مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

أدب بلا أدب

في الكتابة هناك خطوط حمراء لا يجوز الاقتراب منها إلا بحذر، وهي: الدين والسياسة والجنس. وإذا كانت هناك محاولات بما يخص الدين والدولة والمداورة حول الحمى، ولو عن بُعد؛ إلا أن المداورة حول الحمى بما يخص الجنس تعتبر مفقودة أو على الأقل مدفونة لا تنشر. وإن نُشرت فهي بأسماء وهمية، ويكون كل ذلك بعد تلطيفها حتى تمييعها، فلا تعود كتابة حقيقية عن الجنس.
العرب لم تأنف من الكتابة في موضوع الجنس وأشكاله وأوصافه وأنواعه وأوضاعه وممارساته، بل أسرفوا في وصف الأعضاء الجنسية وتعداد أسمائها، ورواية حكاياتها التي هي في مجملها حكايات فيها مبالغة لا يقبلها المنطق. لكن طالما هي عن موضوع لا يُطْرق إلا في المجالس المغلقة؛ فمن المفهوم أن تحويلها إلى أمر منطقي قد تُرِك لخيالات المستمع والحكواتي الذي يرويها على ضيوف مجالس الأثرياء أو زبائن المقاهي.
التراث العربي يزخر بالكتب التي موضوعها البحت هو الجنس، واحتفظ التاريخ ببعض منها إلى اليوم، وأشهرها: عودة الشيخ إلى صباه، والروض العاطر، ونزهة الألباب، وأوصاف النساء، ونواضر الأيك، والوشاح في فوائد النكاح.. وغيرها. والعجيب أن المطلع عليها يجد فيها مبالغات ممجوجة ولغة بذيئة، ومشحونة بالشواهد والأشعار والحكايات غير المنطقية، فهي حتماً لا تثير القارئ المعاصر رغم شهرتها.
في رأيي أن هذه الكتب لم تُكْتب للقارئ مباشرة، فهي كُتبت في أزمان كانت الأمية فيها مطبقة، ولكنها كتبت للحكواتية الذين يضيفون إليها بحسن أدائهم وتدفق خيالاتهم الكثير من المحسِّنات والبهارات والتصوير الذي يشحن النص بما ليس فيه. فهي كتب تقدم للحكواتي رؤوس أقلام أو عناوين يبحر بعدها في صنع حكاياته بنفسه، ويرفعها في مجالس السراة حيث النخب من الناس، ويخفضها في المقاهي والأسواق حيث يطغى الرعاع على الحضور. أيضاً تلك الكتب لا تُقرأ في مجالس الأنس إلا والكؤوس تُدار والرؤوس تدور، في تلك الحالة يكون لأي عبارة مهما كانت هابطة معنىً وطلاوة. علماً أن موضوع الجنس وما كُتب عنه من شعر ونثر أو قصص وشواهد قد ورد في أمهات كتب التراث مثل: العقد الفريد، والأغاني.. وغيرهما.
والآداب الإنسانية عموماً مليئة بمثل تلك الأعمال التي تفتقد الأدب، فالهنود لديهم كتاب اسمه (كاما سترا)، والأوروبيون لديهم (ماركيز دوساد)، والعرب لديهم كتاب (عودة الشيخ إلى صباه).. وكذلك بقية الشعوب. فأدب قلة الأدب ليس جديداً في ميدانه، لكنه عُدَّ عبر التاريخ أدباً سريّاً للأثرياء وعِلْية القوم والوجهاء في حياتهم الخاصة.
أدب قلة الأدب يحتاج إلى: قلم جريء وخيال ماجن.

ذو صلة
التعليقات