مجلة شهرية - العدد (554)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الثاني 1444 هـ

الإبداع.. وهبوب العصر (٦)

كل عصر له متغيراته، فإن كنا نشكو في عصرنا هذا من ضعف الإنسان أمام الآلة (التقانة) وتحكّمها في مجريات حياته وتحويله إلى آلة بيد الآلة، فإن إنسان العصور السابقة قد هبت عليه الهبوب، ولعل أسوأها الركون إلى حب الحياة وعدم النظر في مجريات الأمور حوله، قال الشاعر (ابن حمديس الصقلي 447-527هـ) مخاطباً أهل دياره وهو في بعد عنهم، ولكنه يسمع من أخبارهم:
دعوا النوم، إني أخاف أن تدوسكم
دواهٍ، وأنتم في الأماني مع الحلم
إنه يحاول استنهاض الهمم، والدعوة إلى الوقوف ضد الروم الذين هم على أطراف بلاده، إن لم يكونوا قد أخذوا جلّها وقتذاك، معتقداً أن قومه قد ركنوا إلى الاستسلام، والركون إلى الضعف والهوان، والواقع لم يكن كذلك، فقد كانوا يدافعون عن بلادهم التي خرج عنها إبان شبابه للبحث عن شهرة قد أشعرته ذاته أنه لم يجدها إلّا في (الأندلس) حيث خرج إليها وهو شاب وقابل أصحاب الشأن هناك، وحظي بمكانة كبيرة عندهم، وبالتالي فقد كان عن بعد مما يجري في صقلية وأن أهلها أهل كفاح، واكتفى بما يسمع فقال قصيدة منها هذا البيت، مفتتحاً إياها بقوله:
بني الثّغر، لستم في الوغى من بني أمي
إذا لم أصُل بالعُرب منكم على العُجم
إن الشاعر كان خائفاً على بلاده وأهلها، ولذلك نجده قد قال في النص نفسه: محذراً إياهم من الخروج عن الدِّيار وتركها نهبة لناهب، وتفرقهم شذر مذر قال:
فـإن بـاد النــــاس ليســــت بلادكُــمْ
ولا جارُهـــــــــا والخلِـمُ كالجـار والخلِم
أعــــــن أرضكـــــم يغنيكــــــم أرض غيركـــــم
وكـــم خالـــــةٍ جــــــدّاء لــــم تغـــــن عــــــــن أم!
فعلى الرغم من أنه كان قريباً من أصحاب الشأن في الأندلس، ولكن مع ذلك يعاني الغربة، ولذلك نجده ينصح أهل بلاده عنها التي قال عنها الشاعر (أبوبكر قاسم بن محمد):
يا أحبائي اسمعوا بعض الذي
يتلقاه الطريد المغترب
وليكن زجراً لكم عن غربة
يرجع الرأس لديها كالذئب
وكان (ابن جبير) الرحالة المشهور قد اغترب عن بلاده، فقال:
لا تغترب عن وطن
واذكر تصاريف النوى
أما ترى الغصن إذا
ما فارق الأصل ذوى؟
إن الشعر قد كشف عن هبوب كثيرة حصلت في العصور القديمة، وقد يكون الشاعر محقاً، وقد لا، فإنني وأنا أتحدث عن (هذه الهبوب) كشأن الشاعر، قد أكون مخطئاً، فالآلة قد أفادت أناساً في حياتهم، ولكنها أيضاً قد ضرت الكثير، ولعل من أهم مضارها خصوصاً في مجال العلم والثقافة ابتعاد الشباب عن الكتاب والمكتبة، والاكتفاء بضغطة الزر ليحصل على المعلومة التي يريد، وهذه المعلومة قد تكون صحيحة، وقد تكون لا، ولكني ما زلت أعتقد أن الآلة لن تحل مكان الموجه والمعلم والمربي، ولا مكان الكتاب، وهو مصدر المعلومة الموثوقة.

ذو صلة
التعليقات