مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

فلسطين في الأدبيات الرحبانية

«تكمن أهمية الوطنيات الرحبانية لفلسطين كونها إبداعات غير مسبوقة فنياً وتقنياً, تشكل في مجملها نسيجاً فنياً متفرداً عميق النبرات متجدد الأثر, وبخلاف كثير من الإبداعات الأخرى قدم الرحابنة ألبوماً من الصور الشعرية التي ترصد مراحل مختلفة من التحولات التاريخية الزاخرة بالتفاصيل والدلالات على مدى ثلاثة عقود غزيرة متعددة الأشكال, ثرية في صيغها التعبيرية, مما ساعد على بلورة رؤيتهم» (سالم المجيدي – عيوننا إليك ترحل كل يوم 21/1/2008م - Algomhoriah.net)
وأعطى الإنسان الفلسطيني هويته الجمالية وساعد في تكوين الوجدان العربي العام فنياً تجاه فلسطين, فخلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ردد الشباب العربي في كل الأقطار أغاني فيروز لفلسطين وقضايا التحرر. (هاشم قاسم وآخرون– الموسيقى العربية أسئلة الأصالة والتجديد– مركز دراسات الوحدة العربية– سلسلة كتب المستقبل العربي (37) الطبعة الأولى- نوفمبر 2004م– بيروت – ص 156) فصار للبعدين الاجتماعي والسياسي مكانتاهما الضروريتان, وكأنهم عبر نصوصهم الموسيقية والشعرية كانوا يدعون إلى قيم شعرية تدعم حراك المجتمع وتيقظه لتشكل في رؤية أنسي الحاج «مضموناً فنياً كاملاً» لم يتعثروا فيه بأغنية واحدة. وتستجمع إبداعاتهم شتات الروح وتسمو بها, فكانت بحق الأجمل والأصدق تعبيراً. فالعلاقة بين الفنان والسياسة قضية أصيلة خاصة حين تشتعل الساحة بصراعات. وجد الثلاثي الرحباني: فيروز (1935م - ...) وعاصي (1923 - 1986م) ومنصور الرحباني (1925 - 2009م) أنفسهم يبحرون وسط أمواجها المتلاطمة وفي قلب أحداثها إيماناً منهم بالدور الإيجابي للفنان وللفن المؤثر والملتزم بالقيم الوطنية الرفيعة التي تبني العقل والوجدان والإرادة «فالأرض لا تدمر بالقنابل  بل بانهيار العقل والموسيقى». (سليمى حمدان– حوار مع الفنان إلياس رحباني- مجلة دبي الثقافية– العدد 88- سبتمبر 2012م- ص128)
فاضت العبقرية الرحبانية منذ إرهاصاتهم الأولى في الخمسينات من القرن الماضي بالعديد من الوطنيات عامة والفلسطينية خاصة, كما لعبوا دوراً مؤثراً في تعميق الإحساس والوعي بفلسطين, فلقبا بـ(آباء العمل الفدائي) وشكلت إبداعاتهم ركناً ركيناً في مسيرة النضال, فكانت أولى الصرخات للتذكير بحق العودة الأمر الذى يدعو معه البعض بإقامة نصب تذكاري لثلاثي الإبداع. (د.أحمد منصور- فلسطين في إبداعات الأخوين رحباني -2/10/2011م- Jamahir.alwehda.gov.sy)
سيدة الوطنيات
بالرغم من أن فيروز كانت تعد لتصبح معلمة إلا أنها أصبحت رمزاً وطنياً وصوت الضمير العربي, وتكمن قيمتها في أنها جسدت بفنها -ثلاثة آلاف أغنية- تاريخنا القديم, فكانت بمثابة الجسر المتجدد بين تاريخ الآشوريين والكلدانيين والبابليين وصولاً إلى تاريخ دمشق وبيروت وبغداد والقدس, صوت ملائكي ينسل إلى الأعماق ليصبح ممراً أصيلاً لتاريخ من الفن والحضارة وعصور من السلام والسماحة. (منتديات شباب وصبايا سوريا