مجلة شهرية - العدد (535)  | أبريل 2021 م- شعبان 1442 هـ

مسقط في كتابات الرحالة العرب والأجانب

مسقط عاصمة سلطنة عمان، واحدة من أقدم وأشهر المدن العمانية عبر التاريخ، فقد تم بناؤها مع تدفق الهجرات العربية التي سبقت انهيار سد مأرب -الذي تعرض للانهيار التام في عام (542) للميلاد بحسب أكثر المصادر التاريخية- أي أن تاريخ نشأتها يعود إلى ما قبل ظهور الإسلام بعدة قرون.
اختلفت الروايات حول أصل تسمية مسقط، فقد ذكر بعض المؤرخين مسقط باسم (مسكة) بالتاء المربوطة، وهي كلمة عربية تعني قبة منفوخة، والبعض ربط بين الاسم وكلمة المسك، مرجعاً ذلك إلى الطيب الذي اشتهرت به مسقط.
فيما يرجح البعض الآخر تسميتها بمسقط لسقوطها بين سلاسل الجبال، فاسمها العربي (مسقط) إلا أنها في لغة غير العرب (مسكت)، وعندما نقلها العمانيون عنهم سموها (مسكد).
يقول ابن الفقيه الهمذاني (توفي 902م) عن مسقط: (إنها تقع على بعد 200 فرسخ من سيراف، وهي ميناء تبحر منه السفن إلى الهند). فيما ذكر ابن بطوطة أن مسقط اشتهرت بنوع من السمك عرف بقلب الماس.
ويذكر الحميري (توفي 8هـ/14م) في كتابه الروض المعطار في خبر الأقطار أن مسقط (تقع في طريق عمان على البحر ويمر عليها من أراد بلاد الهند والصين. فيسير مع الشمال تلقاء الجنوب حتى يصل إلى مسقط، وتقع هذه المدينة بين جبلين وترسو فيها السفن حيث تسقي من آبارها العذبة، وتحمل تلك السفن الحجارة من مسقط لرمي العدو إذا خرج عليها، وتبعد مسقط عن شحر وحضرموت مسافة 90 فرسخاً).
وكتب البحار الشهير (أحمد بن ماجد) عن مسقط قائلاً: (إنها ميناء شهير لا مثيل له في العالم، وفيه أمور وأشياء لا يجدها المرء في أي مكان آخر، وفي رأس الميناء صخرة عالية يراها القاصي والداني، ويهتدي بها المسافر أينما كان، ويستطيع أن يراها المسافر إلى الهند أو السند أو هرمز أو مكران أو الغرب). ويضيف ابن ماجد: (إن مسقط هي الميناء الأول لعمان، وتأتي إليه السفن وتتمون فيه، وفي مسقط تباع الأقمشة والخضروات والزيوت والحبوب، ثم إن السفن حين تقصد مسقط تكون في مكان آمن من كل ريح، وفي مسقط المياه العذبة، وسكانها كرام لطفاء يحبون الغرباء).
وفي كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم يذكر (المقدسي)، بأنها أي مسقط أول من يستقبل المراكب اليمنية، وهي موضع حَسن كثير الفواكه، وهذا يدل أن مسقط تعد مكاناً للاستيطان منذ أقدم الحضارات الإنسانية، حيث إنَّ الموقع الإستراتيجي بطبيعته ساعد على تكوين حضارة عريقة.
في عام 1507م شن البرتغاليون غارات على سواحل الخليج العربي، وبخاصة عُمان التي كانت تشكل أكبر قوة عربية في الخليج العربي. وقد استطاع البوكيرك كقائد الحملة البرتغالية- أن يدمر السفن العمانية الراسية في الموانئ، حيث هاجم ميناء قلهات وقلعتها، وتوجه بعد ذلك إلى قريات فأبادها وقتل أهلها ودمر نحو 83 سفينة كانت راسية بمينائها، ثم هاجم مسقط وخربها بعد أن كانت مزدهرة.
