مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

البرامج الدينية في الفضائيات: جدلية النوع والكم

يعود شهر رمضان موسماً يشحذ الروحانية ويدجج الإيمان، ومعه تبدأ الشاشات الفضائية بتحضير ماتراه مناسباً للعرض في هذا الشهر المبارك.. وتحتل البرامج الدينية حيزاً كبيراً مقارنة ببقية الشهور في روزنامة العرض التلفازي لهذه القنوات.. ويثير ذلك عدة تساؤلات من أبرزها مصداقية هذه البرامج، ومدى أهلية القائمين عليها، والفائدة المكتسبة من كثافتها.
يقول د.أحمد اللويمي: إن الظاهرة التي اتشح بها عقد التسعينيات والألفية الثالثة طغيان الانتماء الديني للبشرية، فكما يعيش المسلمون صحوة دينية تعبر عن وجودها عبر مظاهر وأنماط دينية واجتماعية وسياسية، فالعالم المسيحي أيضاً يشهد صحوة دينية عارمة واندفاعاً اجتماعياً محموماً نحو المؤسسة الدينية. إن الصحوة الإسلامية للمجتمع الإسلامي طبيعية في هذا المقطع الزمني بعدما استعاد العالم الإسلامي ذاته من مشاريع النهضة التغريبية والبرامج السياسية التي أدخلته إلى صيدلية العلاج الغربي والشرقي. نهض المسلمون في صحوة شاملة ليعبروا عن عودتهم الجادة والحثيثة إلى منبع الإسلام وإلى حظيرته الوارفة. عودة محفوفة بمظاهر وممارسات في جوانب منها أسست لبطلان مسلك الماضي والإصرار على الحاضر، كما جاءت بركام لا حصر له من الممارسات المحفوفة بالكثير من الاجتهادات السلبية الناتجة من ضعف الخبرة والدراية الناتجة من طول الانقطاع عن الدين ومن أهم المظاهر التي يحفها الكثير من النقاش والجدل هذا الزحام في البرامج الدينية في الفضائيات بشكل عام وموسم البرامج الدينية في شهر رمضان المبارك.
ويضيف د. اللويمي: لعل من المحاور المهمة التي لها الأثر الكبير في طبيعة التأثير والغايات النهائية لمخرجات هذه البرامج الدينية المحاور التالية: 
1. رجل الدين أم عالم الدين.
2. الهوية أم الرسالة الدينية.
3. الموروث أم الشريعة.
ويتابع: (رجل الدين أم عالم الدين).. الإسلام دين مدني منفتح على الحياة ولا ينسجم مع الكهنوتية والتصوف. أسسه تقوم على مفاهيم علمية وبراهين عقلية تتطلب البحث والدراسة والتحقيق لا التقليد والاتباع الأعمى. فكرة رجل الدين السائدة في المسيحية في إجراء المناسك وتطبيق التقاليد الدينية يعني النصف المتعلم الذي يفتقر لأدوات البحث والتحقيق ويمارس دوره عبر منهج احتفالي شعبي لتحقيق غاية لا تتعدى مداراة العوام ومجاراتهم. والملاحظ في السنوات الأخيرة أن الأغلب الأعم من البرامج الفضائية الدينية في رمضان استحوذ عليها النسبة الأكبر من رجال الدين الأنصاف المتعلمين، ولعل ما يعانيه المجتمع اليوم من تضارب الآراء الدينية والنزوع نحو الخلاف والصدام ينبع من الفتاوى الطائشة لرجال الدين أنصاف المتعلمين هؤلاء. إن البرامج الرمضانية تفتقر لأولئك العلماء الأفذاذ الذين قضوا ردحاً طويلاً من حياتهم في التحقيق والبحث ووطدوا أنفسهم على الورع والتقوى في ألا يتفوهوا إلا بعد البحث المضني. كيف