مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

عفاريت قلبت الموازين

صاحبي عرفته رجلاً يتمتع بكرم الأخلاق وطيب المعشر على قدر كبير من الثقافة. سبرته وعركته فوجدته من أنبل الرجال وأوفى الرجال وأكرم الرجال. تزوج في مقتبل عمره امرأة صالحة من أسرة كريمة، أنجبت له بنين وبنات، نشأوا نشأة صالحة وتربية فاضلة، عاش معها قرير العين مرتاح الضمير. وكنا كلما دعانا إلى مائدته العامرة نجد عليها ما لذ وطاب من عمل أم البنين، وإذا شبعنا حمدنا الله ودعونا لها بالصحة والعافية والبركة في العمر وصلاح البنين والبنات.. صاحبي دائماً شغف بالقراءة آراؤه جريئة في الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تنم عن ثقافة واسعة ومخزون معرفي متعدد المشارب. يعيش حياة سعيدة نغبطه عليها. في يوم من الأيام أقبل إليّ مقطب الجبين مكفهرّ الوجه مكدود الذهن سلّم رددت عليه السلام رحبت به، وأجلسته في صدر المجلس، قدمت له فنجان القهوة. ثم بادرته: سلامات يا صاحبي اليوم أراك متكدراً!! رفع رأسه وقال: ما شاء الله فطن لمّاح!! ثم سكت هنيهة. قلت: اصدقني القول وطمئني. قال: الحمدلله بخير. قلت: ذلك ما كنا نبغ. لكن إن صدق ظني هناك أمر قد شغلك وهمّ داهمك، قال: الزائر الذي زارني ألم يزرك؟ قلت: لم أفهم أوضح يا رجل!! قال أنصت واسمع حكاية ترقى إلى حكايات ألف ليلة وليلة. قلت هات ما عندك، قال أنت تعرفني أنني وأسرتي في أحسن حال وأهنأ بال. إلى أن رُبطت الملائكة وأطلقت العفاريت.. قلت لم أفهم! الذي أعرفه أن العفاريت تربط ومعاذ الله أن تربط الملائكة. قال لا تستعجل حتى أحدث لك منه ذكرى. قال: برنامجي كما تعلم أصلي الفجر جماعة ثم أنصرف إلى البيت ثم أبدأ في قراءة الصحف مع فنجان قهوة الصباح. وكانت الصحافة وقتها لها مذاق خاص على درجة عالية من المصداقية والتنوع في الطرح، والكتاب من أفضل النخب الثقافية التي تعلي من القيم، تحترم ذوق المتلقي، أسعد وأتلذذ بما أقرأ ثم أفتح على (هنا لندن) هيئة الإذاعة البريطانية لآخذ أهم الأنباء الطازجة وموجز الصحف البريطانية كلاهما يوثقان الخبر ويحظيان بالمصداقية وأحرص على متابعة التحليلات الإخبارية التي على درجة عالية من المنهجية والمهنية وأحرص أيما حرص على متابعة برنامج (من القائل) الذي يعده ويقدمه حسن الكرمي، ولا أنسى اليمامة ومؤسسها حمد الجاسر –رحمه الله- الذي له أياد بيضاء، فتقَ أكمام المعرفة وقاد حركة ثقافية رصينة وجعل من اليمامة منبر إشعاع وتنوير ننهل منه ثقافة عذبة رقراقة.. يا له من زمن جميل سلِم من العلل والأمراض الاجتماعية والثقافية التي اجتاحت عالمنا اليوم وما أكثرها. أم البنين جزاها الله خيراً مسبغة علي نعماً كثيرة (يا عين ماذا تريد) الفطور تعده بحرفية تقدمه إلي في وقت محدد وكأنها في الدقة ساعة جرينتش، أفطر وأحمد الله على هذه النعمة ولا أنسى الدعاء لأم البنين.. ثم أنطلق إلى عملي في سرور وحبور. أحيا حياة صافية سعيدة.
 في السنين الأخيرة تغيرت الأمور، وتبدلت الأحوال، دخل علينا التلفاز والصورة ثم الشبكة العنكبوتية (ثم العفاريت) فيس بوك وتويتر والواتس آب.. حب المعرفة والفضول جرفاني إلى هذه المواقع، أصبحت من روادها أُصبتُ بداء الإدمان والسعار، ألهث وراء ما يدور في هذا العالم، بدأت حياتي تتغير إلى وضع لست مرتاحاً منه، انقطعت عن رفقاء الدرب وانقطعوا عني، وأصبح يعتريني شيء من الهلوسة وضبابية الرؤى. ثم سكت وأطال السكون.. قلت: من ماذا؟ قال: من انقلاب المفاهيم وانعدام أدب وقيم الحوار الهادف البنّاء وظهور الطائفية المقيتة والصراعات المريرة وتلميع القبيلة ورموزها وبروز ثقافة الشاة والبعير، الكل يلهث وراء المادة وأوضارها وكأنما نجرّ إلى الورى، العالم من حولنا يقفز قفزات هائلة في شتى نواحي المعرفة، ونحن أمة تُقاد ولا تقود، أمة تتعلق بذيل العالم، أم البنين أصابتها العدوى دون أن أعلم، بناتها هداهم الله علموها أبجديات ولغة هذه العفاريت، أدمنت، وأخذت ترتوي من معينها وتثرثر مع صديقاتها بكل ألوان الطيف، الكلمة والصورة غثها وسمينها، أهملت البيت ولم تعد أم البنين التي عهدتها؛ المرقوق والجريش والقرصان والحنين والفطور الذي تشم رائحته على مسافة أميال أصبحت أندر من بيض (الصعو)، بناتها هداهم الله لم يتعلموا من أمهم كيف تتم إدارة البيت والمطبخ، وتحولنا إلى مطاعم الوجبات السريعة والمتردية والنطيحة من المطاعم الأخرى التي فيها من البلاء والمصائب ما الله به عليم. إذا التم شمل الأسرة في المجلس الكل أخرس سارحاً في عالمه وكأن على رؤوسهم الطير. انطفأت جذوة المحبة والود، والسواليف التي تفرح القلب وتبهجه، وزاد الجفاء وضيق الصدر، نهارنا جحيم وليلنا عتيم.. إنه الاحباط يا سيدي الذي ما بعده إحباط.. ثم التفت إليَّ وقال: ألم تقع في حبائل هذه العفاريت ويؤثر فيك هذا الزمن؟
قلت: (كل عليه من زمانه واكف) أصابنا البلل ولن ينجو منه أحد. قال: الحمدلله أنني لست وحدي.. ثم أردف قائلاً: ما العلاج؟ قلت: الزمن تغير والأحوال تتبدل وإن طال بك العمر سوف ترى ما يشيب منه مفرق رأسك. قال: وهل بقي شيء..؟!! الرأس كله شيب. قلت: اقبض على ما تبقى من دينك وكن كالقابض على الجمر. واعتزل في مكان ناء معزول من كل المؤثرات كما كان أجدادك واعبد ربك إلى أن يأتيك اليقين. قال: أين هذا المكان دلني عليه؟
ذو صلة
التعليقات