي يعاقبنا بسببك.. أنا أدري من وين يجيبون لنا... حسبي الله ونعم الوكيل عليك ياشامية بليس» (البحريات - 36).
وتتجلى علاقات القهر في (البحريات) بصورة فادحة من خلال الثلاثي (أم صالح، بهيجة، سعاد). حيث تبدأ السلسلة بأم صالح المقهورة والمضطهدة من قبل زوجها الرجل المزواج الذي يهجر فراشها ويستبدله بعدد لا ينتهي من النساء وأكثرهن من الجواري.. ولا تجد أم صالح متنفساً إلا في إسقاط هذا القهر في المنزل، «فنسوة أبو صالح من الممكن أن يدخلن وإياها في جدل طويل لا ينتهي إلا بمشادة تليها قطيعة ووشايات مستمرة عند (أبو صالح)، والنسوة الأخريات أجدن رسم خطوط الدوائر النارية حولهن فلا تجرؤ على الدنو منها، و(بهيجة) كانت زوجة صالح والتي كان يجب أن تبرر غربتها واختلافها»، ولذلك كانت أم صالح تصرخ بها وتتوعدها وتراقبها في أداء صلواتها وواجباتها الدينية، وفي لباسها وحجابها وطعامها وحديثها، وحتى في تعاملها مع زوجها وتربية أطفالها.
لكن بعد أن مر الزمن وحالت الأحوال وتوفيت أم صالح، وكبرت بهيجة وترسخت مكانتها في بيت آل معبل كزوجة لصالح الابن الأكبر، وكأم لسبعة ذكور، بدأت هي نفسها تتقمص دور أم صالح، وتنظر إلى النسوة الجديدات في بيت آل معبل، خاصة الأجنبيات منهن، نظرة وصاية وفوقية، وتمارس عليهن ذات الدور الذي كانت تمارسه أم صالح معها. وكانت سعاد زوجة (سعد) الأخ الأصغر لصالح هي الضحية التي اختارتها بهيجة لتنقل لها ذلك الدور المزعج، خاصة أنها كانت شامية/ غريبة مثلها، وبدلاً من أن يكون ذلك مدعاة للتعاطف معها فإنه يتحول إلى عنصر مضاد، إذ تسعى بهيجة للتنكر لها وإلغائها لأنها تذكرها بمأزقها الذي كانت تعيشه: «تلك
الفترة التي لاحت فيها سعاد كانت خريطة (بهيجة) قد اتخذت شكلاً نهائياً ومستقراً لدى (آل معبل) أو كادت، وكانت تخاطب نفسها قائلة: (لن أثقل هذه الأرض البكر المحررة للتو بشامية أخرى أبررها لهم، كما ظللت أبرر نفسي طوال العشرين عاماً الماضية).
كانت تصر دوماً على توبيخ سعاد على طريقة ارتدائها العباءة بشكل غير مستتر وضاف.. تماماً كما كانت أم صالح تفعل إزاءها عندما كانت تتخلص من فساتينها على سطح بيت الطين حين يسلقها الحر في بيت النخل».على أن الآخر قد يتمظهر بصيغ أخرى مغايرة، فيبدو هو المؤثر، أو حتى المتحكم في زمام الأمور، لاسيما إن كان ينتمي لبيئة أو طبقة اجتماعية تصنف بأنها أعلى مرتبة
من الذوات المحلية التي تحتك بها.. كما يتجلى في شخصية (أنغريد) الألمانية في هذه الرواية، وكما في شخصية (ثامر) في رواية (وجهة البوصلة) لنورة الغامدي.. (ثامر) طبيب القرية الجنوبية التي لم تتماس بعد مع مكونات التحضر المدني والاجتماعي، والآتي من بيئة متمدنة، الشاب الوسيم العابث الذي يستحكم على ثقة الرجال، وعلى قلوب النسوة وأجسادهن، كما تصور الرواية.وفي مقابل (ثامر) تبرز شخصية أخرى لها صفات مضادة، وهي شخصية (عم جبر) الفلاح الفلسطيني الذي يشكل ضمير العروبة وذاكرة فلسطين والطبقات الاجتماعية المعدمة والمسحوقة.


ذو صلة
التعليقات