تترك الأمة لأنصاف المتعلمين عبر هذه البرامج الرمضانية وتحرم من علمائها الإعلام الذين أفنوا أعمارهم بحثاً وعلماً وتحقيقاً. إن البرامج الرمضانية في ظل هذه الظاهرة المستشرية حيث المتصدين لهذه البرامج يتساهلون في التثبت من صحة الفهم للنصوص الدينية وبالذات الأحاديث النبوية والقصص التاريخية. إن الاستنتاجات والحكم والمواعظ الذي يشتقها هؤلاء بالأعتماد على الفهم الخاص للأحاديث أو الحوادث التاريخية المستشهد بها تنمي ثقافة التوجيه العاطفي الذي يستلهم قيمه وتراثه ومفاهيمه وقيمه من قضايا وهمية وحوادث تاريخية لم تكن منشأ حدوثها ولا صناعها يمثلون القيم والمبادئ الذي أريد التعبير عنها. إن هداية الجيل الحاضر وتوجيهه إلى قيم الدين ودمجه بمفاهيم الرسالة لا يمر طريقه عبر تزييف القراءة للنص الديني او الفهم المبتور للحدث التاريخي. إن الجيل الحاضر في عصر يقرء القضايا المطروحة ويدفع إليها في فضاء محموم من المعلومات الهائلة التي تنمي فيه روح التنقيب والبحث والتقصي. فلا أظن أن منهجيه هذه البرامج الدينية والقائمين عليها يضمن لها على مر الزمن مساحة واسعة من المتحمسين في متابعة هذه البرامج الذي تستند الى استنتاجات ملفقة.
(الهوية أم الرسالة الدينية).. تعاني البرامج الدينية بشكل عام والرمضانية بشكل خاص من انهماك على تعزيز وترسيخ مفاهيم الهوية من خلال تحريض المقابلة مع الآخر غير المسلم والتأكيد على الفوقية العامة دون التشديد على التزكية الأخلاقية. إنها قضية الإسلام في بعده الرسالي والتربوي مقابل الإسلام في بعده الإثني والشوفيني. لا يمكن أن ننكر أن العولمة العارمة من أهم ما أثارته هذه النعرات الطائفية التي دفعت وبقوة مختلف الأديان والمذاهب إلى الغلو في النزوع نحو هويتها تاركة في غفلة ورائها الغايات الإنسانية التربوية لهذه المسالك الدينية السماوية التي جاءت لتربية الإنسان وتطهيره من الدنس والخبائث. إن هذا الصراع بين الهويات يستفحل وبشكل طاغ في الخطاب الفضائي الديني ويسجر حرباً طائفية ضروس بين كافة الأطراف. لاشك أن مسألة الهوية والرسالة تعيد للأذهان تلك الجدلية حول مسالة القشر واللب في مسألة التدين. ما هو قشر التدين وما هو لبه ولعل هذا المعنى يظهر بوضوح بمقولة هل الدين في خدمة الدنيا؟ أم الدنيا في خدمة الدين؟ لا أظن الإجابة على شقي السؤال ممكناً دون معرفة القشر من اللب، فإذا كان الدين في خدمة الدنيا فهو إذاً ذلك الدين العلماني الذي يوظف لتمرير مشاريع الإنسان الدنيوية ولا أظن أن الدنيا في خدمة الدين في البعد النسكي والعبادي التقليدي. قضية القشر واللب هي قضية المزاوجة بين البعد المدني والعمق الحضاري. فالمظهر المادي والجوهر القيمي للعلاقة بين الدين والدنيا يحدد من خلال وضوح الرؤية والقراءة الثاقبة لمعنى القشر واللب. وأنى لهذه البرامج الرمضانية أن تغادر بالمشاهد العربي المسكين من بحر متلاطم من الجهل والأمية المعرفية إلى آفاق الرسالة الرحبة لمشروع النبي المصطفى الأممي الحضاري. 
