مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

سؤال الحياة.. جوهر الوجود ما نختار أن نكون

يبدو أن سر الحياة، وإيجاد المعنى فيها، أبسط مما نعتقد، غير أن بعض الناس يقضون حياتهم كلها غير راضين بما كَسِبُوا، ويلهثون بحثاً عن هدف قد لا يتحقق. بينما يمكن أن يكون التفكير في سؤال المعنى في حد ذاته إجابة، الأمر الذي حدا بالفيلسوف إيدو لانداو أن يقترح أن لدينا جميعاً كل ما نحتاجه لوجودٍ ذِي معنى. إذ يقول لانداو، مؤلف كتاب: (العثور على المعنى في عالم غير كامل)، الذي صدر عام 2017، يخطئ الناس عندما يشعرون أن حياتهم بلا معنى. ويستند الخطأ إلى فشلهم في التعرف على ما هو مهم، بدلاً من التركيز بشكل مفرط على ما يعتقدون أنه مفقود من وجودهم. ويضيف، مندهشاً، أن معظم الأشخاص، الذين تحدثت معهم عن معنى الحياة ، أخبروه أنهم لا يعتقدون أن حياتهم كانت ذات معنى بما فيه الكفاية. حتى أن الكثيرين قدموا حياتهم على أنها بلا معنى تماماً. وتلك كانت إشكالية أسبابها في كثير من الأحيان أن المحاورين عبروا عن وجهات نظرهم ولم يطرحوا أسئلة ذات صلة، أو اتخذوا الإجراءات، التي قد تحسن حالتهم. لذا، فإن معظم الناس، الذين اشتكوا من اللامعنى للحياة، وجدوا صعوبة في شرح ما يعنيه هذا المفهوم. بعبارة أخرى، يعتقد لانداو أن الأشخاص الذين يشعرون بأنهم بلا هدف يسيئون فهم معنى مفهوم الحياة. ويقول إنه من بين العديد من المفكرين على مر العصور الذين تصارعوا مع السؤال الصعب، (ما هي الحياة ذات المعنى)؟
ونستطيع أن نطرح السؤال بمفردات أخرى: لماذا لا تستطيع الفلسفة أن تقدم إجابة مقنعة حول كيف يجب أن نعيش؟ وهذا السؤال يدور في خلد الكثيرين كلما مرت بهم الأزمات، أو في كل أمر يخرج بهم عن أنماط الحياة الطبيعية، لكنه ليس دائماً مطلباً بسيطاً، ولا تشفع سهولة طرحه للحصول على إجابة مباشرة، كما لو كان بإمكاننا، بطريقة ما، قراءة الإجابة (الصحيحة) من العالم.
رغم أن أجوبة الفلاسفة على سؤال الحياة عديدة ومتنوعة وعملية بدرجات متفاوتة. على سبيل المثال، قال فيلسوف القرن التاسع عشر فريدريك نيتشه إن السؤال نفسه لا معنى له لأنه في خضم الحياة، لسنا في وضع يسمح لنا بتمييز ما إذا كانت حياتنا مهمة، والخروج من عملية الوجود للإجابة أمر مستحيل.
ويمكن أن يكون هذا السؤال مثل نوع الألم، الذي يتطلب استجابة تهدئ بقدر من حدته ما تعالج أسبابه، إلا أنه ليس من الواضح أن الفلسفة الأكاديمية يمكن أن تعالج مثل هذا السؤال بشكل مناسب. كما اقترح الفيلسوف الأسترالي ريمون جايتا، فإن مثل هذا السؤال ينبثق من أعماقنا جميعاً، من إنسانيتنا، وعلى هذا النحو، فإننا نتشارك في دعوة مشتركة للوصول إلى إجابة. غالباً ما تخطئ الأوساط الأكاديمية هذه النقطة، وتتجاهل العمق الإنساني، وتستجيب كما لو كانت المشكلات المتعلقة بمعنى الحياة ألغازاً منطقية، يجب حلها، أو رفضها باعتبارها مشكلات غير حقيقية، أو حلها بطريقة واحدة في كل الأوقات.
