مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

الحقيقة الشرعية

قال أبو عبد الرحمن: يقدم سلفنا الصالح النص الثابت عن الشارع إذا صحت دلالته على كل ما يعارضه من مصادر المعرفة؛ وذلك في جميع ما يتعلق بسلوكهم، وتصوراتهم، وإن جاءت المعارضة من أحد المصادر اليقينية كالحس مثلاً؛ فإنهم يؤمنون ملء قلوبهم أن هذا المعارض غير قاطع الدلالة لآفة من الآفات، التي هي مثار الغلط، والتي يتيه عنها الذهن كثيراً في مواطن الاستدلال وهم يقطعون بخطأ المعارض بمجرد أنه خالف النص الصحيح، وإن لم ينتبهوا إلى ما خفي من آفاته؛ فيحسب بعض من لاحت لهم فلسفات بشرية في الاقتصاد والنظم والسياسة وشتى التصورات: أن مختطي منهج سلفهم منا نحن المسلمين يحيفون على منطق العصر الحديث، وهؤلاء المخدوعون بفلسفة العصر ومنطقه: يوقنون أن كثيراً مما أجمعت عليه الجاهلية الحديثة يعارض النص بلا مواربة كإلغاء القصاص والرجم، والعدل عندهم أن لا نسلم للنص مطلقاً، بمعنى أن النص ليس بمحل للقطع واليقين وتحصيل الحقيقة في كل آن ومكان؛ فما ثمة بأس أن تكون فلسفة العصر الحديثة الإنسانية الرحيمة مصيبة في إلغاء حدود الله، وما ثمة بأس في أن يكون النص الذي يأمر بالحدود؛ وهي قسوة ووحشية كما يزعمون غير مصيب هذه المرة، ويقسم أبو عبدالرحمن بالله العظيم خالقي وباعثي أن الفكر النصي الإسلامي هو العملاق، وأن كل فكر بشري يعارضه لا يصمد لحجته إلا أن يلوذ بسفسطة، أو يهرع إلى قوة يحمي بها باطله وتخاذله، وإنني محدد النقاط المبثوثة في كلامي الآنف الذكر، ثم مناقشها نقاشاً لو تأمله من يدفع بحجة من هؤلاء الذين تسلطوا على أمة المسلمين في شرقنا العربي والإسلامي وحكموا فيهم بغير ما أنزل الله تعالى؛ لعرف أن دين الله الحق، وما دونه الباطل؛ فأول ما يجب تحديده أن يقال: التسليم لدلالة النص مطلقاً دون أن يتهم إذا عارضه معارض تحكم؛ لأنه ترجيح ولا مرجح. وثانياً أن يقال: هذه دول أوروبا عطلت حدود الله تعالى، ومع هذا فلم تفسد شؤونها فهي بلد الرقي والحضارة والقوة. وثالثها أن يقال: إن الفكر الإسلامي لو كان هو العملاق لما عاش بجنبه أي فكر يعارضه ولما أشاح عنه مثقفو القوم وشبابهم.
قال أبو عبدالرحمن: أما الأولى فأقول: إنما يكون التسليم لدلالة النص مطلقاً تحكماً لو أن الإيمان بالنص حصل اعتباطاً بيد أن الإيمان به لم يحصل إلا بقواطع الأدلة من مختلف العقليات والحسيات؛ فالمعجزة الحسية شهدها السلف عياناً، وأيقن بها الخلف بالتواتر الذي يحيل العقل كذبه، ماثلة من حقائق الدين ومن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يدرس في جامعة، ولم يحصل على دكتوراه، ولم تكن له رحلات ذات أثر، وما كان يتلو من كتاب ولا يخطه بيمينه، ولا تزال المعجزة قائمة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه حاربه قومه وخذلوه، وهو وحيد يتيم فقير، ثم تبعه قلة من مستضعفي القوم فتحدى الأقوياء علناً، وسفه أحلامهم، وهموا أن يبطشوا به مراراً؛ فكانت رعاية الله له في هذه المواطن التي لم تتحكم فيها المصادفات معجزة المعجزات. ولا تزال المعجزة قائمة من أخبار النصوص ببعض المغيبات وكشفها عن حقائق علمية قبل أن يجوس رواد العلم مجاهل الكون ولا تزال المعجزة ماثلة في فطرة الإنسان نفسه التي لا تستقيم بغير ما نظمها به (وحي الله) الله الذي فطر الناس وجبلهم، ولا تزال المعجزة ماثلة في أن الإيمان بالله ثمار العقل الصحيح، وأنه لا دليل مع الملحد سوى الإنكار، والإنكار نفسه ليس بحجة؛ وإنما هو دعوى وجمهور علماء الذرة والفضاء والأحياء والتشريح والطب والنبات، آمنوا بالله عن قناعة، ولكن لم ينتفعوا بإيمانهم في سلوكهم لعوامل قد نشرحها في غير هذا الموطن. أما ملاحدة شرقنا العربي فهم أبعد الناس عن نواحي العلم التطبيقية وجمهورهم من أنصاف المثقفين الذين عسر هضمهم لفلسفات العصر فقذفوا بها قيئاً يؤذي أمتهم ودينهم، أو أنصاف مثقفين هالتهم القوة المادية الراهنة فحسبوا أن الإلحاد هو الذي يهدي العقول ويصنع القوة.
