مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

القهوجي

السيارة الصفراء تشق طريقها نحو الشمال، طرق منحدرة ومتعرجة تفضي إلى فضاء واسع هي الجبوب. (الله يفتح لك أبواب رزقه) الدعاء الأخير الذي سمعه من أمه كأجمل شيء في حياته، قبّلها على جبينها عدة قبلات، ضمّته بحنان ومدّت يدها الواهنة إلى جوف صرّة صغيرة لتناوله بضع ريالات خبأتاها لغائلة الزمن، وضعها في جيبه بكثير من الامتنان، أثناء قطع السيارة لطرق ترابية لم يمح ذلك المشهد من ذاكرته، بقيت صورة لملامح غير واضحة لوجه والده الذي غادر الدنيا من سنوات، يتذكر كلماتهم الحانية وملامحهم الطافحة بالشفقة من أهل القرية إلا أن كل ذلك لم يشفع له عند معلميه في المدرسة حيث ينال الكثير من العقوبات بسبب ضعف فهمه ليلحقه أقران ليسوا في عمره، كان ذلك مخجلاً له ليخرج عن إطار المدرسة باحثاً عن عمل يخدم غيره في المزارع بأجر قليل، لم تعد الحياة في القرية ترق له ولولا والدته لهجرها منذ زمن، وبعد تفكير متردد قرر الرحيل محاولاً إقناع أمه إلا أنها رفضت مغادرة المكان حتى لو منحوها مكاييل ذهب قارون.
جهز نفسه للسفر، ثوب أبيض وعمامة شماغ ضمتهما بقشة صغيرة، مع ريالات دسها في جيبه مع كثير من الدعاء بالتوفيق والرزق، ها هو يتكئ على نافذة السيارة يناظر الموجودات التي تمر بجوارها السيارة، صخور، وأشجار طلح وسدر، وزرقة جبال بعيدة، وسحب بيضاء متناثرة في السماء، وقليل من السيارات العابرة، وصوت ينضح بحزن من مسجل السيارة لشاعر شعبي، استوت السيارة الصفراء فوق طريق مسفلت تؤذن بأن الطائف على مقربة، هناك من الركاب من يتثاءب بعد أن غط في نوم عميق أثناء السير، وآخر التزم الصمت وكأنه يعد نفسه لثرثرة قادمة، وثالث يتندر بكثير من الطرائف كمن يود إضفاء جو من التسلية ولا يخلو حديثه من المبالغة لبطولات يزعم أنه هو من قام بها، ورغم تلك الثرثرة إلا أنه أمتع ركاب الأجرة حيث خفف عنهم وعثاء السفر الطويل والممل، ها هو الإسفلت يمد لسانه الأسود بالقرب من الطائف لينتفض الركاب كنوع من التأهب للانتشار في أرجاء المدينة، حمدان لا يدري أين وجهته وليس لديه مهنة يتقنها أو مؤهل يساعده ليدفعه القدر للعمل في قهوة شعبية صباح مساء يغسل الفناجين وأباريق الشاي مع تنظيف وتسييخ الشيش وطي البطاطين واللحف لمن قدر له النوم على أسرة المقهى، وهناك مهام أخرى كفتح التلفاز ساعة البدء وقفله عندما يرفرف العلم الأخضر كنهاية البث، هكذا أضحى عمله اليومي الروتيني، أجره الشهري قليل من الدراهم يضعه في كمر أصفر باهت يتمنطق به لا ينفك عن جسده، ثمة أحلام تراوده، مر عليه الكثير من المواقف المؤلمة والمحزنة والمضحكة وكانت غذاؤه اليومي من أطياف البشر الذين يرتادون المقهى، أعد العدة للعودة بعد أن جمع مبلغاً من المال يمكن أن يحقق هدفاً انضوى تحت أضلعه، يريد تحقيقه ومن ذات الطريق انعطف راجعاً سالكاً تلك المسارات المتعرجة التي عبرها ذات سفر وصولاً إلى منزله في أعالي الجبال لم يلق بالاً لما يصادفه في الطريق، فقط يعيش مع ذاكرته الحية مع مواقف والدته وصور ضبابية تبرق لوجه والده الذي فارقه في طفولته المبكرة. كانت والدته على موعد وهي تقف على شرفة منزلها منتظرة الطائر الذي هجر عشه، بعد أن تشاورا ذهبا إلى جارهم عازمين تقديم الخطوبة في ابنته ذات الشامة السوداء التي تزين خدها، كانت عباراته القاسية مثل قصف رعد شق برقه السماء: طلبك يا.... ما هو عندنا. وكان يخفي إيماءة لئيمة وساخرة.

ذو صلة
التعليقات