مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

الثلاثي جبران ومحمود درويش.. مزاوجة الشعر والموسيقى

حلقة إبداعية جديدة في عالم الشعر والموسيقى، تتخطى حدود «المُغنى»، لتصل إلى درجة التماهي، والتداخل الإبداعي، في ظل إيقاعٍ مشترك، جمع الثلاثي الموسيقي جبران، إلى جوار الشاعر العربي الكبير محمود درويش.
«في ظل الكلام»، آخر ما اشتركَ بهِ درويش قبل رحيلهِ، مقدماً إلى الجمهور آخر قصائدهِ، ومنها «لاعب النرد»، مع موسيقى الثلاثي جبران، التي تأتت من إرث عائلي، تعتبر فيه الموسيقى -عزف العود- هوية العائلة فنياً، بدءاً من الأم «ابتسام حنا» (منشدة الموشحات سابقاً)، وصولاً إلى الأب المعلم «حاتم» (أحد أمهر صانعي العود في فلسطين والوطن العربي)، وانتهاء بالإخوة الثلاثة.
«المجلة العربية»، وفي متابعتها المنفردة هذه المرة، رصدت تجربة درويش في الموسيقى، وتناغم الموسيقى مع شعر درويش، في عملية مزجٍ، شكلت تكاملاً واتحاداً، نفذ من المحيط العربي، إلى الدائرة الأوسع عالمياً.

العود الجبراني والأجيال الموسيقية
تبدأ قصة العود في عائلة جبران، مع ديب جبران (1876-1951) الذي ولد في ناصرة الجليل في فلسطين التاريخية، وكان يعملُ نجارا متميزا باستحقاق، وكان يجسد بعملهِ مقولة «الفرد المتعدد»؛ مزخرفا، ونقاشا وخطاطا.
والأهم من ذلك كله؛ صناعة آلة العود، الهواية التي يعشقها، إذ لم يكن اختيار ديب جبران للأخشاب التي يصنع منها أعواده عشوائيا، وإنما يدرك تنوع الأخشاب وكثافتها وانسجامها وطواعيتها أو عدم طواعيتها للتشكيل.
ويُروى أن ديب جبران كان على علاقة بعائلة «نحات» السورية الشهيرة بصناعة العود، والعلامات الفارقة لعود ديب جبران من حيث الشكل الخارجي والزخارف والمواد المستخدمة في الصناعة تدعم وجود هذه العلاقة.
أنجب ديب جبران ستة أولاد وأربع بنات، ومن أولاده الستة احترف أربعة النجارة وصناعة آلة العود. تميز من بين الأبناء الأربعة باسم (1932-1988) وعيّن، بتميزه هذا، بداية الجيل الثاني من سلسلة الأجيال الأربعة.
يذكر أن باسم ديب جبران برع، إلى جانب الصناعة، في العزف على آلة العود وآلة الكمان، وتحفظ الذاكرة الشعبية لمدينة الناصرة العديد من السهرات التي أحياها بصحبة أخيه العازف بديع جبران.
حاتم مبدى جبران (1944) وهو العلامة الفارقة الثالثة في الطريق، الذي نقل صناعة الآلة والحرفية إلى فضاءات جديدة، حيث تأثر بأبناء عمه باسم وبديع جبران وكان يراقبهما وهما يصنعان ويعزفان بشغف واهتمام شديدين.
لم تتوافر لحاتم، نتيجة ظروف عائلية قاسية، فرصة شراء آلة عود خاصة به، ولم تتوافر له فرصة تعلّم العزف، إلا أنه تمكّن في عام 1983 من صناعة أول عود وعيّن بذلك بداية الجيل الثالث من سلسلة الأجيال الجبرانية المتعاقبة على صناعة هذه الآلة.
أنجب جبران ثلاثة أولاد وبنتا، ولا يزال يمارس المهنة بحرفية عالية في مشغل له في مدينة الناصرة حتى هذه اللحظة. أبناؤه الذكور هم سمير ووسام وعدنان يشكلون، معا، الثلاثي المعروف عربيا وعالميا.
وسام، الابن الأوسط، عيّن، بتميزه الفطري وتتلمذه على يد أبيه حاتم جبران وتعلّمه في معهد «أنتونيو ستراديفاري» في إيطاليا، على يد المعلم «جورجو تشي»، بداية الجيل الرابع من سلسلة الأجيال هذه.

