مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

ابتسامة أخيرة

كان صراخ أمل في آخر ليلة ستقضيها في زنزانة سجنها، يدعو للشفقة، وهي تنازع وحدها: أدركوني.. إنه هنا.
كررت توسلاتها ونحيبها، حتى ترامى إلى مسامعها، وقع أقدام غليظة، تقطع السكون، وتقترب من القبو، عابرة الممرات الضيقة والأبواب الموصدة على أهلها، حتى توقفت أمام باب زنزانتها.
استجمعت أمل قواها، وزحفت ناحية فتحة ضيقة في الباب، ونادت على صاحب الخطوات: استحلفكم بالله أخرجوني من هنا، فهو لم يفارقني، إنه ينهش جسدي، ويكتم أنفاسي، ويجثم على صدري، ويشل حركتي.
ردّ عليها صوت الحارسة: يا أمل، لن ينفعك كل ما تفعلينه، فقد اقترب موعد إعدامك، فلا داعي لكل هذه الحيل، والخزعبلات التي لا وجود لها إلا في عقلك العفن، فكيف لمثلك أن يتشبث بالحياة؟! ألا تخجلين من فعلتك؟ فلو أعدموك آلاف المرات، لن يطهرك ذلك من خطيئتك، أيتها الـ...
أمل: عن أي حيل تتكلمين؟ أيعقل أن أقتل ابني؟! الذي انتظرته لأعوام طوال!
أنا قتلت الشيطان، الذي حلّ في جسده، فقمت بخنقه بكل قوتي، كي أخرجه من جسد ابني، ويذهب من حيث أتى، ويعود ابني كما كان بلا شيطان.
هكذا أخبرتني جارتي، فقد رأت في المنام أن الشيطان دخل في جسد ابني، ولكي أطرده عليّ بأن أقوم بخنقه، حتى تنقطع أنفاسه، وبعد ذلك سيقوم من نومه، وقد تخلص من الشيطان للأبد.
ولكنكم استعجلتم في القبض عليّ، قبل أن يصحو ابني، ويخلصني منكم، ولكن صبراً يا أمل صبراً.. فحتماً سيصحو ابني في يوم ما، فيوم الخلاص قد اقترب، والشيطان يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولن يكون بعد ذلك شيطان في الأرض، فقد قتلته، وانتهى أمره وعليكم أن تصدقوني قبل فوات الأوان.
إلا أنه مازال هنا إلى جواري، يعكر عليّ خلوتي، لأن ابني لم يصحُ بعد، ولن يستطيع أحد أن يوقظه سواي، فلو أمهلتموني بضع دقائق، ما كان ليحدث كل هذا الخراب، والدمار في العالم وفيّ وفي ابني.
استدارت الحارسة تاركة أمل تهذي في وحدتها: ابني سيصحو.. ويختفي الشيطان.
وعند الفجر خرجت لتوها فراشة ذات ألوان زاهية من شرنقتها، فقد كانت مختبئة في فرع شجرة يطل على فتحة في أعلى سقف الزنزانة، من الجهة الشرقية، رأتها أمل، مع أول ضوء للفجر، وهي تدور فرحة في سماء الزنزانة، ثم اتجهت صوب الفتحة مرة أخرى، وطارت خارج القضبان، بعد أن كانت بيضة، وأصبحت يرقة، ثم تمردت على شكلها الدودي، وأحاطت نفسها بشرنقة من حرير، لتختفي عن الأعين مرة أخرى، حتى خرجت أخيراً فراشة بجناحين مطرزين بألوان مبهجة، وها هي الآن قد تحررت من كل القيود، مرفرفة بجناحيها حيث الفضاء اللامتناهي، وأمل فرحة ترقبها مبتسمة.. ابتسامة أخيرة.
وعلى جهة أخرى، وفي منزل أمل، كانت جارتها تستفيق من نومها متكاسلة، مدت يدها تتحسس بطنها الكبير، وهي تفكر فيما جرى لأمل، فجر اليوم في غرفة الإعدام.
وعزمت على أن تقلب كل صفحات الماضي وشلالات التوجس والريبة، وذكريات لم يعد لها مكان بعد اليوم، فقد ذهب زوجها، ليتسلم جثمانها. وحتماً ستدفن أمل ويدفن معها كل ما كان من أمرها.
نظرت الجارة إلى لوحة معلقة على جدار الغرفة، وقد كساها الغبار، للسيدة العذراء وهي ترفع عينيها للسماء، ووجه المسيح ينير سماء اللوحة.
غير أن وجوه اللوحة تغيرت.. هكذا بدت حين طالعتها الجارة.. التي ترقب أول مولد لها من زوج أمل.

ذو صلة
التعليقات