الإلكتروني 28/2/2007م) فترسخت مكانتها الأثيرة في القلوب والعقول, ورغم تبدل أجيال عديدة أصبحت في رؤيتنا المتواضعة سيدة الأغنية الوطنية بلا منازع لارتقاء رصيدها كماً وكيفاً, وهي أول مطربة تظهر صورتها على شاشة التليفزيون السعودي عندما أنشدت عام 62 لمكة المكرمة اللحن الذي يقول مطلعه (غنيت مكة أهلها .. الصيدا / والعيد يملأ أضلعي عيدا). (د/جورج طراد- سيرة فنية وذاتية- مجلة العربي الكويتية العدد 583-يونيو 2007م- ص106) فاستحقت العديد من الألقاب والجوائز عربياً وعالمياً, لعل أهمها مفتاح القدس عام 68, فعلقت متأثرة «علينا أن نقول دائماً القدس لنا, ولو استطعت أن أنشد كل يوم أغنية لأبناء القدس وأعمال الفدائيين لما تأخرت), وهي أول مطربة تحصل على الدكتوراه الفخرية التي احتكرها الأكاديميون منذ عام 1866م بالجامعة الأمريكية لتصبح من أهم 22 شخصية عالمية, فطالب عشاقها الصفوة بجعل يوم ميلادها عيداً وطنياً لبنانياً, الأغرب رفضها لعدم حبها للضجيج وتفضيلها الإبداع في صمت. (الجمعية العراقية الكويتية 16/2/2007م– صوت عابق برائحة الأس والليمون (Aljeeran .net).
شكلت وطنياتها انعطافة تاريخية وحافزاً نهضوياً يدعو للحوار وللتماسك وللبناء, وقامت على الشفافية والتقاط الجواهر لتقدمها بتطريب عميق ذي الطابع الأثيري المحرك للذات الملبي للأذن الموسيقية المرهفة جماليات زادتها صقلاً وثقافة, يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش «قدم الرحابنة فنياً لفلسطين ما لم يقدمه الفلسطينيون أنفسهم. أشهر الفلسطيني هويته الجمالية بالأغنية الرحبانية حتى صارت هي إطار قلوبنا المرجعي الوطن المستعاد». (محمود درويش- تلك الأغنية هذه الأغنية- مجلة اليوم السابع- باريس - العدد126)
اعتبرت فيروز نفسها مسؤولة عن كل ما يتعلق بالأرض والإنسان ورؤيتها (الوطن كله لي فالأمر ليس مجرد إيصال كلمات مغناة بل هي أسلحتي... فأنت تنقب في أعمال الروح وما يصل مني للجمهور هو ما لا أستطيع السيطرة عليه من روحي), فكان صوتها البطل الأول الذي حمل القضايا والهموم لأعلى مستويات التعبير الدرامي (هاشم قاسم- فيروز عطاء بلا حدود- مجلة الدوحة- العدد 27- المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث – قطر- ص 48 بتصرف).
الإلهام الرحباني
أبدع الرحابنة عشرين عملاً تقريباً, لعل أبرز ما يميزها حلم العودة الذي أرادوه أن يرتبط في الأذهان بالحنين الملون بالأمل والمسلح بالوعي بعيداً عن الانكسار من خلال أغنية مؤثرة متكاملة (لغة وموسيقى وقدرة تصويرية) تختلف عن الغنائيات الشعاراتية المباشرة. (د.مفيد مسوح- قراءة في كتاب فيروز والفن الرحباني الحلم المتمرد والفردوس المفقود- Jamaliya.com)
ولعل استذكارها ودراستها اليوم لا تشكل بحثاً في دفاتر الماضي العتيقة بل عودة ضرورية ومهمة تقدم صورة من صور خلود العمل الفني وقدرته على استمرار إثارة الاهتمام حين يولد على قدر كبير من الموهبة والإيمان بالقضية. (محمد منصور – فلسطينيات مجهولة في التجربة الرحبانية Kassioun.org).
