مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

ذكريات لا مذكرات (19)

كان النشاط الأدبي في الستينات وما قبلها يكاد ينحصر في الشعر ونقده، أو كتابة الدراسات عن الشعر بشقيه (التقليد/ الحر)، وسار العرف السائد بين ممارسي الكتابة الأدبية في أن من أهْدِيَ إليه أي كتاب لابد أن يكتب أو أن يشير إليه في دراسة أو في عرض موجز، والصفحات الثقافية كانت تعنى بأخبار الإصدارات بأنواعها الأدبية شعراً ونثراً، ولا تحيد الكتابة في معناها عن المديح أو الذم، مما ينشأ بسببها ما يطلق عليه المعارك الأدبية التي لا تختلف عن سابقاتها سوى في الأسلوب الذي ميز الكتابات الشبابية بالجرأة ودخول عبارات أو كلمات لا تلزم بعودة الكاتب إلى الرجوع للقواميس المختصة في اللغة نظراً لأساليبها الواضحة السهلة، وكان الزميلان محمد علوان وعبدالكريم العودة (المشرفان على ملحق اليمامة) يحرصان على استقطاب الكتابات الشبابية وبخاصة في الشعر الحر والقصة القصيرة التي كانت الساحة الثقافية في العالم العربي قد توسعت في استقبال الكتابات الذي تحولت القصة إلى شكلها الجديد الذي ساد العالم، وبخاصة الذي ينظر فيه بالمحاكاة لقصص تشيخوف وغوغول وكافكا الذين كانت كتابات الدارسين العرب لفن القصة يؤكدون على أهمية كتاباتهم ونوعيتها التي تعنى بالقصة القصيرة، وكانت كتابات المثقفين المصريين لها دورها الفعال في توسعة الساحة بالمواكبة في الترحيب بالنوع القصصي الذي أبدع فيه د. يوسف إدريس بصدور مجموعته (أرخص ليالي) بمقدمة عميد الأدب العربي د. طه حسين، الذي ساد الساحة الثقافية العربية التي تتقبل إبداع مجموعاته المتوالية وما صاحبها من ضجة نقدية من ناقدين لهم مكانتهم في متابعاتهم بكتاباتهم عن القصة القصيرة ما أثار غبار الغيرة حوله من بعض مجايليه، وقد تسبب في سحب الكتاب الجدد إلى الشكل الجديد للقصة ليس في مصر بل تخطاها إلى العالم العربي بتأثيره في الكثيرين من كتاب القصة.
عرفت المجموعات القصصية في السعودية ووجدت مكانها في أوائل الستينات من القرن الماضي مثل (أمهاتنا والنضال) للقاص إبراهيم الناصر الحميدان، و(حياة جائعة) لعبدالله الجفري، (الحب لا يكفي) لمحمود عيسى المشهدي، و(عرق وطين) لعبدالرحمن الشاعر، كانت هذه الأسماء قد بادروا بنشر مجموعاتهم التي لقيت بعض الرواج أو جله في تلك الفترة، فظهرت أسماء لا أقول تتلمذت على النتاج القليل من القصة القصيرة ولكن عن طريق المجلات العربية الثقافية التي لا تخلو مجلة من (قصة العدد) وهذا تقليد سارت عليه المجلات والجرائد والملاحق الثقافية، وليسمح لي بأن أشير إلى بعض أسماء دخلت الساحة من أواخر الستينات واستمر بعضها حتى الآن لم يزل حيث أصدروا مجموعات عديدة سواء نشرت قصصها في الجرائد أو المجلات مثل خليل الفزيع، سليمان سندي، فهد الخليوي، محمد الشقحاء، حسين علي حسين، عبدالله باخشوين، جارالله الحميد، وعبدالله باقازي، عبدالعزيز الصقعبي، عبده خال، رقية الشبيب، وشريفة الشملان، عبدالله السالمي، فهد العتيق، جبير المليحان، عبدالعزيز مشري، وغيرهم.. وتتابعت المسيرة بدخول أجيال جديدة بزت البعض ممن سبقها فيما تلا من الزمن حتى يومنا في هذا القرن الحادي والعشرين، ومما أشرت إليه فيه بعض من البدايات مضى عليها زمن مهّد للحاضر.
