مجلة شهرية - العدد (535)  | أبريل 2021 م- شعبان 1442 هـ

ما نتعلمه من مملكة الحيوان عن التباعد الاجتماعي

دخل الوباء بعمق في موجته الثانية، وعلى نحو أشبه بكابوس مُعاد من الربيع الماضي؛ صارت المستشفيات عرضة تجاوز سعتها الاستيعابية، والوضع الصحي يجبر السّاسة على التحرك، والاقتصاد عرضة لخطر الانهيار. وبالطبع عانى البشر من هذا كله من قبل على مر القرون، لكنه يبدو أيضاً أشبه كثيراً بما تكيّف عليه عالم الحيوان إلى الأبد. فهيا نعود بأنظارنا إلى الوراء، في مكان آخر من الطبيعة، لنرى إلى أين نحن ذاهبون؟
كما كان الحال في مارس الماضي، في فرنسا كما في غيرها من الأماكن، اتُّخذت تدابير استثنائية تعوق حريتنا. فالإغلاق الربيعي تبعه حظر تجوال في الخريف، وبعد ذلك وبدءاً من 30 أكتوبر، فُرض إغلاق آخر وإنْ أخف وطأة نوعاً ما. أثارت هذه الخطوات انتقادات ممن هم في مقدمة ضحاياها: أصحاب المطاعم وأصحاب الصالات الرياضية وعالم الترفيه والحياة الليلية. لكن التقاعس عن العمل لم يكن خياراً مطروحاً، بل كانت الحكومة ستواجه ردة فعل أكبر من هذه لو آثرت ألا تفعل شيئاً.
لا توجد ألف طريقة وطريقة لوقف انتشار الفيروس. أولاً: يجب أن تكون التفاعلات الجسدية بين الأفراد محدودة، وذلك دون انتظار العلم لكي يخبرنا اليقين. وهذا ليس بالشيء الجديد، ففي 1377 اتخذ ميناء راغوزا إجراءً غير مسبوق بفرضه على السفن الوافدة فترة انتظار قوامها 30 يوماً لضمان عدم إصابة أي من أفراد طواقمها بالطاعون، ومُددّت هذه المهلة إلى 40 يوماً فيما يخص المسافرين القادمين عن طريق البر.
يقول الكاتب الصحفي الفرنسي جان مارك فيتوري، في مقال له نشرته صحيفة (ليزيكو الفرنسية): لم يكن هذا (الحجر الصحي) مستنداً إلى أي ملاحظة ملموسة، واستمد جذوره -على أحسن الفروض- من إشارات وردت في الكتاب المقدس كالطوفان. لكن هناك إجماعاً بين الأطباء في يومنا هذا على فعالية فترات العزل في مكافحة الأوبئة، حيث يبدو أن المساحات المغلقة هي البيئة المفضلة للفيروسات. وعلى الرغم من عدم وجود أرقام محددة تؤكد ذلك حتى الآن، فإن عمليات المحاكاة المثيرة للإعجاب تبيّن لنا بالفعل كيف ينتشر الفيروس داخل الغرفة عندما يسعل أحدهم. كما أظهرت حالة غير مؤكدة في مطعم مكيف بمنطقة جوانزو الصينية أيضاً مسارات التلوث.
لذا فمن المنطقي أن نحد أولاً من السعة الاستيعابية للأماكن المغلقة، خصوصاً في الأحوال التي لا يرتدي فيها الحضور أقنعة واقية (كما في الحانات والمطاعم والصالات الرياضية)، أو يكونون متقاربين من بعضهم البعض (كما في الحفلات بجميع أنواعها والملاهي الليلية وقاعات الحفلات الموسيقية والمسارح).
(يبدو أن المساحات المغلقة هي البيئة المفضلة لكي تضربها الفيروسات).
مرة أخرى نقول إن هذا حدث من قبل، فلو عدنا بالتاريخ إلى العصور الوسطى، سنجد المدن تغلق بالفعل أبواب أماكنها المغلقة على أمل الحد من انتشار الشر. ففي أوروبا أثناء الطاعون الدبلي الفتاك في منتصف القرن الرابع عشر، عمد الملك يوحنا الثاني ملك فرنسا إلى إغلاق الحمامات العامة. وفي مطلع القرن السابع عشر عندما عاد الطاعون إلى لندن، أغلقت غالبية المسارح أبوابها. بل فُرضت قاعدة قضت بأن يكون الإغلاق إلزامياً بمجرد أن يتجاوز عدد الوفيات الناجمة عن الطاعون 30 حالة في الأسبوع.
رسم طباشيري من سنة 1848 يصور طاعون لندن العظيم
في ذلك الوقت، كان هناك شخص يدعى شكسبير ينتظر على مضض، ففي عام 1606، كانت فرقته المسرحية لا تكاد تستطيع أداء أي عروض، وهكذا اغتنم الفرصة لتأليف مسرحيات جديدة (الملك لير وماكبث وأنطونيو وكليوباترا كلها ألفها شكسبير في ذلك العام). كان الكاتب المسرحي يعلم أن المرض ينتقل من شخص لآخر، وأنه لا بد من توخي الحذر. ففي مسرحية هنري الرابع، يقول فولستاف Falstaff بنبرة ساخرة: (لا جدال في أن المرء يتأثر بمن حوله، فالحكمة والجهالة كلتاهما معدية للخلطاء كما يعدي المرض سواء بسواء. ولذلك فليُحسن الناس تخيّر صحبتهم).