تكثيف المفهوم
صحيح، في أوقات مختلفة، دعا فلاسفة، مثل جيلبرت رايل، ومؤخراً ميكيل بورلي، إلى مراجعة نهج الفلاسفة الأكاديميين تجاه هذه الأنواع من الأسئلة، من أجل مفهوم (مكثف)، أو موسع. ولكن، مع تحسين وعينا بتعقيدها وتنوعها، لا تزال هذه الأساليب تفشل في معالجة العمق، الذي يوفره أصلها البشري. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يعتقدون أنه يمكن تمييز المعنى ينقسمون إلى أربع مجموعات، وفقاً لثاديوس ميتز، الذي كتب عن (المعنى) في قاموس ستانفورد للفلسفة: أولهم من يتمركزون حول (المشيئة العليا)، ويعتقدون أن الإله وحده يمكن أن يوفر (الغرض) من الحياة. وينتسب الفريق الثاني إلى وجهة نظر تتمحور حول (الروح)، معتقدين أن شيئاً منا يجب أن يستمر إلى ما بعد حياتنا، وهو جوهر ما بعد الوجود المادي، الذي يعطي معنى للحياة. ثم هناك معسكرين من (علماء الطبيعة) الذين يبحثون عن المعنى في عالم مادي بحت، كما هو معروف بالعلم، والذين يقعون في فئتين (ذاتية) و(موضوعية). وينقسم هذان المعسكران الطبيعيان حول ما إذا كان العقل البشري يصنع معنى، أم أن هذه الشروط مطلقة وعالمية. بينما يجادل الموضوعيون بأن هناك حقائق مطلقة لها قيمة، على الرغم من أنهم قد لا يتفقون على ماهيتها. على سبيل المثال، يقول البعض إن الإبداع يقدم هدفاً، بينما يعتقد البعض الآخر أن الفضيلة، أو الحياة الأخلاقية، هي التي تُضفي (المعنى الذاتي) على الحياة.
لقد تعلمنا في دروس سيسولوجيا المعرفة أن الذات الواعية هي جزء من تفكيرنا، وهذا هو الجزء، الذي نعرفه أكثر من بقية كينونتنا، الموصوفة بـ(المعنى الذاتي). وبصرف النظر عن طبيعة الاختلافات حولها، فهي عادة ما نُسميها الـ(أنا)، التي هي مسؤولة عن الفطنة والتمييز وصنع القرار، وأغلبية أفعال الشخص الظاهرة في الحياة. ومن الناحية الإدراكية، ترتبط الذات الواعية بالجسد العقلي وشفرة القلب، وتتحدد بها علاقة الذات الواعية بالذات الأساسية، التي هي في ظني القلب المُبْصِر.
ويعتقد أنصار الذات، ومن بينهم الفيلسوف لانداو، أن هذه الآراء ضيقة للغاية. وإذا حدث المعنى من خلال الإدراك، فقد يأتي من أي عدد من المصادر، بيما يبدو أن معظم العاملين في هذا المجال ليس فقط أن الإبداع والأخلاق هما مصدران مستقلان للمعنى، ولكن أيضاً أن هناك مصادر أخرى، بالإضافة إلى هذين الاثنين. ويقترح ميتز أنه للحصول على أمثلة قليلة فقط، ينبغي أن نفكر في القيام باكتشاف عقلاني، يتضمن في بعض جوانبه تربية الأطفال بالحب، وتشغيل الموسيقى، وتنمية القدرة الرياضية الفائقة. وسنجد أنه، بالنسبة للذاتيين، تختلف قيمة أي نشاط اعتماداً على أين نقف نحن. ومثلما يقال إن الحياة ذات مغزى، لكن قيمتها نصنعها في أذهاننا، وهي عرضة للتغيير بمرور الوقت. ويجادل لانداو بأن المعنى هو في الأساس إحساس بالقيمة قد نستمده جميعاً بطريقة مختلفة من العلاقات، والإبداع، والإنجاز في مجال معين، أو الكرم، من بين الاحتمالات الأخرى.
العمق البشري
إن وجود الإنسانية، أو العمق البشري، لهذه الأنواع من الأسئلة لا يأتي فقط من السياق، الذي يُسألون فيه، ولكن أيضاً من أصلهم المتحدث. إنها أسئلة حقيقية لأناس حقيقيين، ولا ينبغي رفضها بأي منطق، أو التعامل معها كموضوع مثير للاهتمام فحسب. ونعلم أنه قد يكون مثيراً للضحك إذا سمعنا جهاز حاسوب (كمبيوتر) يسأل: (كيف نعيش؟) لكن لا نجرؤ على الضحك لسماع زوجة تسأل زوجها، بعد وفاة ابنهما: (كيف نعيش؟) على الرغم من نطق نفس الكلمات، إلا أن هذه الأسئلة لها شكل مختلف: سؤال الأم يحتوي على عمق نوعي، على إنسانية غير موجودة في سؤال الحاسوب.
ويجب أن نعترف بهذا إذا أردنا العثور على إجابة للسؤال المحدد، الذي نطرحه بمثل هذه الحماسة. فالحاسوب شيء لا يمكنه طرح مثل هذه الأسئلة بشكل هادف، في المقابل، من العدواني أن نطلق على الشخص لفظة (الشيء). لذا، يمكن للإنسان فقط أن يسأل هذا النوع من الأسئلة ضمن هذا النوع من السياق. فكلام الأم يحتوي على عمق يكشف شيئاً ربما كان مخفياً عن نفسها سابقاً، بينما سؤال الحاسوب لا يوصف إلا بأنه ضحل، لأنه مثل ببغاء يكرر الكلمات، التي تم تلقينها دون تعقيد السياق البشري، الذي يعطيها معناها المعتاد والعميق. وهذا لا يعني أن أجهزة الحاسوب لن تكون ذات يوم ذكية، أو (واعية)، أو أن اللغة البشرية (خاصة) بنا، مما يُحيلنا إلى أن نكون أقرب إلى ملاحظة الفيلسوف فيتغنشتاين: (إذا كان بإمكان الأسد التحدث، فلن نفهمه).