رحلة الثلاثي مع درويش
يقول وسام جبران في حديثهِ مع «المجلة العربية»، إن المسيرة المشتركة مع الشاعر العربي الكبير محمود درويش  بدأت سنة 1996م، في فرنسا، حينما جمعت سفيرة دولة فلسطين في فرنسا السيدة ليلى شهيد، بين سمير – الأخ الأكبر – ودرويش، ليتم التنسيق بينهما حول مشروع أمسية شعرية موسيقية مشتركة.
ويضيف جبران أن درويش كان قلقاً جداً حيال هذه الخطوة، فاقترح على سمير أن يعزف بين الفقرات الشعرية – فترة الاستراحات - مدة ثلاث دقائق، إلا أن الشاعر، وبحسهِ دخل فجأةً بشعرهِ على خط الموسيقى، ورغم قلق سمير في ذاك الموقف، إلا أن اللحظة كونت مزجاً متناغماً وشغفاً أبدعَ واستمر لاحقاً.
ويتابع قائلاً: «بعد ذلك جرى لقاء ثانٍ في مدينة جنيف، وهي المرة الأولى التي أشارك فيها، وقد أحيينا أمسية مشتركة في مركز الولايات المتحدة».

مشروع «في ظل الكلام»
وفيما يتعلق بالمشروع الأخير «في ظل الكلام»، يوضحُ أنه في طريقهِ لأن يوزع عالمياً، بعد ترجمتهِ إلى الفرنسية، مشيراً إلى أن العمل يجري الإعداد لترجمته حالياً إلى الألمانية، وأن اتفاقاً عقد مع درويش منذ سنين على اسم الألبوم، ولكن للأسف «رحل درويش وتركنا»، ويتضمن مشروع الألبوم آخر ما كتبه درويش، مثل قصيدة «لاعب النرد»، وهنالك قصائد حرصنا في الثلاثي جبران على انتقائها لتكون ممزوجةً مع الموسيقى».
ويشير جبران، إلى أن أول أمسية مشتركة كانت في جنوب فرنسا، وآخر أمسية أيضاً كانت في جنوب فرنسا، ويذكر أنه وبعد انتهاء الأمسية، قال درويش: «نيالكم؛ المستقبل أمامكم وأنا المستقبل ورائي»، حيث كان يشعر بلحظاته الأخيرة، إلا أنه «باقٍ بما أنجزَ من شعر»، وأصبحَ بإبداعه «شاعراً عالمياً».
وحول تلقي الجمهور الفرنسي لهذه التجربة، أوضحَ أن التجربة استقبلت بشكل رائع جداً؛ إذ سمع جبران من بعض الفرنسيين «أن إلقاء محمود درويش موسيقى بحد ذاته، وأنا أعترف أن درويش ملك الإيقاع الموسيقي، بحسهِ وتكوينه، وهو ما ألهمنا»، وفي توضيحٍ منهُ يقول «أخذ بعض الفرنسيين مغمضي الأعين، في الاستماع إلى الموسيقى المصاحبة لإلقاء شعر درويش، ما دفعَهم للقول إن إلقاء درويش يمثل الجديد بعيداً عن المعنى الذي لم يكن هدفاً لدى هذا القسم من الجمهور».
ولا يفكر الإخوة جبران بعقد شراكة جديدة مع شعراء فلسطينيين أو عرب، وحول هذه المسألة، قال وسام «أنا شخصياً -وكذلك إخوتي- مع كل الاحترام للشعراء الفلسطينيين والعرب الكبار، لا أستطيع الشراكة لأن درويش أخذ مكاناً كبيراً في قلوبنا، وأعطانا دفعةً ثقافيةً إلى ما لا نهاية»، مضيفاً «لقد ترك درويش حملاً كبيراً علىعاتقنا، أتمنى أن نعطيه حقه».
ويشير جبران إلى أهمية التجربة من حيث إن «الجمهور الغربي كان يكتشف فينا الفلسطيني بمعناه الإنساني، لأن فلسطين حسب تصورهم (عنف وحرب وإرهاب)، ولكن حين قدمنا الموسيقى أخذت الصورة تتغير، لأنها تحمل معانٍ إنسانية واضحة، وثقافة منبعها أرضنا، وفي هذا الصدد، قال لنا المربي درويش: التميز هو المطلوب، كي تثبتوا الثقافة وأن تكون «موسيقى فلسطينية وليست موسيقى من فلسطين»، أي أن تكون ذات هوية منشأها فلسطين».

