مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

(علي محمود طه).. يتألم فيبدع

قال أبو عبدالرحمن: يا ليت أدعياء التغني بالشعر يكون أحدهم (علي محمود طه) وهو يتغنى حزيناً بألم (الموسيقية العمياء)، ولقد نشرت بجريدة المدينة في 30/3/1390 هجرياً العدد 1881 بتحليل ناقص، فأردت ترميمها بعدما حصل لي من ترقي الإحساس الجمالي، فإذا بهذه الدراسة تكون نسفاً لكل ما انتهيت إليه عام 1390هجرياً تحت وطأة الإعجاب الذي لا حد له بالرومانسيين عموماً، وبـ(إبراهيم ناجي)، و(علي محمود طه) خصوصاً. ومن براهين النقص في البشر أن الإنسان يعلم بالأمس ما لم يعلم أمس، وربما تراجع عن بعض ما علمه في غمرة السهو، أو التقليد، ولقد حصل مثل هذا للإمام ابن حزم قليلاً رحمه الله تعالى.
قال أبو عبدالرحمن: لقد عميت عازفة حسناء، فأوحى جمالها الجريح إلى المهندس (علي محمود طه) بهذه القصيدة:
إذا ما طاف بالأرض
شعاع الكوكب الفضي
إذا ما أنت الريح
وجاش البرق بالومض
إذا ما فتح الفجر
عيون النرجس الغض
(قال أبو عبدالرحمن: نوار النرجس متفتح يراه الناظر مثل العيون كما في قول زهرة الجر:
والنرجس النعسان بلله الندى
فأضاء مثل الدمع في عينيك)
بكيت لزهرة تبكي
بدمع غير مرفض
قال أبو عبدالرحمن: المرفض صفة لنوع من الدمع وليس لجميع الدمع، فهو صفة لدمع سال متفرقاً متتابعاً، ولهذا قال أهل اللغة: ارفضاض الدموع ترششها.
زواها الدهر لم تسعد
من الإشراق باللمح
على جفنين ظمآنين
(م) للأنداء والصبح
أمهد النور ما لليل
(م) قد لفك في جنح
أضيئي في خاطر الدنيا
ووار سناك في جرحي
أري الأقدار يا حسناء
(م) مثوى جرحك الدامي
أريها موضع السهم (م)
الذي سدده الرامي
أنيلي مشرق الإصباح
(م) هذا الكوكب الظامي
دعيه يرشف الأنوار
(م) من ينبوعها السامي
وخلي أدمع الفجر
تقبل مغرب الشمس
ولا تبكي على يومك
أو تأسي على الأمس
(قال أبو عبدالرحمن: المهندس موسيقي الشعر.. أعني الموسيقى الداخلية، ولو غنى بشعره ههنا لاجتمع له الحسنيان، فكان ذا موسيقى خارجية، وهو كذلك إلا إذا غفل عن الغناء أو الترنم به، فعاد للتقطيع العروضي البصري، ووزن هذا البيت نشاز، ويستقيم هكذا:
ولا تبكي على يوم.. ولا تأسي على أمس
كما أنه لا يليق بهذا الشاعر الغريد أن يراوح بين (مفاعلين)
و(ومفاعلتن) دون (كوبليه) مستقرة، مع أن مراوحته هذه قليلة).
إليك الكون فاشتفي
جمال الكون باللمس
خذي الأزهار في كفيك
(م) فالأشواك في نفسي
إذا ما أقبل الليل
وشاع الصمت في الوادي
قال أبو عبدالرحمن: الضمة في لام (الليل) مشبعة بمد من أجل الوزن.
خذي القيثار واستوحي
شجون سحابه الغادي
وهزي النجم إشفاقاً
لنجم غير وقاد
لعل اللحن يستدني
شعاع الرحمة الهادي
إذا ما سقسق العصفور
(م) في أعشاشه الغن
