مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

يوم لا يشبه غيره

كنت في العاشرة من عمري، أقيم مع أسرتي في بيت من صفيح في سفح جبل اختاره والدي رحمه الله تعالى، نائياً بنا عن منازل أقاربنا من الأعمام والأخوال وغيرهم.
لماذا انتقل بنا والدي إلى هناك؟ لا أعرف الأسباب حقاً، ولكنني أستطيع تخمينها، فغنم والدي كانت الأكثر عدداً مقارنة بأغنام أقاربنا المجاورين، وكانت في حاجة إلى مساحة مكانية للرعي والتحرك بحرية بعيداً عن أغنام الأقارب والجيران، ثم إنَّ أبي كان حريصاً على ألا تضر أو تسيء أغنامه إلى أغنام الآخرين من خلال غشيانها في غفلة منا لإحدى حظائرهم أو ممتلكاتهم، بحثاً عن ماء أو طعام أو تزاوج أو مؤانسة. يعرف رعاة الأغنام ومربوها أن ذلك الأمر يحدث كثيراً، ويسبب أحياناً مشاكل ونزاعات بين الجيران. كان والدي منذ أن عرفته -وحتى مماته- يقيم لحقِّ الجيرة اعتباراً مقدساً، ويكره أن يضرَّ جاره أو يسيء إليه خطأً بأيِّ صورة من الصور ناهيك عن عمد.
ولكنَّ المحظور وقع، وتعدَّت أغنامنا ذات يوم على حظيرة الجيران الأقرب لنا، وهم ذوو حال رقيق مما أضر بهم كثيراً، وقد سبب الأمر حرجاً لوالدي إضافة لحزن بالغ دفعه لأن ينتقل بنا لنسكن في سفح ذلك الجبل الوعر، رغم كثرة الأفاعي والعقارب حولنا، حرصاً منه على ألا يؤذي الأقارب!
ثمة سبب آخر أرجحه بقوة لذلك الانتقال وهو أن أبي وجد في ذلك الجبل مغارات تحت صخور ضخمة ذات امتداد لافت، تصلح بامتياز لتكون حظائر طبيعية لأغنامنا، وبالفعل اتخذ والدي حظيرة للغنم من خلال وضعه سياجاً بسيطاً من خشب وصفيح في إحدى الجهات تاركاً الجهات الثلاث الأخرى مسيجة نفسها بنفسها بتكوينها الطبيعي الصخري، ومستفيداً من سقوف تلك الغيران سقوفاً للحظيرة التي كانت بمثابة (ذَرَى)، تقي الغنم من الشمس والبرد والمطر. وتحميها من الذئاب والكلاب.
في تلك الليلة الموعودة كنت أترقب صوت المدفع ليعلن قدوم شهر رمضان. هكذا قال لي والدايَّ رحمهما الله تعالى. ارتقيت أعلى صخرة عظيمة بالجوار، وبرفقتي أختي التي تصغرني بعامين. في بيتنا الكائن في سفح ذلك الجبل بعيداً عن المدينة وأضوائها وكهربائها و(تلفزيوناتها). كنا نترقب سماع صوت طلقات المدفع، وكان لنا ذلك. أعقبه استماعنا جميعاً للمذياع الذي يعمل بالبطارية وهو يبث بياناً من الديوان الملكي يعلن ثبوت دخول شهر رمضان تلك الليلة، وبالتالي فغداً أول أيام شهر رمضان. رأيت علامات الفرح والبشر والابتهاج تعلو وجهي والديَّ، وسمعتهما يرددان بعض الدعاء طالبين من الله العون والقبول.
طلبت من أمي أن توقظني وقت السحور لأتسحر معهما لأنني سأصوم. أشفقت علي أمي رحمها الله. قالت لي:
(أنت صغير.. خلي صيامك السنة الجاية).
أصررت على موقفي. استسلمت أمي لإلحاحي وحرصي. ووعدتني خيراً.
غلبني النوم، وأنا أخشى أن يتعمد والدايَّ عدم إيقاظي لكيلا أصوم. كنت أتوق إلى الصوم، وأتمناه ابتغاء للأجر العظيم الذي أعدَّه الله للصائمين، وكنت أسمع عنه كثيراً من المدرسين ومن المذياع، زد على ذلك أن الصيام ارتبط في ذهني بالرجولة وتوديع مرحلة الطفولة.
أيقظني والدايَّ قبيل الفجر بقليل. تناولت معهما طعام السحور المعد لذلك. ماذا تظنه؟ قليل من أرز مطبوخ مع شيء من الدقيق، مضافاً له قليلاً من الحليب واللبن، وأحياناً السمن البلدي، وهي وجبة شعبية تسمى (المُعَقَّل).