قاد الرحابنة حركة موسيقية وغنائية تفوقت في الشعر الغنائي, شكلت جزءاً مهماً من مسيرة الحداثة المنطلقة من العناصر الحية في التراث الموسيقي العربي, عمدوا فيها إلى التوليف الإبداعي بين الألحان الغربية والموسيقى الشعبية اللبنانية والجمع بينهما وبين الكلمة اللبنانية, ومنها (سنرجع يوماً). وحمل صوت فيروز قلق العرب وأحلامهم ورؤاهم النقية, وأعيد شحن الوجدان بالوعي بالإضافة إلى جمع الإيقاعات المبعثرة والتناثرات في صوت واتجاه واحد كأنها اختصرت الأصوات والأحاسيس والآمال كلها. (كتاب/ الموسيقى العربية أسئلة الأصالة والتجديد– ص 157)
 اشتهر أحد عشر عملاً يعبر عن مفردات شتى اختزلوا فيه صوراً ووقائع وأحداثاً بطرق متعددة. (محمد منصور – القدس وفلسطين في الأغنية الرحبانية (نقلاً عن جريدة القدس العربي 21 /1/2009 م – Alimbaratur.com) وهي: راجعون– سنرجع يوماً إلى حينا– جسر العودة– يافا– بيسان– غاب النهار– ياربوع بلادي– القدس العتيقة– زهرة المدائن– احترف الحزن والانتظار– سيف فليشهر أو أجراس العودة. وهناك إبداعات أخرى بعضها شبه مجهول وبعضها لم يأخذ حقه من الدراسة والاهتمام, وبعضها كان ضحية شهرة إبداعات أخرى وعددها تسعة تقريباً: الغرباء– داري- عيد عيد- بيارتنا زرعناها– بلادي أغنية العصافير– حصاد ورماح– لاتنسني- القرى– قصتنا. تناولت الأطر المختلفة لفلسطين وأبرزتها بقوة, ولم تخل أغنية من تجسيد حلم العودة بمختلف المفردات والتعبيرات, لكن تبقى أغنيات (راجعون) و(سنرجع يوماً) و(سيف فليشهر) و(جسر العودة) الأكثر تعبيراً عن ملامح هذا الحلم وتأكيداً وإصراراً على إذكائه, فظل من أساسيات رؤيتهم واقترن دائماً بثلاثة عناصر رئيسة:
الأول: النبرة الرومانسية التي تعبر عن الحنين إلى المكان السليب والذكرى التي تضطرم نيرانها في النفوس كلما أوغل المكان الذي احتضنها في الغياب. 
الثاني: البعد التراجيدي الذي يستحضر آلام الغربة ولوعة الانتظار والذي يعبر عن عمق المأساة بشاعرية راقية وجلال, بعيداً عن البكائية والميلودرامية الفجة. 
الثالث: الأمل الراسخ بحتمية العودة مهما طال الزمن, فحققوا فتحاً جديداً. وإذا كانت قصيدة (سيف فليشهر) شعر/سعيد عقل تمثل في بنائها الموسيقي الشكل الشائع للوطنيات بطابعها الحماسي, فاستخدمت فيها المارشات العسكرية والأبواق النحاسية في حالة منسجمة مع الطابع العام للقصيدة؛ فإن أغنية (سنرجع يوماً) تمثل حالة شديدة الخصوصية في سياق التعبير الغنائي عن مفهوم الوطنيات تعبيراً رومانسياً خالصاً كلمة ولحناً وبناء موسيقياً, فالحنين هو العنصر المسيطر على الحالة الشعورية للعمل, والتغني بالوطن باعتباره الحي والناس والحب والذكريات؛ هو الحجر الأساس الذي يشكل الانتماء لهذا الوطن خارج الشعارات والأيديولوجيات, لكن الوطن إلى جانب ذلك كله هو اليقين الراسخ بالعودة مهما كانت المستحيلات, فميزة الفن العظيم بث الأمل وزرع الإيمان في نفوس أصحاب الحقوق, ولقد وعى الرحابنة هذا فتعاملوا معه باعتباره يقيناً ثابتاً وحقيقة مطلقة, وغالباً ما تبقى الحقائق المطلقة خارج نطاق التحولات والمتغيرات وفوق انقلاب موازين القوى, ولذلك يأتي التعبير عنها راسخاً وخارج النطاق الزمني المحدود الذي قد يحكم بعض الأعمال والرؤى الفنية. (محمد منصور – Alimbaratur.com) 