وشق الروض بالألحان
(م) من غصن إلى غصن
أتتك خواطري الصداحة
(م م) الرفافة اللحن
تغنيك بأشعاري
وترعى عالم الحسن
إذا ما ذابت الأنداء
(م) فوق الورق النضر
وصب العطر في الأكمام
(م) إبريقاً من التبر
دعوت عرائس الأحلام
(م) من عالمها السحري
تذيب اللحن في جفنيك
(م) والأشجان في صدري
عرفت الحب يا حواء
(م) أم ما زال مجهولا
ألما تحملي قلباً
على الأشواق مجبولا
صفيه صفيه فرحانا
ومحزوناً ومخبولا
قال أبو عبدالرحمن: هاء (صفيه) في الموضعين مكسورة غير مشبعة، وهي تحقق (مفاعلتن) مع أن كوبليه القصيدة المتوالي في السياق على (مفاعيلن)، فلا يتحقق اللحن إلا بكثرة الضرورات اللغوية من أجل سلامة الوزن واللحن.
وكيف أحس باللوعة
(م) عند النظرة الأولى
(قال أبو عبدالرحمن: البيت منكسر، وربما أن الشاعر أداه عند الولادة هكذا:
وكيف أحس باللوعات (م) عند النظرة الأولى
ثم غفل بعد ذلك وكتبه بهذا الانكسار، وهذا يحدث كثيراً لشعراء الفصيح والعامية.. يضبط وزنه ولحنه مترنماً، ثم ينسى الصيغة المنسجمة موسيقياً عندما يكتب شعره بلا ترنم.. وبعد إصلاح الوزن فسنظل في تنغيص (مفاعلتن)).
ومن آدمك المحبوب
(م) أو ما صورة الصب
قال أبو عبدالرحمن: لابد أن المهندس أقام وزنه ترنماً هكذا: (ومن آدمكي المحبوب)، فسكن الميم، وأظهر الياء إشباعاً لكسرة الكاف.
لقد ألهمت والإلهام
(م) يا حواء بالقلب
هو القلب هو الحب
وما الدنيا لدى الحب
قال أبو عبدالرحمن: الضمة في باء القلب والكسرة في باء الحب مشبعتان لأجل الوزن هكذا: القلبو الحبي.
سوى المكشوفة الأسرار
(م) والمهتوكة الحجب
سلي القيثار بين يديك
(م) أي ملاحن غنى
وأي صبابة سالت
على أوتاره لحنا
حوى الآمال والآلام
(م) والفرحة والحزنا
حوى الآباد والأكوان
(م) في لفظ وفي معنى
تعالى الحسن يا حسناء
(م) عن إطراق محسور
أيشكو الليل في كون
من الأنوار مغمور
وما جلاه من سواه
إلا توأم النور
وما سماه إذ ناداه
غير الأعين الحور
قال أبو عبدالرحمن: معنى البيت الذي قبل هذا أن الكون مظلم، وما جلاه إلا النور الذي هو توأم الظلام، فذهبت إلى أن المعنى متكلف، لتلعثم بيانه، وقلت عن البيت الأخير: لا أفقه له معنى، وهكذا البيت الذي قبل البيتين الأخيرين. ولكن الشيخ علي إدريس مصحح بعض التجارب دلني على أن (توأم النور) هو الموسيقية العمياء التي جلت بحسنها ظلام النور. وهو استدراك صحيح، ولكن المهندس أفسده لما جعل من سوى الظلام هو الذي جلاه سبحانه وتعالى (وهذا هو الحق)، ثم استثنى توأم النور (الموسيقية) من فاعل (سواه)، فجعل التوأم هو المجلي لا (من سواه)! ولولا هذا الاستدراك لكان البيت الذي قبل البيتين الأخيرين واضحاً، وأما البيت الأخير فلم أفقه له معنى بعد، ولا أتصور عيناً وحوراً في عمياء!

ذو صلة
التعليقات