مجلة شهرية - العدد (535)  | أبريل 2021 م- شعبان 1442 هـ

المخرج السينمائي سيرجي باراجانوف الموت تحت ظلال الأجداد المنسيين

(سأروي لكم حكاية قديمة عن العمالقة الذين كانوا منذ زمن بعيد يعيشون فوق الأرض، كان طول خطواتهم ميلاً وكانوا يلمسون السماء بأيديهم كانوا يمتازون بالجمال وكانوا يأكلون ويشربون، ولكنهم أغضبوا الله لأنهم لم يؤدوا فرائض الله).
سيرجي باراجانوف، شاعر ومفكر وفيلسوف وإنسان، يمتلك من الأصالة والعمق ما يغني الحياة الروحية بالإيمان. وإغناء الحياة بالإيمان الروحي هو الهدف الأسمى لكل الفنون. استلهم سيرجي باراجانوف أغلب أفلامه من التقاليد والعادات والموسيقى الشعبية، لشعب القوقاز. وبحث عن الفولكلور الأرميني والأوكراني والجورجي، ليصنع إطاراً للتعبير عن رؤيته الخاصة للحياة والعالم. فالفولكلور بالنسبة له، لا يعني التقوقع على الذات، وإغلاق الحدود على ثقافة الشعوب والمجتمعات؛ بل يعتبر الفلكلور لغة العالم، لأن الإنسان يعيش في عالم كبير، ومصيره يرتبط حتماً بمصير الآخرين. رغم أن رؤية باراجانوف للعالم هي رؤية حزينة ممزوجة بروعة الحياة، وبشاعة الموت، رؤية تحتضن كل تناقضات العالم، فنحن لا نستطيع أن نفرق بين الحياة والحب والموت في سينما باراجانوف، الحياة هي الحب وهي الموت أحياناً، والحب هو الموت وهو الحياة أيضاً. فالإنسان لديه يفتح ذراعيه للحياة ليصلب، ذلك هو الإنسان، عملاق، لكنه لا يستطيع أن يتحكم في مصيره المحتوم.
مخاض البدايات
سيرجي باردا جانوف، هو الاسم الأرميني لفنان حمل على كتفيه تراث ثلاثة شعوب: (كل إنسان له وطن واحد وأنا لي ثلاثة أوطان. ولدت في جورجيا عام 1924 من أبوين أرمينيين نازحين من الحروب والغزوات الخارجية، ودرست في روسيا، وعملت في أوكرانيا، وأجهز نفسي لأموت في أرمينيا). (عباقرة السينما العالمية والأرمينية www.aztagarabic.com)
لم توحِ بدايته السينمائية أنه سيصبح أحد أهم السينمائيين في العالم، بعد أن أخرج مجموعة من الأفلام التسجيلية القصيرة التي تناولت حياة فنانين أوكرانيين، قبل أن يرسّخ مع قرينه المخرج الروسي الكبير تاركوفسكي أعراف وتقاليد ما عرف لاحقاً بالسينما الشاعرية. كان باراجانوف بفنه وحياته خارجاً عن المألوف وعن السائد، ومتمرداً على سطوة وأعراف وتقاليد النظام الشمولي، في الاتحاد السوفياتي سابقاً، ومتمرداً على عظمة وقيمة ما قدمته السينما السّوفياتية على مدى سبعين عاماً. وفي العام 1965 وقف العالم مندهشاً، أمام سينمائي عظيم محمل بهموم قبيلته. الفنان والرسّام التشكيلي والعازف الموسيقي، والمهووس بالفولكلور الشعبي لقبيلته. ولطالما وصف النقاد أفلامه بأنها أفلام تغرد خارج قواعد وأحكام التيارات السينمائية العالمية.
تخرج المخرج المتعدد المواهب، من معهد السينما في موسكو، بعد أن أكمل دراسته الموسيقية في معهد كييف للموسيقى، يقول باراجانوف: (عندما انتسبت إلى معهد السينما في موسكو في الخمسينات حلمت بأني سأتمكن من إعانة نفسي، ولكن من يومها وأنا جائع).