يروي الراحل منصور رحباني قصة إبداع العمل الفني الكبير(راجعون), فيوضح أنه بدعوة من إذاعة صوت العرب وقعوا عقداً مع مديرها أحمد سعيد لتنفيذ غنائيات وأناشيد وبرامج, حاول أن يقنعهم بالانتقال إلى غزة ليسمعا الأغاني الفلسطينية لكن لخوفهما من ركوب الطائرة طلبا استحضار تسجيلاتها للقاهرة فوجدوها مجرد نواح لا يعالج القضية الفلسطينية, فكانت رؤيتهم ألا يسترد فلسطين إلا الفلسطينيون. (المرجع السابق) فوضعا (راجعون) بما فيها من وصف حياة الشتات واستنهاض الهمم. غنى بجانب فيروز كارم محمود جملة: (مقدس الأرض ثراها / مهابط الوحي سماها / أصبحت اليوم خرابا /تشتاق للعدل رباها). وقد ألغيت هذه الجملة ومشاركة كارم محمود في التسجيل الجديد. (سليم سحاب- فلسطين في الأغنية العربية- مجلة شؤون عربية– العدد142- جامعة الدول العربية- Arabaffairsonline.org) فيبدو أن توزيع القاهرة لم يكونا راضيين عنه فأعادا إصدارها في بيروت عام 56 وأطلقا عليها اسم (مغناة) كما تقول الأسطوانة, لكن الصفحة الأولى من نوتة التوزيع الموسيقي تسميها (عملاً موسيقياً كورالياً). قاد الأوركسترا آنذاك الموسيقار توفيق الباشا مع استبدال كارم محمود بميشال بريدي. تمثل (راجعون) ثورة على الوطنيات المألوفة كلمة وأداء وتوزيعاً وبناء موسيقياً فخماً, وإبداعاً غنائياً يقوم على حوار بين الفرد والمجموعة بين الصوت والصدى الأمل والبؤس, حوار مشبع بالأصوات التي تصارع واقعها, لا يعمد إلى عرض أفكار ومعان وطنية فحسب بل ينطوي على حبكة درامية تطوع الموضوع ليكون نسيجاً رحباني الإلهام يحاكى الطبيعة بنبرة رومانسية تضج بالحنين يعبر عنه الكورال في مناجاته نسيماً من ربى الديار السليبة. تبدأ المقدمة الموسيقية هادئة لا تلبث أن تعلو فيها أصوات النحاسيات والخشبيات والطبول ثم تهدأ لنسمع أصواتاً تأتي من بعيد هي أصوات المجموعة (الشعب): (أنت من بلادنا يانسيم / يا عبيراً يقطع المدى / حاملاً هموم أرض يهيم / أهلها في الأرض شردا) سرعان ما يتحول النص في لحظة انقلاب درامي وموسيقي ليطرح سؤالاً استنكارياً ثورياً: هل ننام وشراع الخير حطام / هل ننام ودروب الحق ظلام (ثم تستكمل الحالة الثورية الجنينية في مقطع : وقوفاً وقوفاً أيها المشردون / وقوفاً يا ترى هل تسمعون / ديارنا من يفتديها؟/من غيرنا يموت فيها؟!). (محمد منصور –Alimbiratur .com) لتمضي الأصوات تعبر عن الأسى وحنينها, فيعلو صوت فيروز (صوت فلسطين): (بلادي زماناً طويلاً / أذلك الغاصبون / يابلادي أطلى قليلاً / فإننا راجعون), ثم تعود أصوات المجموعة (الشعب): (نحن من الأرض السليبة / نحن من الأرض البعيدة), وتجري حوارات ومناجاة بين فيروز (فلسطين) وبين المجموعة (الشعب) فتقول لهم: (يا هائمين في الدروب / يا منشدين للغروب / غناؤكم هاج حنيني) الآلات الموسيقية بكامل روعتها ترافق نشيد الرجوع الصارخ الحتمي: (في الرياح راجعون / في الأمطار راجعون / في الإعصار راجعون / راجعون راجعون راجعون). (د/ أحمد منصور – فلسطين في إبداعات الأخوين رحباني – 2 /10/ 2011 م – Jamahir . alwehda . gov.sy)
