مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

فضائية الشمس

في برنامج (عندما نلتقي)، سألت المضيفة:
تُرى كيف لرجل مثلك، خسائره تجاوزت حد البقاء، واقفاً وما زال قادراً على أن يبتسم، وكيف أنك استطعت بعد كل ذلك الرصاص الذي تلقيته من الوطن قادراً على أن تتنفس؟!
أمسك دمعته، قبل أن تفلت منه، وتسقط، وقال لها:
يا سيدتي، إن بكيت الآن سأخسر مجدداً، كوني مثلي وتمردي على الحزن، أطلقي صافرات الفرح في مدن قلبك، لا تسمحي لهذا الزمن أن يغيرك أو يكسرك. العمر سيمضي بحزنه وبفرحه.
أتصدقين، حين أتذكر أنني كنت أبكي وأنا صغير أشعر بأنني كنت أحمق، كيف لم أفهم حينها أن للدموع أعواماً كاملة، ستأتي لاحقاً!
حدثنا عن الحزن؟
الكل منشغل يا سيدتي بسعادته عن حزنك. لا تصدقي أن أحداً ما قد يغيّر مسار حياته لأجلك. قد يحاول أن يجرك نحوه بطريقة ما، لا تؤثر على طقوس كوكبه الخاصة.
هذا العالم متناقض جداً يا سيدتي، الجرح فيه ملكية خاصة، لا أحد قد يقاسمك وجعك.
وماذا عن الأحلام؟
البشر في هذا الكوكب، قد ينسفون أحلامك إن تعارضت ولو بجزئية بسيطة مع أحلامهم. لا أحد يمسك يدك حتى خط النهاية، الكل يريد أن يكون في المقدمة!
ما رأيك في الصداقة؟
جربي أن تجلسي في غرفتك، اطفئي كل الأضواء، واسترجعي شريط عمرك بهدوء، سيمر أمام عيونك أناس كنت تقيمين لهم معبداً في الروح ولن تجديهم ولن تتذكري أبداً آخر مرة رنَّ هاتفك بصوتهم!
ستمر بعض المواقف التي ستغلقين عيونك، وأنتِ في العتمة، لكي لا تشاهدي المشهد مرة أخرى. ستكتشفين أن خساراتك أكبر بكثير مما ظننتِ.
ستتذكرين ابنة الجيران، التي كانت تقدم لكي درساً كاملاً عن الزواج، وأنه مشروع فاشل، لكي ترفضينه. الآن هي زوجة من أحببتِ الارتباط به!
ستتذكرين صديقتك المسكينة، تلك التي كانت بيدك تستند عليها لسنوات في المدرسة، والتي هي الآن ترفض أن تجيب على هاتفك!
ستتذكرين كل حفلة زواج رقصتِ بها من أجل صديقاتك، حتى بقيتِ أنتِ وحيدة كقصاصة ورقة ذرتها الريح. ستفهمين أن البشر على استعداد كامل لنسيانك في لحظة بعد أن ينتهي دورك في مسرحيتهم الأنانية.
آمل أن يكون الحب أفضل حالاً من الصداقة؟
تراجعت أسهم الحب في هذا الزمن، أصبحت كبورصة النقود، يوماً ترتفع لتعانق غيوم السماء، ويوماً تسقط كثمار فاسدة. ما عدنا نمتلك تلك القدرة على الإخلاص، والبقاء واقفين في وجه خذلان هذا الزمن.
قديماً، كانت أبيات الشعر بمثابة عقد زواج، كلمات ينطقها قلب عاشق، فتصل أسرع من أي شيء، لتدق أبواب قلب أجمل فتاة في القبيلة.
كان فتيل المصباح بمثابة ضوء مدينة كاملة في أعماقهم، وهم يرددون تلك الأبيات، حين كانت الخيل هي الوسيلة الوحيدة للوصول للحبيب. واليوم وصلنا القمر ولم نستطع أن نصل بإحساسنا لمن نحب.
لم يكن هناك لهم مقهى للقاء سوى بئر الماء، يجلس الحبيب منتظراً قدوم القمر، وأحياناً تغيب الشمس، ولا يأتي القمر.
اليوم نتفق على موعد اللقاء بالهاتف، ونحدد أي طاولة ستستضيف خيبتنا بالتحديد، ويذهب كلانا، ورغم ذلك قلوبنا لا تلتقي.
زمن أحمق ذلك الذي نعيشه، نرتدي فيه الحب على أجسادنا، وننسى أن أعماقنا عارية من الصدق، وأننا فارغون من الأمل!
الافتراق مؤلم في كل الأحوال. أتوافقني الرأي؟
حين سمعت القاضي، وهو ينطق بأن علينا أن نفترق، وأن يردد كلانا قسم الفراق، أدركت بأنني لم أخسرها، وإنما خسرت إيماني المطلق، بأن من تقف أمامي هي ذاتها من قطفت لها يوماً وردة. وأن كل الطرقات التي سارت بنا يوماً، كانت وهماً، وأن مقعدنا الخشبي كان متهالكاً، وأن فناجين القهوة، كانت باردة تماماً، كملامحها التي أراها الآن أمامي، في خيالي، وهي واقفة كالمسمار الذي يحاول الصمود. وأن كل الوعود كانت مجرد كذبة، كان في عيونها نهاية لا تليق بي، فهي الوحيدة التي كانت تعرف من أنا بين الواقفين حولنا في المحكمة. كلهم كانوا عابرين إلا هي. كان في عيونها خذلان لا تكفيه قاعة ولا محكمة. كان ما يحدث هو قمة المهزلة، وافترقنا!
وماذا عن العمر؟
أتعلمين، أسأل نفسي أحياناً: كيف أني أمضيت عمري في دائرة صغيرة على هذا الكوكب، أنتظر أن تكبر الدائرة، ولم أفكر يوماً أن أغادر أنا تلك الدائرة، رغم علمي المسبق، بأن خارج تلك الدائرة، ثمة حياة، حياة كاملة، لم تلمسها أطراف ملامحي بعد!
بعد كل هذه الكلمات المنتقاة من حياتنا، ماذا تقول عن الكلمات؟
الكل يهرب من الكلمات التي تهز جدران قلبه، يريد للوقت أن يتجاهله قليلاً، لا يريد لجرحه أن يستيقظ من سباته، ولا حروفه، وكلماته!

ذو صلة
التعليقات