مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

رحلة المسرح والإنسان: اللغة الروسية في عوالم تشيخوف

كنت أمني النفس، وأنا أبدأ تعلم الحروف الأبجدية للغة الروسية، أن يأتي ذلك اليوم الذي أتمكن فيه من قراءة شيء من الأدب الروسي الذي تعرفت عليه في سن مبكرة. 
هي فرصة لم تتح لي حتى صيف العام الماضي، عندما أخبرتنا معلمة الأدب الروسي أن قصة البدين والنحيل للمعلم الكبير تشيخوف، ستكون مادة درسنا القادم.
كنت السباق لارتكاب تلك المغامرة المدهشة، ومع قراءة القصة الثانية في الأسبوع التالي، ارتفع مستوى طموحي إلى درجة قراءة مسرحيات تشيخوف التي راحت شخوصها تتراقص على صفحات كتابي الجامعي، مذكرة إياي كيف كنت أشد الرحال صوبها كلما أغلقت الحياة أبوابها ونوافذها في وجهي. قرأت معلمة الأدب ذلك البريق الذي شع من عيني، فشجعتني لأستجمع لغتي، وأخوض معها في عوالم مسرح تشيخوف.
أخطاء لغوية كثيرة لم تخفف من حماسي، ولم تخف ابتسامة معلمتي الطيبة التي وعدتني أن يكون درسنا القادم قراءة مقطع صغير من مسرحية النورس. 
مع سماع تلك الكلمة كان ذلك الطائر الجميل يبدأ تحليقه في فضاءات روحي.
عدت مسرعاً إلى غرفتي، أخرجت المجلد الذي تستريح فيه مسرحيات تشيخوف، قلّبت صفحاته بسرعة، مستعيداً نبض تلك الشخوص الحية التي استوطنت ذاكرتي منذ لحظة التورط الأولى التي غرقنا فيها معاً.
كانت كلمات الكاتب تريجورين في مسرحية النورس، أول ما استوقفني هذه المرة. 
اكتشفت في قراءتي الجديدة شيئاً خاصاً يجمعني بذلك الرجل، وهو يصارح أركادينا بهواه العاصف: (لنينا أنا لم أجرب بعد مثل هذا الحب... في الصبا لم يكن لدي وقت، كنت أتمسح بأعتاب المجلات والصحف. كنت أصارع الفاقة.... والآن ها هو هذا الحب قد جاء أخيراً، ويجذبني إليه... فأي معنى لأن أهرب منه)؟
أفهمك الآن أكثر من أي وقت مضى أيها العزيز تريجورين، ليس لأنا شركاء الكلمة فقط، بل لأن كلينا عرف مسلسل المعاناة المستمر، وصراع الوقت والفاقة على أعتاب الجرائد والمجلات!
يبتسم تريجورين في وجهي، ثم يترك أركادينا ملتفتاً إلى نينا لا ليبثها لواعج نفسه، بل ليستعير لسان تشيخوف مخاطباً إياها، (بعد أن أموت سيقول المعارف وهم يمرون بقربي: هنا يرقد تريجورين... كان كاتباً جيداً، لكنه كان أسوأ من تورجينيف). ها أنت تعيدني أكثر من عشر سنوات إلى الوراء، وتحديداً إلى ذلك اليوم الذي قرأت فيه عبارة تشيخوف الموجهة إلى زوجته، (مهما فعلت فسيقولون إن تولستوي كان أعظم منه)!
 غادرني تريجورين، ولكن ليس قبل أن يحدد لي موعداً مع الدكتور أستروف، تلك الشخصية الجذابة في مسرحية (الخال فانيا). بدا أستروف مرتدياً حلة الممثل الإنكليزي الكبير لورانس أوليفييه الذي صرح مرة أن شخصية أستروف تعد واحدة من أحب الشخصيات التي لعبها إلى قلبه، يؤكد كعادته أن كل ما في الإنسان ينبغي أن يكون جميلاً: الوجه والثياب والروح والأفكار.
انتبه لي وأنا غارق في تذوق حلاوة كلماته، فقرر رميي بتلك العبارة التي طالما أرقتني وقضت مضجع سكوني، (إن حياة الفراغ لا يمكن أن تكون طاهرة). ولما تأكد أنه أصاب هدفه، رسم ابتسامة المنتصر، وسلمني إلى المقدم فيرشينين الذي رمقني بنظرة سريعة وتابع حديثه، (ماذا لو نستطيع أن نبدأ الحياة من جديد... لو أن الحياة الأولى التي عشناها كما يقال مسودة والحياة الثانية على بياض. أظن أن كلاً منا سيحاول قبل كل شيء ألا يكرر نفسه، على الأقل سيحاول أن يخلق لنفسه ظروفاً أخرى للحياة).
الله يا سيدي المقدم لو كان ذلك ممكناً! صرخت بأعلى صوتي، لكن ذلك الخبيث الماكر برنارد شو لا تروق له أمنياتنا وأحلامنا، بل يحرص دائماً على دفعي للتمسك بتلك المسودة، وتحديداً كلما تذكرت كلماته عندما سئل مرة إن كان يرغب بحياة ثانية فأجاب: كلا، لأن هذا يعد اعترافاً بإخفاقي. 