قال أبو عبدالرحمن: إذن فالنص الذي صح ثبوته، وصحت دلالته نص خالق الحقيقة وموجدها، وما يعارض النص إنما هو اقتراح من يحاول اكتشاف الحقيقة؛ فالمنطق الصحيح: أن نص موجد الحقيقة هو الأولى؛ لأن موجدها قد عرفها؛ فما بالنا نسلك مسلكاً غير مأمون، قد نتيه به في عمى. إن اتهام النص يكون من ثلاثة أوجه: أولها اتهامه في ثبوته. وثانيها اتهامه في دلالته. وثالثها اتهامه في صدقه بعد صحة ثبوته ودلالته؛ فأما الاتهامان الأولان فمن أوجب الواجبات عند مجتهدي المسلمين بقيودهم وضوابطهم التي دونوها في أصولهم بعظمة فكرية، وأما اتهام النص في صدقه فدونه خرط القتاد، وإلا فماذا يصنعون بإيمانهم المسبق بوجود الله تعالى، وأنه لا يقول إلا الحق؟ أفي عرف هؤلاء المخذولين من أبناء عصرنا أن تتناقض الحقائق؟!
قال أبو عبدالرحمن: وإذن فلا تحكم في تقديم قول موجد الحقيقة على قول من يحاول اكتشافها؛ وأما الثانية فأقول: إن أوروبا عطلت حدود الله تعالى وشرعه؛ ففتك فيها القلق والانتحار والبرم بالحياة والجنون وتوتر الأعصاب؛ ولهذا كان علم النفس عندهم من أرقى العلوم؛ لأنه يلبي حاجتهم الراهنة، وقد هب عقلاؤهم من عشرات السنين ينادون بضوابط القيم، وهذا أمر طبيعي في مجتمع جاهلي تقوضت فيه بيوت الأسرة بظلها ونعيمها من حنان وشفقة وتعاطف، وفي كل يوم نبأ: سيدة جاهلية تقتل أطفالها الأربعة بفأس، أو نبأ فتى جاهلي: يحزم فتيات نائمات في رباط و يعمل فيهن المسدس؛ وهذا أمر طبيعي في مجتمع جاهلي استعبدته الحياة فصار كالآلة المسخرة لأهداف وميول الأحزاب الجائرة الطاغية؛ وهذا أمر طبيعي في مجتمع جاهلي عشش فيه الباطل، وفرخ فيه إبليس فلا وازع دينياً يعصم، ولا إيمان ولا حب لله يملأ القلب طمأنينة وحبوراً وسلامة وراحة. أما قوة أوروبا ورقيها فلم تكتسبها بإلحادها الذي يأباه الإسلام؛ وإنما اكتسبته بالجد وعزائم الأمور التي يحض عليها الإسلام ذويه؛ ليعصموا مبادئهم الخيرة العادلة بالقوة فالتفريط تفريط المسلمين لا الإسلام. ولو كانت النهضة الأوروبية الحديثة يسيرها إطار خالص من تعاليم الدين وهديه من نصوصه الصحيحة الثابتة؛ لكانت حضارة تدعو للسلام، وتشجب الظلم والعدوان، وتمسح قلق النفس وتوتر الأعصاب، وحقد القلوب، وفساد الضمير، وكثيرون من رواد العلم الحديث كانوا مؤمنين بأديانهم، أولم يكن (ديكارت) مخلصاً لمسيحيته؟ ألم يكن (كالفن)، و(روثر) من الغيورين على عقيدتهم؟! إنما كان الإثم إثم الدين المسيحي الخرافي المحرف، ولو كان دين أوروبا ديناً إسلامياً لدفع بحضارتهم بما يرضي شقيها: المادة والروح، أو ليس من العجيب أن يسلط المجتمع الجاهلي حيله الشيطانية في الدفاع عن المجرم الذي قتل نفساً، أو نفوساً للاعتذار عنه بأنه مجنون، أو طافح يرى الديك حماراً، أو قلق نفسياً؛ فبهذه الرحمة الجاهلية التي زينها لهم إبليس كثر الإجرام وهانت الدماء واختل الأمن. والعجيب أنهم يرحمون المجرم ولا يرحمون ضحيته، وأقول لكل من لا يؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم: أولاً أن القصاص عدل، وأن النفس بالنفس مقتضى الإنصاف والمساواة، وقد أخطأته الجاهلية بكل صفيرها ونفيرها. وثانياً أن المجرم الذي لم يرحم ضحيته عضو أشل؛ بل داء متآكل يجب أن يذاد كما يذاد عن المزروعة النفذ. وثالثاً أن حماية هذا المقتضى العادل عمارة للكون وللحياة، وأن استئصال مجرم واحد فيه حياة لمجتمع كبير، ولكم في القصاص حياة. ورابعاً أن رحمة المجرم من فضائل الأخلاق، ولكن يجب أن لا تحول هذه الرحمة دون أخذ الحق منه مقاصة عادلة، والله سبحانه وتعالى يقول: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) (سورة النور2)؛ فهذه الرأفة التي حذر منها ديننا هي الرأفة التي تحول دون إقامة الحد. وخامساً أن رحمة المجرم رحمة تحول دون تنفيذ الحق إنما يملكها الموتور بأبيه أو أخيه أو قريبه، أما أن يرحم المجتمع مجرماً بجرم لم يؤلمهم وقعه فظلم وحيف على من تقطعت نفسه حسرات وغيظاً بفقد عزيزه. وسادساً أن الرجم والقطع والإطاحة بالرأس من أبشع المناظر، ولكنها كانت لأبشع الجرائم، وما ننكر أن يكون الدواء مراً؛ وإنما ننكر أن يترك المجتمع على علاته لعدم تحمله مرارة الدواء.
قال أبو عبدالرحمن: أما الثالثة فمدفوعة بأمور: أولهـا أن الفكر الإسلامي هو العملاق إذا كان المقام مقام حجة وبرهان، ومازال في كل عصر منذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى (ابن قتيبة)، إلى (ابن حزم)، إلى (ابن تيمية)، إلى (ابن عبدالوهاب)، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها من يحجز الملحدين بأقماع السمسم ويحكم خناقهم في عنق الزجاجة. وثانيها أن الأفكار المنحرفة لم تعش إلا بقوة تحميها، أو بطنطنة محترفين يبشرون بها تحت شعارات عاطفية، وطبيعي اختلاف المذاهب وتعددها، وطبيعي أيضاً أن يكون الحق في جهة واحدة من شتى الجهات. وثالثها أن المشيحين عنه لم يدخلوا فيه بعد ولم يفقهوه؛ وإنما استحوذت عليهم سنة تقليد الضعيف للقوي، ومعرفة هؤلاء الشباب المتخلي عن دينه بالشبه المثارة حول الإسلام أكثر من معرفتهم بحقائق الإسلام ذاته. وأخيراً: شاهدت ألف مرة وجوه المنتكسين والمرتكسين والوقواقين والببغاوات والإمعات وفاقدي الشخصية، وحسبنا الله ونعم والوكيل؛ إلى لقاء قريب في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى، والله المستعان.

ذو صلة
التعليقات