مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

القارب

ننتظر في هذه اللحظة أن يقرر البحر إلى أين نتجه. البحر وحده يستطيع أن يعرف أين تستقر بنا هذه العاصفة المظلمة، كانت اليابسة قد ابتعدت كثيراً، والماء في كل ناحية فاتحاً فمه كأنما يريد التهام القارب الذي لا يجيد الهرب!
في البحر اصطحب كل منا أحلامه البسيطة، وقلبه، وربه، ودعوات الأحبة الذين لم نقل لهم وداعاً! يصحبنا بحار سابق يعمل أجيراً، يسافر في البحر كل يوم، ويغرق، لكنه دائماً كان ينجو، ويعود بالصيد والطعام لأولاده الأربعة!
أنا وأصدقائي الثلاثة لم نجد مفراً، فتركنا المجاديف معاً في لحظات مرعبة! أمرنا ربان القارب أن نتلو صلواتنا، وأن ننتظر الغرق، لم يكن هناك ربان، هو فقط أحد التعساء الذين ضاقت بهم السبل، ففروا إلى هنا، حيث تفر الأحلام أيضاً إلى قاع البحر البارد المظلم، وتمتزج آهات الحسرة بنظرات الوجل العميق من الموت، ومن الحياة أيضاً، وحيث يمكن لصديقي (ثائر) أن يتمنى الموت في هذه اللحظة، لأن الحياة في هذه البقعة اللا نهائية الخالية من كل شيء. موت مثالي أيضاً، مثالي في الشجن!
أما صاحبتنا (ديما) فكانت تجلس في منتصف القارب، تدفن رأسها بين ركبتيها، وتحتضن نفسها، وتهتز اهتزازات عميقة، تصرخ بين الحين والآخر، وتهتف مستغيثة من الشبح الذي يتقافز أمامها في البحر، ويحاول اختطافها وابتلاعها في كل لحظة. ليس هناك أي أثر للشبح حولنا، هو لا يتقافز حول القارب، لكننا رأيناه يتقافز.. هناك.. في عيني (ديما).
تحدث بعضهم عن قارب آخر في طريقه إلينا، وتحدث آخرون عن سفينة تجارية كبيرة لها نفس المسار وستنتشلنا قريباً، لكن أحداً لم يأت، ولم يبد أي شيء في الأفق، فقط خيوط لا نهائية من آفاق البحر، نجدف يقترب الأمل. الماء أزرق، نجدف يبتعد الأمل. الماء أزرق، ولا أثر ليابسة!
بدا الجميع منهمكون في الصلاة، مسلمون يرجون ربهم، ومسيحيون يدعونه، وهناك من يرفع يديه إلى السماء ويشخص ببصره، ويحملق في الأعالي، منتظراً من السماء ملكاً، أو صاعقة.
في الحالتين سيكون الموت ألطف عندما يأتي من السماء!
حاولت أن أتحلى بالقوة، وصرخت في الجميع ألا ييأسوا، وطلبت من أبناء آدم أن يصارعوا حتى اللحظة الأخيرة، حاولت التجديف وحاول المجداف كذلك! فجأة صرخ أحد المساكين:
- سأموت غرقاً يا أولاد، لا تأسوا علي ولا يقرب أحدكم البحر، حاولت إطعامكم بعد أن ضنت اليابسة بالطعام، وها أنذا أموت دون أن أصل، وليتني أعرف كيف أعود، أو كيف أتقدم إلى الأمام!
لم تكن في الحناجر أي قدرة على الصراخ، لكن (ديما) كانت تئن وتتمتم بحروف متقطعة:
- آه.. يا.. ح..ب..ي..ب..ي.. أنا الآن لك!
لا تختلف مقدمة القارب عن مؤخرته كثيراً، حيث الاتجاهات واحدة، ولم يعد اليمين يميناً، ولا الشمال شمالاً، لكن الحكايات واحدة فيهما، الأمل الذي يتبخر واليأس الذي يتكاثف معلناً وحدة المصير بينهما.
بدأ القارب يتأرجح يمنة ويسرة، ومع اهتزازاته المتتابعة تهتز القلوب، وتتساقط الأرواح: في البداية ابتلع البحر العم (يونس) وهو يسبح مرتجفاً، ويرمي أمانيه واحدة تلو الأخرى قبل أن يقفز وراءها، أو تشده هي إلى القاع! بعدها تمزقنا جميعاً لسقوط الصبي (أيوب)، الذي كان يعبئ الورد في جيبه، ويبيعه للمارة، وللعربات الفارهة.. بثمن نومته تحت العربات في المدينة! وإطعام أخته الصغيرة التي ابتلعها البحر أيضاً!
وفي لحظات يأس ساخرة راهنت صديقي (ثائر) أن البحر سيبتلعني قبل ابتلاعه، وأنه آخر من سيبقى على القارب هو و(ديما)، وسينجو كلاهما، لكن (ثائر) لم يصدقني، وامتدت يده للإطاحة بيدي المبسوطة للمراهنة، لكن البحر كان أسبق!
كان هذا آخر ما شهدته، فقد سقط الجميع، وألقى القارب (ديما) من منتصفه بعيداً في الماء، لتكمل أناتها بين يدي البحر، فيما هممت أنا أن أقف، وأتمسك بالسماء، وتذكرت هتاف البحار الهندي:
(لا آمل في شيء.. لا أخاف شيئاً.. أنا حر).
حاولت الوقوف، حاولت الهتاف، حاولت القفز، لكن القارب كان خالياً مني، والبحر كان أسبق!

ذو صلة
التعليقات