إستراتيجيات البقاء
أما الحيوانات، من جانبها، فلا تحتاج إلى مثل هذه النصائح لكي تتوخى الحذر، حيث تجدها في أزمنة الأوبئة تمارس التباعد الاجتماعي أو الجسدي غريزياً. وهي تفعل ذلك حفاظاً على الأنواع، ولكي تستطيع الاستمرار في الإنتاج على الرغم من الأوضاع المحيطة، وذلك كما تبيّن لنا دراسة رائعة نشرها أخصائيو سلوك الحيوانات فاليريا رومانو Valéria Romano وأندرو ماكنتوش Andrew MacIntosh وسيدريك سوير Cédric Sueur في المجلة العلمية (اتجاهات في الإيكولوجيا والتطور) Trends in Ecology ، Evolution.
وفي بعض الحالات يقوم المجتمع بعزل المرضى، حيث أثبت فريق من الباحثين الفرنسيين أن قردة الماندريل (نوع من القردة قريب من البابون) تستخدم حاستها الشمية لمعرفة أي من أقرانها مصاب بالطفيليات، فتقلل الوقت الذي تقضيه في تنظيفها تفادياً للإصابة بمرضها.
وعلى بعد أميال من هناك، وتحديداً في مياه البحر الكاريبي، لاحظ فريق أمريكي أن نوعاً من الكركند (يستطيع التعرف على الأفراد المصابين بمرض ما، قبل أن تصبح حالتهم معدية، وبتجنبهم يمكنهم الحد من انتشار المرض). وهي تتجنب على وجه التحديد الاستقرار في وكر حيوان مريض. وهناك نوع من أسماك المياه العذبة الاستوائية يتصرف بالمثل، وهو سمكة الجوبي.
هل غسلت هذه المخالب؟
وفي حالات أخرى، تلجأ الحيوانات المريضة إلى عزل نفسها، حيث أثبت فريق في سويسرا يعكف على دراسة الفئران أن (الحيوانات المصابة تحدّ من تحركاتها، بحساب عدد مرات دخولها وكرها وخروجها منه). أما نظراؤها الأصحاء، الذين يدركون مرضها، فلا يترددون مع ذلك في الاقتراب منها.
ثم هناك النمل، الذي يُبدي استجابة معقدة للغاية للتعامل مع تفشي المرض، حيث وجد الباحثون أن الأمر لا يقف عند إقدام من يتعرضون لأحد مسببات المرض من الأفراد الباحثين عن المؤن على عزل أنفسهم، بل يقوم الباحثون عن المؤن الآخرون أيضاً بتقليص الوقت الذي يقضونه مع سائر أفراد المستعمرة. وتقلل مثل هذه الاستجابات السلوكية الناجمة عن المرض من مقدار الاتصال الاجتماعي، وبالتالي تحد من انتقال المرض.
في بعض الحالات يقوم المجتمع بعزل المرضى
الإنسان بالطبع ليس حيواناً، أو بالأحرى حيوان لكنه حُبي بأدوات أقوى بكثير مما حُبي بها غيره، ويستطيع الاستجابة لتفشي المرض باستخدام الأدوية المتطورة ثم اللقاحات. لكن دعونا نواجه الحقائق، فلو كان الأطباء يعرفون كيف يعالجون مرضى فيروس كورونا المستجد بشكل أفضل مما كانوا عليه قبل ستة أشهر من الآن؛ فإن علاجاتهم أبعد ما يمكن عن أن تكون فعّالة بما يكفي.
وهناك لقاحات بدأ إجراء اختبارات عليها، لكن ما يزال هناك الكثير من الأسئلة التي لا تجد لها إجابة حول المناعة ضد الفيروس، وبالتالي حول فعالية أي لقاح. ومتى صار اللقاح جاهزاً في نهاية المطاف، سيتعين علينا تصنيع مليارات الجرعات ثم شحنها. وأحد اللقاحات التي يجري اختبارها حالياً يلزم تخزينه عند درجة حرارة 20 درجة مئوية، وهناك آخر يلزم تخزينه عند 80، ولا توجد في الوقت الحالي لوجستيات طبية قادرة على نقل كميات كبيرة عند درجات الحرارة المنخفضة هذه.
وفيما ننتظر اختفاء الوباء بطريقة أو بأخرى، يجب أن نتعلم كيف نتعايش مع مرض فيروس كورونا المستجد، (مثلما تعلمنا كيف نتعايش مع الإيدز بالضبط)، بحسب رائد الأعمال سيرج ديلواس Serge Delwasse في مقال له بعنوان (التعايش مع كوفيد-19) نشرته صحيفة (ليزيكو الفرنسية). وهذا يعني ارتداء الأقنعة الواقية، والأهم من ذلك كله تقليل تفاعلاتنا الجسدية. وهذا شيء ليس سارّاً للجميع، وبالنسبة للبعض يشكل كارثة اقتصادية، وهؤلاء بحاجة إلى دعم من المجتمع. لكن في الوقت الراهن لا يوجد حل أفضل من هذا

ذو صلة
التعليقات