آفاق التجربة .. والإبداع العربي
وحول هذه التجربة في اختراق الآفاق العالمية، يقول جبران: «من خلال تجربتنا، نجد أن الفنان والمثقف العربي حاضر، وقادر على تقديم ما هو مميز ومختلف، إلا أنه بحاجةٍ إلى رعاية، كما هو الحال في أوروبا، إذ تجد هنالك مؤسسات، وشركات تعمل على توفير هذه الرعاية، وللأسف نحن في فلسطين حبيسو الاحتلال وأنفسنا»!.
ويدلل على ذلك قائلاً «الدليل على إبداع الفن العربي، أننا استطعنا الدخول في أفلام سينمائية عالمية، ومن ذلك فيلم «الرحلة الأخيرة» The Last Flight، من إخراج التونسي الفرنسي كريم دريدي (Karim Dridi)، ومشاركة النجوم ماريون كوتيلار وغيوم كانيه Marion COTILLARD) and Guillaume CANET))، وفيلم «وداعاً غاري» (Adieu Gary)، للمخرج الجزائري الفرنسي نسيم عموش، الذي شارك فيه النجم «جان بيار بكري» (Jean Pierre BACRI).ويتابع أن الشركة المنتجة للفيلم، بعد أن وجدت الموسيقى ناجحة ورائعة، قررت إنتاج أسطوانة خاصة تحمل عنوان الفيلم «الرحلة الأخيرة»، مضيفاً «أن على الفنان العربي ألا ينظر إلى ما ينجزه بالنقص، وإلى ما يقدمه بالدونية، وعليه أن يتقدم بلا خوف نحو العالم الذي يقدر بلا شك الإبداع أنى كان مصدره».

درويش والإخوة جبران ... ثنائية الشعر والموسيقى
يتساءل الكاتب والإعلامي الفلسطيني مهند صلاحات  في حديثه مع «المجلة العربية»، حول هذه التجربة قائلاً «حقيقة لا أعرف من أغنى الآخر في ثنائية الشعر والموسيقى، هل أغنى درويش الغني بلغته الإخوة الثلاثة المبدعين، أم أن ثلاثتهم أغنوا قصيدة درويش؟».
ويضيف صلاحات «نحن هنا أمام حالة في شعر محمود درويش لا تشبه سابقاتها، فكما نعرف أن الكثيرين سبق وأن غنوا قصائد درويش وحولوها لأغنيات جميلة، فهنالك مارسيل خليفة، سميح شقير، أصالة نصري، بشار زرقان، وغيرهم الكثير، إلا أن هذه حالة مختلفة، هي حالة ترجمة الشعر لموسيقى، أو ترجمة المواضيع الأدبية لموسيقى، وبالتالي نحن أمام حالة من التجديد والارتقاء ليس للشعر فقط، بل بفن إلقائه».
ويقول صاحب مجموعة «وحيدان في الانتظار»: «ما أضافه وسام وسمير وعدنان جبران لم يكن لمحمود درويش ولا لشعره، إنما برأيي المتواضع لإلقاء الشعر العربي بشكل عام، إن ما فعلوه هو أنهم أسهموا في إنزال القصيدة أكثر للشارع، وفي الوقت نفسه المزج بين جمهوري الشعر والموسيقى في آن»، موضحاً أن «الشعر العربي، الموزون منه تحديداً له إيقاع موسيقي لا يدركه سوى المتذوق والدارس للشعر، وكما نعلم أن العديد من المقامات الموسيقية العربية مستوحاة من الإيقاع الموسيقي في بحور الشعر».
ويتابع صلاحات قائلاً: «إنه في عملية تلحين الأغاني يلجأ الملحن الموسيقي إلى بحور الشعر لتلحين القصيدة –هنا طبعاً لا أقصد ما يسمونها الأغاني الحديثة التي تعتمد على مشهد الفتيات في الفيديو كليب وليس على مضمون الكلمات أو اللحن حتى نحترم أنفسنا قليلاً في تعريف الأغاني والتفريق فيما بينها وبين التهريج الحاصل على الفضائيات اليوم - فإن ما جاء به الإخوة جبران هو القريب البعيد، هو إعادة الاعتبار للقصيدة وللموسيقى العربية أيضاً».
ويرى أن في هذه التجربة «إعادة المطلّقة (القصيدة العربية) لمطلقها (الموسيقى)، لكن بشكل آخر دون مزاوجة، ودون تفضيل لواحدة على أخرى، ما يعني أن هناك لم شمل شرعي حقيقي، وإعادة اكتشاف علاقة القصيدة بالموسيقى»، موضحاً أن المشترك بين شعر درويش والإخوة جبران «كلاهما يقدم فنه بشكل متميز ومبدع».