(الموروث والشريعة).. لعل تصميم الرسالة الإعلامية التبشيرية يستلزم التشديد على أهمية التفكيك بين الإسلام كفكر وشريعة ومنهاج ومعنى وبين المسلمين وإرثهم التاريخي كممارسة بشرية وفهم متنوع ومتعدد الأوجه. يمثل هذا التأكيد العمود الفقري للرسالة الإعلامية الفضائية الإسلامية التبشيرية الناجحة. إن الخطاب الديني الإسلامي الذي تأسس في عصر شاءت السياسة فيه أن تتزمل بدثار القدسية. إن الرسالة الإعلامية الفضائية بمغادرتها لهذا الخطاب من خلال فك الارتباط بين الدين كشريعة مقدسة وبين التراث التاريخي كممارسة بشرية يمثل الانطلاقة الأولى نحو رسالة إعلامية مؤثرة وناجعة. إن معالجة الخطاب الإسلامي من خلال إرساء هذا المنهج يخفف من الأعباء الثقيلة للرسالة الإعلامية بعدم التزامها بالدفاع عن كثير من الممارسات الشائنة واللاإنسانية التي ارتكبت باسم الإسلام في التراث الإسلامي أو تلميع شخصيات تنسب للإسلام. وبكلمة أخرى رسالة إعلامية مؤسسة على تقديم الإسلام كرسالة وشريعة ومنهاج. إن هذا التفكيك أيضاً يرخي الضغط على الفضائية الإسلامية بجعل رسالتها أكثر شفافية ومقبولة عند المتلقي الذي يمطر بوابل لاحصر له من الإعلام الفضائي الماجن والمنحرف من الفضائيات والمؤسسات في دول إسلامية. إن الرسالة الإعلامية الدينية التبشيرية إذا ما قامت على أساس التفكيك بين المفهوم والممارسة استطاعت أن تخترق تأثير الرسالة الإعلامية المضادة التي تراهن على الخلط بين المفهوم والممارسة وتصبح بذلك أيضاً سداً منيعاً بوجه التأثير السلبي الذي تشيعه الفضائيات العربية والإسلامية التي تسمم وتلوث الفضاء بوجه الرسالة الإعلامية الفضائية الدينية بالإضافة إلى ما تلوثه الفضائيات الدينية نفسها من بث رسالة إعلامية مهلهلة وفقيرة.
ويختم د. اللويمي حديثه: خلاصة الأمر أن البرامج الدينية الرمضانية مطلب ظهر استجابة للاندفاع الذي يعيشه المجتمع الإسلامي نحو الإسلام الحنيف للارتشاف من تعاليمه النيرة الطاهرة إلا أن ما أريد وما تحقق كمن طارد سراباً طويلاً فلم ينل منه إلا التمني لبلوغه يوماً. وأنى لهذا الأمل أن يتحقق والمتصدون والبرامج والمحطات والمقدمون تعاني القصور الشديد. والفوضى في الموضوعات وتخبط في الأهداف التي تتراوح بين الانشغال في الصراعات الداخلية بين المسلمين.
رمضان الرحمة الذي يقبل المسلمون فيه على ضيافة الله يجدون أنفسهم محاصرين ساعة الإفطار بين برامج اللهو والمجون ومسلسلات تنمي السخافة والابتذال وبين برامج دينية سأم المشاهد من تكرارها أو خطاب مؤلم يلغي كل الأخطار المحفوفة بالمسلمين ليشدد على إخطار لا وجود لها إلا في خيال صناع النزاع والفرقة. فلا عجب أن يتيه المسلم في طريقه إلى مشروع الإيمان المحمدي الذي يستهدف إصلاح الإنسان وعمارة الأرض ونشر العدل وهو بين ساسة طال وقوفهم على أبواب الغرب ورجال دين صكت من تراشقهم الآذان.
تخمة تلفازية
ويرى د. عبدالله البريدي أن: العرب المعاصرون يتفنون في قلب الأولويات في كثير من سياقات الراهن والمستقبل، فرمضان مثلاً خلِق ليعيننا على التخفف من الكثافة في كل شيء، الأمر الذي يبعدنا عن العتمة والغلظة والتخمة ويقربنا من الشفافية والرقة والرشاقة في الروح والعقل والوجدان والحس والسلوك، وواقع الحال يثبت العكس تماماً، فمثلاً الكثير منا يزداد أكله في رمضان وربما وزنه؛ في اتجاه معاكس للغاية الرمضانية في جوانبها الصحية.