وإذا أخذنا في الاعتبار زمن إبداعها, منتصف خمسينيات ق 20, بعد سنوات قليلة من نكبة 48؛ أمكن تصور قيمة تلك الرؤية الإبداعية المتحررة من أجواء وشعارات تلك المرحلة والمترفعة موسيقياً وفكرياً ودرامياً عما قدم. ويرى الناقد نزار مروة أن (راجعون) وبعد ثلاثين عاماً لا تزال تحتفظ بتلك الريادية فوصفها بندوة عام 86 بأنها (صعبة على درجة من الفكر الموسيقي الأرقى يرتفع بالسامع لمستوى التجربة, تتخطى الحماسيات الجوفاء وتتجاوز البكائيات). (هاشم قاسم – مرجع سابق)
 فانجلت عن معالجة ناجحة للتعامل مع الأوركسترا والصوت المفرد والجماعي بالمعنيين الوظيفي والجمالي. (محمد منصور – Alimbaratur.com) إلى جانبها ظهرت (مع الغرباء) بمشاركة غنائية للإذاعي محمد الطوخي بدور الجد: (فصبراً يا ابنتي صبرا /غداة غد لنا النصر), وتعتبر هاتان الأغنيتان بداية الرحابنة الدرامية الكبيرة كما ظهرت جلية مواهبهما اللحنية والتوزيعية والشعرية. مع (راجعون) ظهرت في عمل إذاعي غنائيات (غاب نهار آخر) (سهام شماس) و(إلى بيسان) و(سنرجع يوماً إلى حينا). (فيروز) عندما تحدثت عن العندليب الذي خبرها بأننا لا بد أن نرجع عندما قابلها على المنحنى وأخبرها بأن البلابل لم تزل هناك تعيش بأشعارنا لتأتي أغنية (يافا) (جوزيف عازار) بما تحمله من معان رمزية عميقة شعراً درامياً ووصفاً موسيقياً لتحكي قصة صيادين تاهوا في عاصفة (ويومها قالوا إننا هالكون) رمز التيه الفلسطيني ثم (لكننا مع الصباح / جئنا مع الرياح / كما يجيء المارد / ودخلناها مينا يافا / يا طيب العود يا يافا). الرمز واضح فالصيادون (الشعب) والعاصفة (الشتات) ثم حتمية العودة (وسنرجع يوما يا يافا), وقد شكلت شريطاً أضيف إليه بعد 67 أغنيات (القدس العتيقة) و(سيف فليشهر) و(زهرة المدائن) باسم (القدس في البال), ويعد أهم إبداعات الرحبانية. (سليم سحاب – مرجع سابق) عام 57 أطلقوا ألبومهم القذيفة (راجعون) الذى احتوى إبداعات متنوعة الرؤى, ففي المغناة الرئيسية (راجعون) يبرز حبهم للأرض السليبة, يكمل منظومة الحنين بالألبوم أغنية (يا ساحر العينين) التي ترسم لوحة البيت إذ هو دافئ وآمن ومسرح للحب. في أغنية (عند حماها) أوتاد من حنين تشد القلب إلى الأرض الحبيبة, وفي (بلدتي غابة جميلة) نحلق من جديد مع الخيال والشجن, فإذا سمعنا (بعدنا من يقصد الكروم) تتكشف أمام أعيننا قصة الحب الذى امتزج بأحلى صور القطاف. (د/ شارل بشرى مجلى – بعد عشري عاما على النكبة -15/6/2010م/ Masress.com) تلا ذلك (جسر العودة) والعودة كموج البحر إلى شاطئ فلسطين (يأتي آلاف الأطفال / من كبروا الليلة في الخارج / عادوا كالبحر من الخارج) ترافق ذلك مع الصرخات بقيام وحدة سورية مصرية وروجت جريدة (الجماهير الحلبية) والصحف الدمشقية لأهمية هذه الغنائيات في بعث الروح الوطنية وإثارة الوعي فالنصر في النهاية للحق العربي (د/ أحمد منصور – Jamahir . alwehda). من المجهولات يؤكد د/ شارل مجلي أن سيل الإبداع بدأ في الخمسينيات من القرن الماضي بصورتين غنائيتين لا يعرفهما إلا قليل من النقاد المهتمين بالتراث الرحباني, الأولى: (غرباء) التي تتحدث عن قضية اللاجئين والعودة إلى يافا والأخرى (قصتنا) التي غنتها فيروز على المسرح (أغنيتي إليك أشرعة بيضاء كالطفولة / حاملة قصائدي الخجولة تبحر من قلبي إلى عينيك / سألت عن حبيبي ينشد في العراء / تنضج الكروم ليخصب العطاء / لمحته حبيبي عند شريط الشوك والغبار / مهللاً في ساعة الفداء / أغنيتي إليك على ذرا القدس أنا أصلي / يارب تذكر موطني وأهلي / وأدمعي تذكرني لديك). في السياق نفسه تتربع (سنرجع يوماً) على قمة الوطنيات لصياغتها بصورة تكاد تصل إلى حد الكمال من حيث الإطار اللحني والكلمة بشكل يصلح لكل الأوطان لكل الأزمان. (محمد محمود فايد– فيروز صوت الضمير العربي– مجلة الرافد www.arrafid.ae/arrafid/p18_6-2010.html)
ويؤكد الناقد السوري محمد منصور أن القصيدة أبدعها الشاعر هارون هاشم رشيد رئيس مكتب إذاعة صوت العرب المصرية بغزة, وكان منصور قد نسبها للرحابنة في كتابه (قصائد مغناه) فقد خانته ذاكرته لأنها منشورة بالديوان الأول لرشيد (مع الغرباء) عام 54 وأعيدت بديوانه الصادر عن دار عودة ببيروت, وقد عاد الشاعر نفسه عام 2009م لتأكيد ملكيتها حين أصدرت له وزارة الثقافة السورية ديواناً جديداً بعنوان (الصوت والصدى) سلسلة آفاق مقدسية, حيث جاء على غلافه ما يلي (سنرجع يوماً إلى حينا / ونغرق في دافئات المنى / سنرجع مهما يمر الزمان / وتنأى المسافات ما بيننا) (لصاحب هذه الكلمات الحزينة المؤثرة التي غنتها فيروز لأجيال عديدة نقدم باقة جديدة من القصائد), والواقع أنه كما أوضح محمد منصور في مرجعه القيم (الخارطة الشعرية للأغنية الرحبانية) من أنهم اختاروا القصائد التي تلتقي مع أسلوبهم وتحاكي ذائقتهم الرومانسية التي نقلاها من الأدب إلى الغناء بكثافتها الثقافية, فكتبا مقدمة للقصيدة ضمن أسلوب الربط الدرامي لبعض القصائد خاصة حين كانوا يقدمونها ضمن حفلة أو برنامج, مقدمة الكورال: (أسراب السنونو عادت إلى الأعشاش الجبلية / أترى نرجع مثل سنونو / مثل راع جبلي مثل شراع عائد / أترى نرجع نرجع نرجع؟!) كتبها الأخوان رحباني لتمهد للقصيدة ثم يأتي بعد رد فيروز على سؤال الرجوع من خلال قصيدة رشيد (سنرجع يوماً إلى حينا /ونغرق في دافئات المنى / سنرجع مهما يمر الزمان / وتنأى المسافات ما بيننا), فخلط بعضهم بين المقدمة والقصيدة المنشورة لرشيد شاعر فلسطين القومي. كما اختارا من ديوانه الأول قصيدة (الغرباء) (مغناه شعرية) وهي