مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

مسيرة الإبداع الرقمي في العالم العربي

استفاد الإبداع العربي الأدبي من التقنيات الجديدة، والمنجز الرقمي الحداثي، وما بعد الحداثة، وظهرت كثير من الأشكال الأدبية الحداثية مثل: الإبداع الرقمي، القصيدة التفاعلية والتشاركية، أدب الثورة، أدبيات الشارع، القصة الشاعرة، القصة الومضة، الإبيجراما، وكلها -وغيرها- أشكال استحدثتها تكنولوجيا العصر التي استفادت من التقدم العلمي، والوعي المجتمعي وأثرت الذائقة الإبداعية للجمهور الأدبي، الذي لم يعد مستقبلاً للمنتج الأدبي، بل ومشاركاً الكاتب في الصناعة، ولقد ظهر ذلك إبان الثورات العلمية والتكنولوجية التي سادت المجتمعات في فترات الحراك الثوري الذي يمثل وقود الوعي، ولا ننكر الحراك السياسي الثوري ومسيرة العلم وتقنياته الجديدة في تنمية الوعي على المستويات كافة.
لقد استفاد الإبداع من الثورة الرقمية في استحداث عدة أشكال لم تكن تخطر ببال أحد، وتكاملت الفنون التعبيرية فاندغم الشعر بالموسيقى باللوحة الفنية، وتشكلت الصورة بطيوف الكتابة (عبر النوعية)، بعيداً عن النظريات القديمة لكل فن، ولقد استفادت تلك الفنون من الحراك الثقافي عبر تقنيات الحاسوب والثورة المعلوماتية والتقنية، فظهرت (إستراتيجيات جديدة للكتابة النوعية)، أو الكتابة عبر المنجز الإنساني التكاملي، وسقطت كل الأيديولوجيات، وانهارت كثير من النظريات التي شكلت في السابق -كما أرى- جموداً وعائقاً أيديولوجياً حتى على مستوى القيم التي ارتبطت بالاقتصاد والسياسة ودورهما مع الفلسفة في إنتاجية (الوعي الجديد)، وكان لابد لتقدم المجتمع أن يصاحب ذلك الحراك موجة من رفع درجات الوعي لدى الجماهير، إلا أن ما حدث مؤخراً قد سَرَّع -فيما أحسب- في تنمية الوعي ونشره، وغدت الأسر العربية في كل بيت تتكلم في السياسة والاقتصاد، بل وتتابع أسهم البورصة ومؤشرات السوق والتضخم والميزانيات، وأحسب أن هذا قد أفاد الحكومات والدول كثيراً، فلم تعد بحاجة إلى إنفاق الملايين للقضاء على منظومة: (الفقر والجوع والمرض والأمية) وغدت الشعوب أكثر وعياً وتحضراً ومعلوماتية بسبب العلم والثقافة والمعرفة، وثورة المعلومات، كما لعب الإعلام دوراً كبيراً في توجيه الرأي العام المجتمعي، واكتسب الشعب ثقافة (العمل الحر) وليس انتظار الوظيفة الحكومية بما يرفع مستواه وأسرته إلى درجة من الازدهار، ولا نقول الرفاه كذلك. ولكنها رفعت عن الحكومات كلفة الإنفاق على البطالة والأمية، وازدهرت الدول بفضل تطورات الميديا كذلك.
لقد كنا في السابق -على سبيل المثال- ننتظر أن نحصل على نسخة من كتاب، ظهر في دولة ما، وكان الأمر يتطلب شحن الكتاب عن طريق البريد من خلال الشحن الجوي أو البري أو الجوي، أما -الآن- فنحن نحصل على الكتاب بضغطة زر من أي جهاز محمول، ونستطيع أن نرى العالم ونحن نجلس في غرفة النوم أو في الشارع، وتلك الثورة العلمية قد وفرت علينا الكثير، وباتت السياسات المستنيرة للحكومات في ملاحقة رفع مستويات التنمية في دولها، لتضارع وتنافس التقدم التقني المتلاحق، أو على الأقل نلحق به ثقافياً، على أمل إعادة إنتاجيته لاحقاً، ولم لا وقد رأينا الكثير من العلماء العرب هم من طوروا العقل العالمي، والأدلة كثيرة لعلماء العرب ودورهم في تطور العالم في عدد من المجالات، بل إن تقنيات ما بعد الحداثة نجد منظريها من العرب مثل: إدوارد سعيد، إيهاب حسن، حاتم الجوهري، محمد برادة، وغيرهم.
إن الإبداع والسياسة وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن فصل المُكوِّن السياسي عن الثقافي وإلا تخلفت الحضارة، وتباعدت الفجوة الحضارية بين الشعوب والأمم والحضارات، بل إنني أرى أن السياسة تخدم الإبداع من كل الطرق، لكنها لا يجب أن توجهه، إذ الثقافة عليها دور مهم في تثقيف السياسة، لا تسييس الثقافة بالطبع، وأحسب أن الإبداع قد استفاد من الحراك في الشارع العربي السياسي ووظفه لخدمة الفنون - إبان ما سُميَّ بثورات (الربيع العربي)، وعلى الرغم مما أحدثته هذه الموجات من انقسامات، إلا أنها أنعشت الوعي الوطني لدى الجمهور، أو الشعوب، وحركت العقل المجتمعي لتثقيف الشارع العربي الذي بدأ يستمع إلى الشعر بجانب الخطابة، ويرى لوحات المبدعين على الجدران، بل ويحتك المثقف -الذي تم وصفه كثيراً بأنه بعيش في برج عاجي- بالجماهير، ويرى ويسمع مطالب وهموم الجماهير عن قرب، وليس من سمع كمن رأى بالطبع.

ذو صلة
التعليقات