الثلاثي جبران .. فرقة متكاملة الأدوات
يرى الشاعر محمد عريقات أن يصاحب الشاعر عند قراءتهِ لقصائده عازف عود، ليس جديدا، أو أن يرافقه صوت موسيقى تسجيلي، فقد ورد هذا في العديد من الأمسيات الشعرية، إلا أن الجديد في تجربة الثلاثي جبران مع الشاعر محمود درويش تتجلى في انسجام الطرفين وتماهي الكلمة مع النغم، فيكون التحليق وتتحقق النشوة».
ويضيف عريقات «أهم ما يميزُ هذه التجربة الفريدة أن الثلاثي جبران -بمعزل عن محمود درويش- هي فرقة متكاملة الأدوات لها اقتراحها الفني الخاص، وهي فعل مقاومة تأخذ الريحُ أنغامها إلى نوافذ العدو البعيدة، وإلى ما وراء أسوارهم العالية، فهي بحق «موسيقى المقاومة الفلسطينية» وترجمان فصيح لإنسانيتها والإنسانية جمعاء».
ويذهب صاحب ديوان «هروباً من الشعر» إلى «أن علاقة الشعر بالموسيقى كعلاقة الكائن بالأكسجين، فالشعرُ هو النفس الملحنة -على حد تعبير أحدهم - ذلك مع اتساع مفهوم الموسيقى الشعرية، فقديمًا كان العروض هو الوحدة الموسيقية أو الإيقاعية التي تبنى عليها القصائد، وكانت كحد فاصل يميزُ بين الشعر وغيره من الفنون الكتابية الأخرى، حتى مع ظهور قصيدة النثر فلم يتراجع دور الموسيقى رغم انسلاخ تلك القصيدة عن العروض، فقد استعاضت عنه بالإيقاعات الداخلية والتناغم الناتج عن مفرداتها، فاللغة العربية في حد ذاتها لغة غنائية موسيقية بامتياز».
ويقول صاحب ديوان «حين أمسك بالفرح»: في أكثر من موضع صرح درويش أنه بغير توالد الإيقاع لديه لا يكون هنالك قصيدة، أي أن الإيقاع من يقوده إلى فعل الكتابة، إلا أن قصيدته سبقته بالبوح لنا بهذا السر، فقصيدة درويش رغم الظروف والنقلات التي مرّت بها إلا أنها لم تتخلَّ عن الغنائية، ولا عن البحور الشعرية الكلاسيكية وإن قام بإضفاء التجديد المستمر عليها، فهو الوريث الوحيد لإيقاع الشعر العربي».
وينهي حديثه لـ «المجلة العربية» قائلاً: «إن أهم ما يميز أمسيات درويش.. هي الطريقة الفريدة والأخّاذة في الإلقاء، فهو ينشد قصائده أكثر مما هو يلقيها، فيكون صوته سمة أخرى تضاف إلى جماليات الصورة وإلى مفردته الحاذقة المنتقاة بأناقة ديك، وإلى غير ذلك من الجماليات المحتشدة في قصيدته التي تتحول مفرداتها إلى مجموعة نوتات متآلفة تكسر حاجز اللغة كأداة للتوصيل والتفاعل، فلا يكون لجمهوره غير العربي كالفرنسي أو الألماني حاجة لترجمتها».


ذو صلة
التعليقات