مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

غيبوبة حي بن يقظان.. مذأبة الليل الطويل

أصحو كأنَّ طيوراً شقَّقتْ جسداً
مُعلَّقاً خرْقةً في وجهِ عاصفةٍ
نفسي تعود وقد ذابتْ بآنيةٍ
ملْحاً، ترنُّ من الأمطارِ ساقطةً
عليَّ من كلِّ صوبٍ. مثلما وشَمتْ
في الكفِّ غانيةٌ حنَّاءها، انطلقتْ
حوافرُ الغيمِ في الصحراءِ راكضةً
***
مكثتُ للنمرِ لم أبصرْ له أثراً
ولم أجدْ غيرَ قفْرٍ كنتُ أذْكرهُ
حقْلاً. فأينَ إذنْ طارتْ عصافره؟
وأينَ ما كان يُلقي من أساورِهِ
وسطَ الطريقِ شعيراً أو عناقيدا
يشكِّلُ الصيفَ تجريدا فتجريدا
***
صحا معي الظبْي، في صمتٍ وقد ركضتْ
ريحٌ تُدحرج أحرْاشاً وأتربةً
تلفَّتَتْ برْهةً حتى إذا ابتعدتْ
توقَّفَ الغيمُ عن تفْكيكِ مهْجتهِ
***
لم أنتبهْ، وإذا بالظبْي قد جُرِحَتْ
إحدى يديهِ. ألمْ تنْزِفْ؟ أقول لهُ
فقال كمْ نَزَفَ الجرحُ الذي نزفا
عاماً فعاماً وأعماراً معمَّرة
لكنَّه رغمَ كلِّ النَزْفِ ما اعترفَ
***
جلستُ أسأل هلْ حُلْمٌ يلاحقني
وسهمه شكَّ وعيي وهو ينطحني
يدقُّ وهميْ بقرنيهِ كمِطْرقةٍ
والوقتُ يغزلني عاماً وينكثني
عاماً ويغسلُني عاماً وينشرني
عاماً ويشْعلني عاماً ويطفئني
عاماً ويكويْ جراحاتي ويفتحها
عاماً ويقتلُ آمالي ويبعثها
عاماً فليتَ الذي أدنيهِ يُدنيني
وليتَ كل الذي أقصيهِ يقصيني
***
متى رحلتُ مع الأيَّامِ مشتعلاً؟
عباءتي رفرفتْ من رأسِ سارية
في البحر والموجُ يعليها وينزلها
هل كلُّ بحرٍ له صحراؤه غرقتْ
في جوفه واستقرَّت غير عابئةٍ
أم كلُّ باديةٍ بحرٌ تيبَّس في
فرنِ الظهيرةِ واسمَرَّت أناملُهُ
بين الصخور على فقَّاعة الزبدِ
حتى جرى الملح رملاً أسمر الجسدِ
***
خرجتُ والظبي تعلو رعدةٌ فمَه:
الليلُ ينهسُ في لحْمِ النهار وقد
سال الغروبُ على ثوبِ السماء دماً
دما تقول؟ فقال الظبي كيف ترى
هذا المساء؟ فقلت الآن أكسيةٌ
حمرٌ مذهبَّةٌ بالنوقِ ترفعها
قرى توارتْ وراءَ الإبْل خالعةً
أثوابَها. وإذا ما أظلمتْ سحبتْ
من البيوت ذيولَ العصرِ عاقدةً
فوق القباب عماماتٍ ملوِّحةً
بين النفود لأسراب الظباء بها
***
والآن والليلُ يرمينا بكَلْكَلهِ
من أين نذهبُ؟ قال الظبيُ وهو يرى
من كلِّ زاويةٍ نمراً يلوح له
فواحدٌ وهو منقضٌّ على فرسٍ
تجري فتَصْهلُ في عمْقِ السَّديم وعن
يمينه سابح للسفح منحدرا
هوى كموج امرئ القيس المكدَّس في
جلمود صخرٍ على ماءٍ وسِرْبِ قطا
وواحد كامنٌ بين الحقول فلا
يُرى فأنيابه اندسَّت كسنبلةٍ
بين السنابل ممتدٌّ تلوِّنه
ظلُّ السحابة إذ تدنو وتبتعدُ
والشمس علبةُ لون والسماء يدُ
***
وفجأةً لمْ يقلْ شيئاً وقد صرختْ
عوادمُ الشاحنات البيض خاطفةً
وراءنا. قلتُ: ماذا؟ قال: تؤرقني
عينانَ تشتعلان الآن قادمةً
فقلتُ: ذئبان خبّا يتبعان خطى
طريدةٍ؟ قال: بل أنيابه سطعت
على دمي الآن حتى طاشَ في رئتي
وعاد مختبئاً والذعرُ يركلُهُ
حتى هوى وحدَه في بئر وحشته
***
وقد رأى ما رأى، في الحفرةِ التأمت
صدوعُ جرَّته والرَوعُ أفرخَ في
كفيَّ حتى إذا أوتار رعشتِهِ
لوهلةٍ سكنتْ كالنبع قلتُ له:
رحلتَ من بلدٍ قفْرٍ إلى بلدِ
من أين جئتَ وهل تجري لملتحدِ؟
***
ما قال شيئاً ولكن نظرةٌ نفرت
فقال: أنتَ؟ فلم أنظرْ إليه ولم
أجبْهُ. للجاحظ التبيين قلتُ له
ولي التبيِّن في شمْسِ البيان على
سفْحٍ يعرِّجه وصفٌ بلا هدفٍ
***
أعلو على صخرةٍ كالأنف ناتئةٍ