رحلة القمع والاضطهاد
عانى المخرج السينمائي سيرجي باراجانوف صنوفاً متعددة من الظلم والاضطهاد والاعتقال، من طرف السلطات التي كانت تحكم الاتحاد السوفياتي السابق، تحت ذرائع متعددة قدمتها السلطات لتبرير انتهاك حقوق هذا الفنان المتمرد، منها تهمة التحريض على النزعة القومية. لقد رأت السلطات الرسمية بأن ظلال الأجداد المنسيين أو (جياد النار)، وجميع الأفلام التي قدمها؛ تدعو إلى إثارة النزعة القومية، وهي تهمة ترقى إلى تهمة الخيانة العظمى. وبموجبها تمت مصادرة جميع أفلامه، ومنعه من العمل السينمائي مدة 15 سنة. وفي خطاب له إلى المخرج الروسي الشهير تاركوفسكي يقول: (إنك صديق عظيم، ولكن ينقصك شيء في فنك، هو عدم قضائك سنة على الأقل في سجن سوفياتي، فهناك وسط الظلام، عندما تكون جائعاً والقمل يسرح في جسدك، ويمتص الباعوض دمك؛ ستفكر في العالم بشكل مختلف، تفكر في الشمس، والحياة والحرية، ويصبح لكل شيء قيمته).
تحت ظلال الأجداد المنسيين
الموت تحت ظلال الأجداد المنسيين، التحفة الفنية التي نبهت عشاق السينما ونقادها إلى موهبة باراجانوف الإخراجية. فلقد استوحى حلمه الكبير من الأساطير الشعبية، وكان الشعر والموسيقى والرقص هاجسه، واستطاع أن يصنع عملاً فنياً عظيماً، أهله ليكون أحد أهم الفنانين في تاريخ السينما العالمية، إنه عمل عن الإنسان الذي يحب الحياة، ويتوجس من الموت المحتوم. (إنني غالباً، ما أحس أن أرواح أجدادي تزورني كي تؤنبني، وتطلب مني أموراً من الأجدر أن تطلبها من السلطة). لقد أدهش باراجانوف بأسلوبه المبتكر الذي تميز بتوظيف أشكال ووجوه وملابس وألوان ورسومات وخطوط ودمى وأقنعة، في تكوينات تشكيلية، في بناء درامي ينأى عن السرد السينمائي التقليدي. اعتبر فيلمه الموت تحت ظلال الأجداد المنسيين، من أجمل أفلامه على الإطلاق، وأكثرها قدرة على تبوؤ مكانة لائقة ضمن كلاسيكيات السينما العالمية. الفيلم الذي توقف عنده كبار النقاد وصناع السينما في العالم، وأجمعوا بأن سيرجي باراجانوف مخرج يرقى إلى قامة السينمائيين الكبار؛ لأن فيلمه الكبير، قدم ابتكارات جمالية وتشكيلية درامية على مستوى اللغة السينمائية و اللغة الشعرية.
بين لغة الشعر ولغة السينما
لقد أكد باراجانوف على قوة لغته الشعرية والبصرية، ورؤيته العميقة لأحداث التاريخ، دون الالتزام بشروط الواقع، وتفجير الطاقة البصرية، وتطوير قدرات التشخيص للممثلين، في لقطات ومشاهد تأخذ فيها الصورة إيقاع السرد السلس، والإيقاع الهادئ. وهي سمات نمط السينما الشاعرية، التي ينتمي إليها المخرج الشاعر. لقد حالف الحظ باراجانوف في الخلط بين القصيدة الشعرية بلغة الأدب، والقصيدة الشعرية بلغة السينما، فحاول أن تكون اللقطة السينمائية، بمثابة بيت شعري، من حيث دوره في بناء القصيدة، ومن حيث دور اللقطة في التعبير عن المعنى، بما تحتويه من عناصر دلالية متعددة، فوظف اللون والحركة، ولغة الفلكلور والمصوغات الحرفية والملابس والسجاد والمفروشات والألعاب والأغاني الشعبية، لاكتساب هذه العناصر الرمزية الحضارية بشكل يدعو إلى الدهشة (لويذي جانيتي، فهم السينما، ترجمة جعفر علي، دار الرشيد للنشر، بغداد1981 ص49)؛ لأن هذه العناصر، تكوّن السمات المادية المحسوسة للغة الشعوب.