بما أنني لا أكتب تاريخاً للصحافة وأنا أتذكر وأذكر، والذكريات صدى السنين الحاكي، -كقول أمير الشعراء- فإنها بالطبع لن تلم بكل شيء ربما يكون الغائب أكثر، وهو وربما الأكيد، وما يجعلني في هذه الخطوات التي تَنَقّلَ فيها قلمي بدأت أولى خطواته من صحافة الأفراد عبر جريدة ومجلة، وأنا هنا عبر صفحات مجلة اليمامة العريقة أنقل بعدسة القلم البعض من مرحلة ماضية هي مرحلة الستينات والسبعينات التي كان من سروري مساهمتي فيها وعملت في ذلك الوقت مع إخوة جمعهم عقد من الزمن ثم كانت ظروف الحياة وعجلتها المستمرة في الدوران والسير للأمام، وعرفت خلالها العديد من أدباء من بلدي ومن العالم العربي، إذ كان من يزور المملكة (كياننا الكبير) من الأدباء والصحفيين العرب يشرفوننا بزيارة التحرير، كما يتشرفون بمعرفة النهضة وما توصلت إليه بلادنا، ومن الأدباء والصحفيين العرب كانت لنا لقاءات في ظلال اليمامة ومنهم كما أذكر، أحمد بهاء الدين، رئيس تحرير مجلة الهلال، والشاعر صالح جودة، والصحفي عبدالله الشيتي الذي كان لمجلة النهضة الكويتية الدينامو المحرك من الافتتاحية إلى الصفحة الأخيرة، والفنان الأديب المبدع فاروق البقيلي، وهو رسام ومخرج وقاص يعتمد عليه رئيس مجلة الأسبوع العربي (ياسر هواري) في هوسه الفني المحرك للمجلة التي كانت في السبعينات مدرسة المجلات العربية ونموذجها الممثل لمجمل الثقافات، ولا تخلو من السياسة، وعَرّفَ من خلالها بالأديب الليبي المتميز (الصادق النيهوم) والمبدع السوداني (الطيب صالح) وغيرهم، كان يهتم بالقصائد الجديدة للشعراء الخليجيين وينشر لهم في الصفحات الأولى ومنهم الشاعر حسن القرشي، والشاعر علي السبتي والشاعر خليفة الوقيان وسواهم، وفي مقابل مجلة اليمامة كانت مجلة (اقرأ) ويرأس تحريرها الأديب الطبيب الفنان عبدالله مناع، كان التنافس شريفاً والتعاون حاضراً بين المجلتين حيث إن بعضاً من محرري المجلتين ينشرون في (اليمامة واقرأ) كنت أنشر بعض قصائدي في اقرأ، ويستولي عبدالله باخشوين وفهد الخليوي على بعض صفحات اليمامة وهما يشرفان على الصفحات الثقافية في مجلة اقرأ.
تميزت اليمامة منذ إنشائها على يد العلامة حمد الجاسر بأن تكون صفحاتها مفتوحة لمساهمات المثقفين من الداخل والخارج، وكان هذا النهج الفريد يلاحظ في تنوع الكتابات التي كانت تنبع من الداخل و تردف من كتاب عرب حتى الفترة الراهنة المعاصرة على الرغم من تعدد من تولى الإشراف أو رأس التحرير كسعد البواردي، وعبدالله نور، ونمت وترعرعت وتحولت من جريدة أسبوعية إلى مجلة برئاسة محمد الشدي الذي تسبب في عمل النقلة التي طالت الشكل والموضوع، ثم كاتب السطور، ومحمد العجيان، واستمرت في عهد د. فهد الحارثي، ثم عبدالله الجحلان، وفهد العبدالكريم، والآن هي في عهدة المشرف الشاعر عبدالله الصيخان، ولما تزل تعنى وتحرص أن تكون صفحاتها بعد أولية الداخل للإخوة العرب ممن يقدرون السعودية (الكيان الكبير)، كما يصر صاحب كتاب (العهود الثلاثة) الأستاذ محمد حسين زيدان أن يصف المملكة في كتاباته وأحاديثه دوماً.
لقد ساهمت في تحرير اليمامة محرراً ومكلفاً بعمل رئيس التحرير وأمضيت بها عشر سنوات، عملت بكل جد وقدر المجهود الذي مازال يذكر ولا ينكر، وجرت أمور أعادتني إلى شقيقة اليمامة (جريدة الرياض) التي مكثت فيها مدة طويلة لذيذة بالجهد والعطاء مع رفيق العمر الرمز الإنسان بما تعنيه الكلمة ملك الصحافة (الأستاذ تركي السديري) الذي تعلمت منه الكثير الذي سيمر  ذكره في القادم مادام في العمر بقية.

ذو صلة
التعليقات