ويضيف: حين نلتفت إلى مسألة الدراما وكل ما يعرض في التلفاز، نجد الملاحظة السابقة ذاتها، إذ نعاني من (تخمة تلفازية) في كل الاتجاهات، ومن ذلك التكثيف المبالغ فيه للبرامج الدينية، وكأن الغاية الروحية لرمضان تتجسد في المشاهدة أو الاستماع إلى هذا الشيخ أو ذاك، خصوصاً أن بعضها يغرِق المشاهدين بعقلية (الاستفتاء حول كل شيء) ومطاردة صغار الأمور والمسائل، كمن يسأل: عن بلع الريق، هل يُفطِّر أم لا، وربما يستفتون عن بلع الهواء، هذا إذا كان يبتلع أصلاً! وليتهم يوجهون الناس حين استفتاء للكف عن الاقتيات على هذا النوع من التفكير المعوج؛ الذي يصور الإسلام وكأنه غول أو قيد، متناسين سماحته وتناغمه المدهش مع الفطرة الإنسانية السوية، وهم للأسف يكرسون هذه العقلية التجزيئية والنفسية المتأزمة. والرصد التتبعي للمشهد الإعلامي الإسلامي، يجعلني أقول -بكل حسرة- أن بعضهم لم يكتفِ بخلق مثل تلك العقلية والنفسية حال اليقظة، بل راحوا يشغلون مكنة (ما وراء اليقظة)، فكثرت برامج ملاحقة الأحلام والرؤى لتفسيرها، بل وجدنا بعضهم يتجرأ -بكل تهور- على الطب والتحليل النفسي، ويدخل بعضهم هذا الميدان للتربح المادي والتكسب الاجتماعي والإعلامي أيضاً، متوسلين بـ(الترصيع المقدس)، حيث يسوقون بعض الآيات القرانية والأحاديث النبوية وقصص السلف في ثنايا (لتهم وعجنهم).
ثم يشير إلى أن الساحة لا تخلو من البرامج الدينية الراقية بقوله: ما سبق، لا ينفي وجود بعض البرامج الدينية الراقية، التي تذكرنا بروح الطنطاوي وتجلي الشعراوي وعلمية محمود. وأما جمهور البرامج الدينية، فيمكن تصنيفهم إلى: (جمهور نجوم)، إذ يتتبعون نجوماً محددين بغض النظر عن المحتوى، وهنالك (جمهور برامج)، حيث إنهم لا يكترثون كثيراً بمن يقدم البرامج الدينية، وأحسب أن الأكثرية هم من الصنف الأول، خصوصاً أن الكسب المادي أسهم في دفع بعض القنوات إلى صناعة النجوم الدينية وتسويقها!.
دمج المقدس بالحداثي
ويلخص مجاهد عبدالمتعالي رؤيته في هذا الموضوع بقوله: البرامج الدينية في شهر رمضان، هذا العنوان يستحثنا لاستخراج سيمياء المقدس وغير المقدس فيه، فنجد أن هناك مفردة (الدينية) ورمضان كمفردتين لهما (بارادايم) مقدس في ذهن المتلقي، ويبقى هناك مفردة محايدة ذات دلالة زمانية هي (شهر) ومفردة ذات طابع حداثي هي (البرامج).
 وعليه فمن حقنا أن نتساءل عن نتائج استدماج الزماني بالمقدس بالحداثي في عنوان واحد، وهل لذلك تأثير على المقدس من حيث المصداقية؟، وهل الحداثي باعتباره متغيراً يتحول إلى ثابت لمجرد تماسه مع الثوابت المقدسة، أم العكس؟ وهل في هذا إعادة للسؤال القديم الجديد: هل تمت أسلمة الحداثة أم الذي حصل هو العكس من تحديثٍ للإسلام؟!. 