إن هذا يعني أن الشكل، الذي تتخذه اللغة يعكس السياق الاجتماعي المعقد لحياة المتحدث، والدرجة، التي يُشارك فيها هي شكل مشابه لحياة ودرجة المتحدث الآخر، التي يتمكن من خلالها فهم الكلام بشكل هادف. وإذا افترضنا أن (حياة) الحاسوب إما ذات بعد واحد بسبب افتقارها إلى العمق، أو حتى لو كان لها عمق، فسيكون غير قابل للتواصل من خلال اللغة البشرية، لأننا، ببساطة، نختلف كثيراً.
إن الإنسانية، التي توفر العمق للغتنا لا يمكن الوصول إليها ببساطة عن طريق رقائق السيليكون والأسلاك النحاسية، والعكس صحيح. فهذا العمق في حالة الإنسان هو جزء مما نعنيه عندما نتحدث عن إنسانيتنا، أو روحنا، وأي شخص يرغب في التساؤل، أو استكشاف هذا الجانب من الحالة الإنسانية يجب أن يفعل ذلك في شكل من أشكال اللغة، التي يمكن الوصول إلى عمقها وتكرارها. ونحن نطلق على هذه الأنواع من اللغات اسم الروح، لكن هذه الطريقة في الكلام لا ينبغي أن تؤخذ حرفياً، وهذا لا يعني أن الأرواح غير موجودة، أو أننا يجب أن نؤمن بوجودهم الحرفي في اللغة من أجل استخدام هذا النوع من التواصل. إذ غالباً ما يساء فهم الأسئلة المتعلقة بمعنى الحياة، وغيرها من الأسئلة المماثلة، من قبل أولئك المستعدين جداً للتفكير فيها على أنها طلبات مباشرة للحصول على إجابة حقيقية موضوعية، لإعادة صياغة طريقة تفكيرهم بطريقة مختلفة.
مثال الختام
تأمل، على سبيل المثال، ما يعنيه شخص ملحد بكلمة (الروح)، وذلك عندما يحاول أن يدحض الافتراض المعرفي، الذي يؤكد على الوجود الفعلي للأرواح، مقارنةً بما يعنيه غيره عندما يصف العبودية بأنها تدمير للروح. إذا كان على الملحد أن يجادل بأن العبودية لا يمكن أن تدمر الروح لأن الأرواح غير موجودة، فهنا يمكن القول إن هناك معنى ضاع عليه من خلال كونه يفكر بمنطق مبتسر ومخل بالمعنى الحرفي للحقيقة. فإذا تم اعتماد عبارة (العبودية تدمر الروح) على شكل معرفي بحت، فهي لا تُحَرِّف ما يُقْصَدُ قوله فحسب، بل تمنع بقصد من قول ذلك على الإطلاق. وإذا أُرِيدَ التعبير عن شيء يمثل عمق نوع التجربة، التي يمتلكها الإنسان المؤمن، فإن هذه ليست مسألة تقديم بيان ضمني حول ما إذا كانت الأرواح موجودة أم لا، إنها لا تتأثر بالوجود الحرفي، أو عدم وجود الأرواح. وعند التفكير في كيفية الإجابة على السؤال: (كيف يجب أن نعيش؟) يجب أن نفكر، أولاً، في كيفية طرحه، هل هو سؤال معرفي يبحث عن إجابة فعلية للحقيقة، أم أنه هو جزئياً عبارة عن ملاحظة روحية غير معرفية، وردت كردٍ على إنسان معين؟ وهذا السؤال، الذي نطرحه كثيراً في أوقات الأزمات واليأس، أو الحب والفرح، يعبر عن إحساسنا بالإنسانية ويحدده بالفعل. أما بالنسبة لأولئك الذين يشعرون بأنهم بلا هدف، يقترح الفيلسوف لانداو إعادة صياغة ذات السؤال، لتكون الإجابة أن (الحياة ذات المعنى هي الحياة، التي يوجد فيها عدد كافٍ من الجوانب ذات القيمة الكافية، والحياة، التي لا معنى لها هي الحياة، التي لا يوجد فيها عدد كافٍ من الجوانب ذات القيمة الكافية)، لأن معنى الحياة هو ما نختار أن نستوعبه.


* دبلوماسي سوداني، الأمين العام السابق لمنتدى الفكر العربي، الأردن.

ذو صلة
التعليقات