من أولياته وذات بنية درامية متعددة الأصوات تقوم على حوار بين ليلى ووالدها في الشتات بأجوائه: (أتت ليلى لوالدها وفي أحداقها ألم / وفي أحشائها نار من الأشواق تضطرم / وقد غامت بعينيها طيوف هزها سقم / وقد نام البهيج أسى فلا صوت ولا نغم / أتت ليلى لوالدها وقد أهوى به الهرم / وقالت وهي من لهف بها الآلام تحتدم / لماذا نحن أغراب / أليس لنا بهذا الكون أصحاب وأحباب / أليس لنا أخلاء أليس أحباب / لماذا نحن يا أبتي لماذا نحن أغراب؟!) تنتقل المغناة بين مناخات درامية تصور حياة الخير والعطاء التي كان يحياها الفلسطيني كما تتماهى مع جمال الطبيعة كذكرى جميلة لوطن سليب لتطرح أسئلة مبهمة عن انقلاب ذلك (سألتك أمس عن أمي التي ذهبت ولم ترجع / سألتك وخافقي يشكو سألتك ومقلتي تدمع / وأنت مغلغل في الصمت لا تحكي ولا تسمع / ويمعن يا أبي صمتك ولا ينفذ لي صوتك / فأصرخ يا أبي قل لي لماذا نحن أغراب / سألتك منذ أيام عن أخي أحمد / وكدت تزيح عن عيني ذاك الخاطر الأسود / وكدت تقول لي قد مات يا ليلى قد استشهد /ولكنك لم تفعل / لماذا نحن يا أبتي لماذا نحن أغراب ؟). إلا أن هذه الحوارية لا تبقى أسيرة الميلودرامية الحزينة فتبشر بالنصر
ذاكرة الأمكنة
خص الرحابنة مدن فلسطين بغنائيات عديدة شكلت محوراً مهماً ووجدت في ذاكرة الأماكن اتكاء شاعرياً للانطلاق للحديث عن حلم العودة والمقاومة, في هذا المحور تندرج (ياربوع بلادي) و(يافا) و(لا تنسني) القصيدة المجهولة واتخاذ الربيع موئلاً لذكرى الحبيب والوطن. (محمد منصور – في نسب قصيدة سنرجع يوما – Fikr- mag .net)
 في (داري) للشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي (أبوسلمى) (1909- 1980م) من ديوانه (المشرد) الصادر بدمشق عام53 غنتها فيروز في الخمسينيات بإذاعة دمشق ورغم شهرة القصيدة وإدخالها ضمن المقررات الدراسية بعدد من الدول تبدو مجهولة تتحدث عن الوطن السليب ضمن رؤية الرحابنة تقول: (هل تسألين النجم عن داري / وأين أحبابي وسماري) غنت فيروز 16 بيتاً من أصل 30 حفلت بمشاعر الحنين وختمت باليقين في العودة. عام 59 قدمت فيروز عملاً مؤلفاً من مجموعة مقاطع وأغنيات ترسم صورة شعرية لمختلف جوانب الحياة الفلسطينية (عيد عيد أرضنا عيد / أرضنا خصب وعناقيد) واللحن يتقاطع مع لحنهم الشهير (أنا وبلادي صفاء) وتقدم أغنية (بلادي أغنية العصافير) صورة لبلاد كان يصدح فيها الحب. وفي أغنية (بيارتنا زرعناها) تستكمل صورة الطبيعة الفلسطينية. صدرت (بيسان) بنبرة شعرية ولحنية عالية (كانت لنا من زمان بيارة جميلة وضيعة ظليلة / ينام في أفيائها نيسان) لتؤكد أن ملاعب طفولتها هناك (بيتنا في بيسان / وسط الحقل الجميل) تضاف للمجهولات (القرى) كعمل تعبيري أخاذ فالقرية مكان أمثل يختصر الذاكرة والجغرافيا ويؤكد الانتماء (أنا من هناك من القرى أقبلت مرتفعة الجبين / أروي لمن ألقاه عن أرضي أناشيد الفتون / بي كبرياء جبالها وتواضع السهل الأمين /...)

ذو صلة
التعليقات