كما استخدم باراجانوف الألوان كقيمة درامية في السينما. فلا يمكن اعتبار فيلم ظلال الأجداد المنسيين بدون الألوان التي جعلته يتجاوز الواقع، ويقدم الخيول النارية، التي تنطلق من النار والدم لتصعد إلى السماء. الألوان تجسيد للواقع الذي لم يكن ليتحقق لولا قوة ودرامية الألوان القرمزية، ألوان الطبيعة والبيوت، والملابس الشعبية. إنه الانتماء المطلق للسينمائي الوفي للفلكلور الشعبي، وتجاوز جريء لقوة الألوان في الواقع، إلى الخيول الحمراء والملائكة الصغار البيض. والألوان في الفيلم ليست الأحمر والأزرق والأصفر والأبيض والأسود؛ بل هي ألوان الماضي وألوان الحياة والطبيعة وألوان الموت. وهذا التناغم الحاد في استخدام الألوان لغة بلاغية درامية في الفيلم السينمائي؛ قابله تناغم آخر في أحجام اللقطات المختلفة والقطع، لتكون وسيلة انتقال بين لقطة وأخرى، باستخدام المونتاج المتوازي. وبنفس القدر الذي يتفاعل فيه البناء الدرامي مع البناء البصري؛ يتفاعل البناء الصوري بدوره بالبناء الصوتي، إذ يعتبر البناء الصوتي هو العنصر الأساس الذي تجاوز به باراجانوف الواقع بعد الألوان، واعتبر البناء الصوتي في فيلم ظلال الأجداد المنسيين عنصراً من عناصر التأليف والسرد؛ لأن البناء الصوتي في السينما هو بناء يعمق معنى الفيلم، ويساهم في ترابط بنائه الإيقاعي، وخلق تآلف أوكسترالي جديد بين الصورة البصرية والصورة الصوتية (مارسيل مارتن، اللغة السينمائية والكتابة بالصورة، ترجمة فريد المزاوي، سلسلة الفن السابع، دمشق 2009، ص105). إن شريط الصوت من شعر وموسيقي وغناء ورقص هي أوبرا كاملة ترافق الإنسان في حياته، من المهد إلى اللحد، في تجربة فنية صادقة وعميقة.
العودة إلى الوطن الأم
توفي المخرج سيرجي باراجانوف بعد صراع طويل مع المرض عام 1990. وبدعم من السلطات الأرمينية التي كانت قد خصصت منزلاً بالعاصمة بريفان لإقامة المخرج العائد إلى أرض الوطن. وبعد رحيله قبل العودة، قام العديد من طلاب ومعارف وأصدقاء الراحل بتحويل المنزل إلى متحف، يجمع متعلقاته وأشرطته السينمائية، وصوراً من أعماله و جوائزه. كما عمدت السلطات الرسمية في أرمينيا إلى إصدار طوابع بريدية تحمل صوره، احتفالاً وتكريماً لاهتمامه بالدفاع عن الموروث الشعبي. ودفن في مقبرة العظماء في أرمينيا، حضر جنازته عشرات الآلاف من عشاق السينما. ونعى رحيل السينمائي الشاعر عمالقة السينما العالمية: مورافيا، غويرا، أنطونيوني، بير لوتشي، وبيلوكيو. وبرحيله فقدت السينما العالمية أحد سحرتها الكبار.

ذو صلة
التعليقات