 ويوضح مجاهد عبدالمتعالي فكرته بقوله: قبل أن أواصل الحفر والتنقيب، لا بد من طرح مثال يوضح الحالة الدينية، عندما تتماس بالحداثة القائمة على أرضية علمانية، لنفاجأ أن أي محاولة لصبغ الدين بمفهوم علماني سيرتطم بواقع الدين كحالة روحية متسامية، والعكس، والمثال المطروح هو في ذلك الواعظ الذي يحكي عن عظمة الدين الإسلامي مثلاً في مسألة الوضوء وكيف أن النظافة من خلال الوضوء خمس مرَّات يومياً سبقت الغرب في اهتمامه بالنظافة وما يستتبع ذلك من توعية صحية تجاه الأمراض والعدوى... إلخ من اجترار يرتطم فوراً بحقيقة أن الدين ليس مشغولاً بالنظافة، والدين ليس مشروع رعاية صحية. الحقيقة أن الدين يتجه دائماً للإشباع الروحي، ولهذا فالوضوء كحالة من حالات الاستفتاح الروحاني مع الله عند الصلاة، لا يعتني بقضية النظافة (الماديّة)، ولهذا نجد في الديانة تفاصيل عن الوضوء، وأنواع الماء، تُوضح أن القضية تكمن في هدف واحد، ليس له علاقة البتة لا من قريب ولا من بعيد بالنظافة، إنه يختص بمفردة اسمها (الطهارة)، فالمهم في الدين الطهارة وليس النظافة، ولهذا فعندما يفقد المسلم الماء، فإنه يتجه إلى التيمم بالتراب، والتيمم عكس مفهوم النظافة تماماً، لكنه يسير مع معطى (الطهارة) ويتناغم معها.
ويضيف: وعليه نعود إلى موضوعنا وهو (البرامج الدينية في شهر رمضان) هل هي في حقيقتها نوع من (نظافة) الإعلام الفضائي خلال شهر رمضان يقوم به الُمرسِل/ الإعلام؟ وهذا ما أراه، وأحاول توضيحه، أم أنها نوع من (الطهارة) المتوجهة لروح المستقبل؟ وهذا ما لا أعتقده وأحاول توضيحه أيضاً.
(النظافة) معطى يتناسق مع السياق الحداثي للإعلام، فهو معطى مادي يمكن التفاوض معه على أرض الواقع، ومن خلاله يمكن أيضاً استدماج أحد أهداف الإعلام وهو (الترفيه)، ولهذا نجد أحد (المسلسلات الدينية) يعتبر مسلسلاً نظيفاً مقارنة بمسلسل (الحب الممنوع)، رغم أن هذا المسلسل الديني يحكي عن سيرة (الحجاج بن يوسف الثقفي!) فهل وجود العمامة واللحية في وجه الحجاج مثلاً، كافٍ لإسباغ مفردة الديني على هذا المسلسل؟!.
 قبل ظهور وسائل الإعلام يمكن استظهار تحول الحالة الروحية للدين، من حالة فطرية تلقائية، كتلقائية الشعر قبل بحور الخليل بن أحمد، وكتلقائية اللغة قبل صنعة النحو، أقول يمكن استظهار تحول الحالة الروحية للدين إلى صناعة، مع ظهور التصوف في المدن العريقة، وما استتبع ذلك من طقوس خاصة تتجلى مثلاً في مدرسة جلال الدين الرومي الصوفية.
 كانت هذه -كما أظن- إحدى دلالات التحول من التلقائي إلى الصناعي في الحالة الدينية، فكما أن التصوف في مدرسة جلال الدين يستعين بالموسيقى ليستحضر الروحانية الدينية كصنعة خاصة لها فلكلورها الخاص، وتقاليدها الخاصة، فإن الإعلام الحديث لم يستطع أن يواكب هذا المستوى من الصنعة البريئة، التي تستطيع صناعة الشرط الوجودي للتسامي الروحي، بخلاف الإعلام الحديث لالتباسه بشرط رأسمالي يختص به، وهو (السوق)، بخلاف الشرط الصوفي المعتمد على (الشوق) كأساس روحي يحلق بعيداً عن أوساخ هذا العالم، بخلاف شرط (السوق) وهنا نصل إلى مخرجات التسويق الإعلامي التي لا تعتني بإبراز الطاهر فعلاً بقدر اهتمامها بإبراز النظيف، لأن الطهارة مسألة متسامية، وليست مسألة إعلامية يمكن الإمساك بها، بينما النظافة ممكنة، ولهذا لا يعني الإعلام كثيراً سوى ما يتمتع به ضيوف البرامج الدينية من خطاب ديماغوجي، ومهارات ميلودرامية، وكاريزما، فهذا تقريباً كل ما يعني الإعلام، بشروطه التسويقية الصعبة والتنافسية.