ابتسم فيرشينين بخبث هو الآخر، وبدا مصراً على جذبي نحو ضوئه الخاص. بهدوء شديد راح يروي على مسامعي قصة ذلك الوزير الفرنسي الذي كتب مذكراته في السجن، متذكراً بنشوة وإعجاب تلك الطيور التي يراها من نافذة ذلك السجن، والتي لم يكن يلحظها من قبل. لكنه بعد إطلاق سراحه لم يعد يلاحظ تلك الطيور.
 لم يكتف فيرشينين بما قاله، بل ختم حديثه مع ماشا بالقول: (لن تلاحظي موسكو عندما تقيمين فيها، ليس لدينا سعادة، ولا يوجد، إننا فقط نتمناه).
أعترف يا سيدي أنك نجحت في اللعب على أكثر الأوتار حساسية، فأنا مثل ماشا، أقمت قبل عدة سنوات شهوراً في مدينة سانت- بيتربورغ، وبمجرد خروجي منها بدأت أسأل نفسي: هل حقاً عشت هناك يوماً، وهل أنا من اشتم ذات لقاء رائحة مطرها الصيفي، وبلل روحه بعطر مسائها الشمالي؟ 
وكي تكتمل الحكاية عدت إلى المدينة منذ أسابيع، وكثيراً ما أنسى أنني هناك، وأن غرفتي الصغيرة لا تبعد أكثر من دقائق عن مينائها البحري!
يبدو أن هناك من لم ترق له كل تلك التداعيات، فأطل بكل مباشرته ووقاحته المحببة، مصراً على إخراجي من ملامح كآبة أحس أنها بدأت تطبق على روحي. إنه سميرنوف بطل مسرحية الدب، يغمز لي ثم يتنحنح قليلاً قبل أن يبدأ رحلة هزئه وسخريته من بوبوفا، (ربما يمر بجواركم طالب حربي ما أو شاعر تافه فينظر إلى نوافذك ويفكر: هنا تعيش تمارا الغامضة التي دفنت نفسها بين أربعة جدران حباً في زوجها. نحن نعرف هذه الملاعيب)!
تنجح عباراته في رسم طيف ابتسامة على وجهي، مما يحفزه لمتابعة تقريعه لبوبوفا وإفهامها أنه أذكى من أن تخدعه امرأة، (دفنت نفسك بين أربعة جدران، ومع ذلك لم تنسي أن تضعي البودرة)!
تنقلب ابتسامتي ضحكة كبيرة، ضحكة مسرحية مجلجلة لاينجح في إيقافها إلا صوت سونيا الدافئ، المنبعث من آخر صفحات مسرحية الخال فانيا، سونيا تلك الصبية التي لم يفارقني الشعور يوماً أن لارا ابنة أختي ستلعب دورها يوماً، لا على خشبة المسرح، بل على مسرح حياتي، لتخاطبني كما خاطبت سونيا خالها، (سوف نعيش يا خالي فانيا، سنعيش عدداً عديداً من الأيام والأمسيات الطويلة، وسنتحمل بصبر تلك المحن التي ستبلونا بها الأقدار. سنرى كيف تغرق كل شرور الدنيا، كل آلامنا في بحر الرحمة الذي سيغمر العالم كله، وستصبح حياتنا هادئة، رقيقة، عذبة كالحنان. أنا أؤمن، أؤمن.....)
أمسح دموعي التي أتشاركها مع الخال فانيا، ثم أهمس لسونيا وربما للارا، أنني أنا أيضاً أحاول، بل أشتهي أن أؤمن، لكن شيئاً في داخلي يؤكد لي أن حالي لا يختلف كثيراً عن الكلمات التي قالها جايف في مسرحية بستان الكرز، (إذا اقترح الكثير من الوسائل لعلاج مرض ما فهذا يعني أن المرض لا شفاء منه. عندي الكثير من الوسائل، ولكني عملياً ليس لدي ولا واحدة)!
(يبدو أنك أفرطت في تشاؤمك أيها الصديق)!
كان الصوت صوت تشيخوف، يخترق الصمت جلياً برغم التعب والمرض والانتظار.
أربكني حضوره بقدر ما أفرحني، ولما نجحت في لملمة صفوفي المبعثرة، التفت فلم أجده، كان قد مضى تاركاً في طيات المجلد قصاصة ورقية كتب عليها بخط يده:
(الحياة تعطى لنا مرة واحدة، لذلك علينا أن نعيشها بطيبة وتفهم وجمال)!
pantoprazol 60mg pantoprazol takeda pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات

   مروة
   marwa-out@hotmail.com
   روسيا -ريزان
   الأربعاء 25/09/2013
تشيخوف الرائع يستحق ان نتذكره دائما
   سونيا
   soso-salme@gmail.com
   إمارات عربية متحدة -الامارات
   الأربعاء 11/09/2013
شكرا على المقال الجميل