من وجه تاريخيَ المجدوْرِ حيث أرى
بغداد صاعدةً من دجلةٍ لأبي
حيَّانَ يركضُ في ملْحِ المدينة أو
فراتها والمدى سكِّينُ مذبحةٍ
***
أرى سماءً كحقْلِ القْطنِ ليس لها
نهايةٌ وإذا ما تحْتها بُقعٌ
صُفْرٌ مفقَّعةٌ مفْعى تعضِّضها
ريحٌ مكلَّبةٌ تعوي جوانبها
جمراً تنعَّلتُهُ في دربِ مسْغبةٍ
أهكذا هيَ تجري الأربعون إذن
العمرُ مذأبةٌ حقاً تقلِّمها
حشائشُ الوقتِ إذ تمتدُّ شاحبةً
لولا المسافةُ كان العمرُ مروحةً
تفترُّ تفترُّ في فُلْكٍ بلا فلكِ
مملوكةٌ دونما مُلْكٍ ولا مَلِكِ
***
هل كلُّ أمس له في النفسِ مشعلةٌ؟
منارةٌ تنتهي فيها شواطِئنا
وكلما مرَّت الدنيا بقرطبةٍ
قامتْ على دربها لله مئذنةٌ
أخرى؟ على القرطبيين الرحيلُ بلا
غرناطةٍ: اتركوا قاموسَكم لغةً
على رخام البيوت البيضِ ساطعةً
يأتي فلاسفةٌ يبنون أندلساً
ما بين توْضحَ والمقراة ثانيةً
فكلما اندلَسَتْ أرضٌ لصاحبها
ظبياً فظبياً تفكُّ الأرضُ فتنتها
***
تلفَّتَ الظبيُ إذ مرَّت كنايته
كأنما هو رسْمٌ في منمْنمةٍ
والسهمُ يوشكُ أن يصْمي بمخلبهِ
ترى لقرنيه ميلاً لليمين إذا
نظرتَ للرسمِ من أعلى على مَهَلٍ
***
شكى إليَّ وشكواه حكايته:
طوقُ الحمامةِ ملتفٌّ على عنقي
والحبُّ في آخر الدهليز مسرجتي
هل الهوى في اتجاهٍ واحد أبداً
نحو الخلود أم الدنيا مُفَرِّقةٌ
تجري إلى وجهةٍ تودي لمهلكةٍ؟
***
وجدتُ في نفسه ما لم أجدْ وأنا
أسعى إلى موعدٍ في الغيب مستترٍ
بحثاً عن المدن الفضلى وعن مدنٍ
على الخريطةِ تعدو لا حدودَ لها
***
وجدتُ مخْلاب أفلاطون منغرساً
في لحمِ أستاذه سقراط يرفعُه
وقد جرتْ عجلاتُ الوقت صارخةً
***
رأيتُ نهر أرسطو حيث تحْرفه
يدُ ابن رشدٍ وتبني اللوزَ قنطرةً
إلى الشمال: اتركوا لي صاحبي قمراً
وحدي أعلِّقه في ليل قرطبةٍ
***
وقفتُ عند الغزالي وهو منشغلٌ
يفككُ الغيبَ أجزاءً ويجمعهُ
رأيته وهو يبني شمسَ معرفةٍ
أخرى على مهْله والهمُّ يصرعهُ
***
عند ابن خلدون إذ يحصْي مدائنه
وجدتهُ يرسمُ العمرانَ دائرةً
تدور في مغزل التاريخِ صاعدةً
تعلو وتسقطُ كالبندول ثانيةً
***
حتى وقفتُ وبابُ الروم منخلعٌ
يدقُّه حافرُ الشرق المذهَّب: كم
ملْكٍ قناديلُه بالسيف مسرجةٌ
تمرُّه لغةٌ تهوي كواكبها؟
***
سألتُ نفسي ونفسي غير كاذبةٍ
إن كنتُ عشتُ حياتي كلَّها حُلُما
كأنني في حياةٍ لا حياةَ لها
حُلْماً يدحْرجُ عمري نحو هاويةٍ
***
وإن يكن حُلُماً عشنا به زمناً
فمن رآه ومن يا ظبي يذكره؟
طيفاً شفيفاً مضى يزْجي قوافلنا
***
ما زال منشغلاً بالنمر يرصدهُ
يحسِّه وهو لا يدري بمكمنه
فقال: تعني بأني الآن في حُلُمٍ
ولا حقيقةَ أو معنى لمهربنا؟
***
للحظةٍ وهو يحكي إذنه ارتعشت
لفَّت ودارت كسنجابٍ وما سكنت
نظرتُ أعلى إذا بالليل منكمشٌ
تعلو ستائرُ شدَّ الصبحُ بكرتها
***
وقفتُ أنصتُ لا شيءٌ ولا أحدٌ
حتى سمعتُ من الأحراش ما سمعا
سمعتُ وثبته تمتدُّ خاطفةً
رعداً تشَكَّل ريحاً هبَّ منطلقاً
وعندها انفلتت أوتارُ زأرته
وانفكَّ كلبٌ سلوقيٌّ أظافره
زرقٌ تحكُّ الثرى حكاً وتكشطُه
كأنما فرَّ مذعوراً فأدركهُ
مخلابُ جوعٍ على صيدٍ فحرَّكهُ
***
لم أنتبه وإذا بالظبي فرَّ ومن
ورائه النمرُ ممتداً ومنكمشاً
يكاد يصطاده يرمي فيخطئه
يدنو فيخطئه في المرتين إلى
أنِ انتهى الظبيُ في الوادي وقد هربا
والنمرُ يشتدُّ في آثاره طلبا

ذو صلة
التعليقات