طلبت مني أمي ثانية ألا أصوم. وقالت لي:
- يا ولدي.. كيف تقدر تصوم؟، ووراك مدرسة، وإذا جئت منها لازم تروح ترعى الغنم، وتظل عندها حتى المغرب. ستظمأ كثيراً. أنت ما عليك صيام. أنت صغير. بعدين تصوم. السنة الجاية إن شاء الله.
ولكني رفضت وأصررت. وأعقبت تناولي القليل من الطعام بشرب كمية كبيرة من الماء ظناً مني أن ذلك سوف يعصمني من العطش طوال اليوم.
ذهبت مشياً إلى المدرسة التي تبعد عن بيتنا ما يقارب خمسة كيلو مترات، حاملاً حقيبة كتبي ودفاتري على رأسي. وجدت كثيراً من أقراني غير صائمين. تناولوا إفطارهم في وقت الفسحة مثلما يفعلون في الأيام العادية. شعرت بزهو وفخر في أعماقي كوني من القلة القليلة الصائمين يومها. حدثت نفسي بأني قد غدوت رجلاً. بعد أن قضيت بالمدرسة ست ساعات أو نحو من ذلك، عدت أدراجي إلى بيتنا، وقد بلغ بي العطش مبلغه.
سألتني والدتي:
- أكيد يا ولدي إنك ظامئ. أفطر يا ولدي، واشرب. وما أعلم أحداً أنك أفطرت.
رفضت. أصررت على مواصلة الصيام.
لحقت بالغنم التي كانت على بعد بضع كيلومترات من بيتنا، وكان يرعاها منذ الصباح الباكر والدي. ومسؤوليتي الآن أن أبقى عندها، بينما يعود هو إلى البيت ليطعم البهم، ويعد طعاماً للغنم حين عودتها قبيل الغروب، وغير ذلك من المهام التي لا تنتهي. نظر إليِّ وهو يودعني بنظرات حنان وعطف وشفقة، وهو يرى تشقق شفتي ويباسهما، وربما جفاف لساني، وأدرك -وهو دقيق الملاحظة- أنني عطشان أشد ما يكون العطش، متعب بما يكفي، ولكن عينه بصيرة ويده قصيرة كما يقال. لم يكن بوسعه أن يعمل لي شيئاً. هكذا هي حياة البادية وطبيعة الحياة في الصحراء.
بدأت مهمتي في الرعي. كانت الشمس حارقة في تلك الربوع. استظليت تحت شجرة طلح وارفة الظلال، والغنم ترعى من حولي. لا أدري ماذا حدث بعد ذلك.
فوجئت بوالدي يوقظني بكل حنان، استيقظت فزعاً، ضمني إلى صدره، قبلني. سألته:
- وين الغنم؟
- الغنم عودت البيت.
أدركت حينها أن النوم قد غلبني من شدة التعب، والجوع والعطش.
لم يعاتبني والدي، لم يقل لي شيئاً، احتواني بحنان المحب، كان متيقناً أن نومي ليس تكاسلاً أو تهاوناً، أو رغبة في الراحة، بل هو أمر خارج عن إرادتي.
ومن لطف الله، وستره أن الغنم في طريق عودتها إلى البيت -معتمدة على غريزتها الفطرية، وساعاتها البيولوجية في معرفة الوقت-، لم تصادف أيَّ كلاب أو لصوص، فوصلت جميعها سالمة. وعندما رآها والدي عائدة من غير راعيها، انتابه القلق، فترك كل ما في يديه، وهب مسرعاً يبحث عني، وكم كانت سعادته عظيمة، وهو يجدني نائماً تحت ظل الشجرة.
عدت إلى البيت بالكاد أجر خطواتي وراء والدي. احتضنتني والدتي. التي قلقت كثيراً حتى رأتني، فاطمأنت، وكانت تظن أن مكروهاً أصابني. وما هي إلا دقائق حتى سمعنا صوت المدفع يعلن موعد الإفطار. هرعت إلى الماء لأشرب. منعتني والدتي إلا من شربة واحدة خفيفة لكيلا أصاب بضرر. وشجعتني على تناول الطعام بعد تلك الجرعة البسيطة من الماء. وسمحت لي بعد تناول الإفطار بجرعة أو جرعتين لا أكثر.
كانت سعادتي لا توصف بإتمام صيام أول يوم في حياتي، وكان والدايَّ فرحين فخورين بطفلهما الذي صام كامل اليوم رغم كل الظروف.


 

* مستوحاة من قصة حقيقية

ذو صلة
التعليقات