 الإعلام لا يعنيه الطهارة، بقدر ما يعنيه إيصال رسالة دعوى الطهارة، لا الطهارة نفسها، وهذا ليس عيباً في الإعلاميين أبداً، ولكنه الشرط الوجودي الذي نشأت معه صنعة الإعلام، ومن يحاول غير ذلك، فهو يصنع إعلاماً موجهاً، يعيد على ذاكرتنا بعض تفاصيل رواية جورج أورويل (1984) مع صبغها بصبغة دينية!.
 ثم ختم بقوله: كنت أحذر أحد أصدقائي من الظهور في الإعلام، وأقول له إن الحالة الجميلة في الشعر أنه يؤنسن الأشياء من حولنا، فيصبح البحر واقفاً أمامي، بدلاً من حقيقة وقوفي أمامه، والخطير في الإعلام أنه يقوم بالعكس فيحيل الإنسان إلى شيء، وعليه فكل ما يعني الإنسان من دلالات روحية تصبح أشياء أيضاً، فيتوسع في الذهن الجمعي قاموس المقدس، وهذا ما نلاحظه في نشأة (الكركتر الديني) مثلاً في اللحية، بخلاف دلالتها البريئة والعامة في التراث العربي، حيث نجد الجاحظ مثلاً يكتب عن اللحية بسخرية وخصوصاً إذا طالت، لكن الإعلام يصنع الصورة، محاولاً بذلك سرقة المعنى، وقد نجح في ذلك كثيراً كواقع جماهيري، تجاوز فيه مهارات القُصَّاص والوعاظ في التراث العربي، الذين خلطوا حابل النص الديني بنابل أشعارهم وعاداتهم وقصصهم، ولنا في حكايات (ألف ليلة وليلة) خير مرجع يجمع بين الوعظ الديني العابر وعوالم الجواري الحسان، وكما استمتعت بقراءتها بكل تلقائية دون أي حرج، فأنا استمتع بالإعلام العربي في شهر رمضان دون الدخول (في التفاصيل حيث يكمن الشيطان). 
يحمِّل د. علي الرباعي الإعلام مسؤولية تنمية وعي المجتمع والرقي بفكره وسلوكه مع تحقيق الترفيه والترويح المتوافق والمنسجم مع روحانية الشهر المتأصلة في نفوس المسلمين. يقول الرباعي: يمكنني التوقف أمام سؤال مُحيّر بعض الشيء هل هناك خبراء من مفكرين ومثقفين ومهرة في التربية والإعلام يجتمعون قبل شهر رمضان بأشهر ليرسموا سياسات وخطط للقنوات لتحقيق درجة عليا من السمو في الطرح والمضامين؟ لا أملك جواباً باعتبار أن المعرفة تحتاج إلى دليل وتيقن، والمشاهد على معظم القنوات اتباعها منهج التسطيح والاستخفاف بالقيم والمُثل والانبتات عن الموروث الحضاري والفكري للأمتين العربية والإسلامية، ومما يؤسف له اغتباطنا بمسلسلات وبرامج تذكي النعرات أو تؤجج الصراعات أو تستهين بذائقتنا وتطلعنا في شهر كريم نحتاج فيه إلى خطاب يرقق الأفئدة ويعزز معاني وسلوك الرحمة والعفو والتعاون والتكافل، مُعظمنا يتملّكه الحنين إلى زمن مضى وقد يكون الحاضر عند بعضنا جميلاً إلا أنه من حقنا التطلع إلى ما هو أجمل في ظل الإمكانات التقنية النوعية والانفتاح الفضائي، وأملي كبير أن نخرج من تجربة رمضان شعباً واحداً متوحداً لا شعوباً وقبائل ببركة صراع الفضائيات وسوء طرح القنوات.
ذو صلة
التعليقات