وكتب (البوكيرك) عن مسقط يقول: (إن مسقط مدينة ضخمة آهلة بالسكان تطل على البحر وتحيط بها من كل جانب جبال عالية وفيها بساتين وحدائق ومزارع للنخيل وبرك من الماء لريها بواسطة محركات خشبية، كانت مسقط في الآونة الأخيرة سوقاً لنقل الخيول والتمور. وهي مدينة على درجة كبيرة من الأناقة والجمال، ومنازلها بديعة جداً، تمون من المناطق الداخلية بكميات كبيرة من القمح والذرة والشعير والتمور، تكفي لتحميل كل السفن التي تأتي لابتياعها).
وفي عام 1624م قامت دولة اليعاربة في عُمان على يد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، ونجح الإمام في توحيد عمان تحت رايته وتحرير جميع المدن العمانية من قبضة البرتغاليين باستثناء مسقط ومطرح، حيث وافته المنية في سنة 1649م.
وأثناء عهد الإمام ناصر بن مرشد زار مسقط (السير توماس هير بيرت)، ويبدو أنه أول الرحالة البريطانيين الذين زاروا عمان. حيث توقف في مسقط في طريق عودته من بلاد فارس في عام 1627م، وذكر أنها كانت تحت الاحتلال البرتغالي آنذاك، وقد بدت له المدينة صعبة المنال لأنها كانت محصنة بالجبال والقلاع.
وزار مسقط أيضاً في تلك الفترة التاجر والرحالة الفرنسي (جان باتيست تافرنيي)، وذلك في سنة 1636م، وقد وصف مسقط بأنها (أروع مدينة في بلاد العرب السعيدة. وينتج بها كل ما يلزم الإنسان، خصوصاً أجود أنواع الفواكه، ناهيك عن عنبها الرائع).
كما أبدى (تافرنيي) اندهاشه من رؤية لؤلؤة عجيبة يمتلكها حاكم مسقط في ذلك الوقت، ووصفها قائلاً: (يمتلك أمير مسقط أجمل لؤلؤة في العالم، ليس بسبب حجمها لأنها تزن فقط حوالي اثني عشر قيراطاً، ولا لاستدارتها الرائعة، ولكن لأنها نقية وشفافة إلى الحد الذي يمكن للمرء أن يرى الضوء خلالها).
وبعد وفاة ناصر بن مرشد بويع ابن عمه سلطان بن سيف الأول بالإمامة، وكان تحرير مسقط ومطرح وطرد البرتغاليين من عمان الشغل الشاغل للإمام الجديد. وقد تحقق هذا الحلم في يناير عام 1650م، عندما استطاع أهل عمان تحرير مسقط وطرد الغزاة نهائياً من البلاد.
يقول ابن رزيق: (إن الإمام سلطان بن سيف لما توفي ابن عمه وخلصت له الإمامة لم يلبث إلا أياماً معدودة ثم أسرع الوثبة لحرب النصارى الذين في يدهم زمام بلدة مسقط ومطرح وهم المسمون (البرتكيس) أي البرتغاليون).
وتحدث (ويندل فيليبس) عن معركة مسقط قائلاً: (أحاط البرتغاليون بالعرب (العمانيين) من قلاعهم فوق الجبال، وأمطروهم بالكثير من القذائف الكبيرة، ولكن العرب لم ينظروا خلفهم قط، أو يهتموا بالأعداد الضخمة من رفاقهم الذين لقوا حتفهم، بل تسلقوا الأسوار فوق جثث قتلاهم).
أدى هذا الانتصار التاريخي إلى تحرير مسقط وإنهاء الاحتلال البرتغالي لعمان الذي دام حوالي قرن ونيف، ومكّن عُمان من فرض سيادتها البحرية على الخليج العربي والمحيط الهندي لسنوات عديدة.
استمرت مسقط في الازدهار في عهد اليعاربة ثم في عهد الدولة البوسعيدية، وقد اتخذ مؤسسها الإمام أحمد بن سعيد من الرستاق عاصمة له، حتى عهد حفيده حمد بن سعيد (1779-1792م) الذي نقل العاصمة من الرستاق إلى مسقط. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت مسقط عاصمة عمان وواجهتها إلى يومنا الحاضر.
ويذكر الإنجليزي (بارسونز) الذي زار مسقط في عهد الإمام أحمد بن سعيد، تحديداً في عام 1750م؛ أن مسقط (مدينة تجارية مهمة جداً، فيها عدد كبير من المراكب تتاجر مع سورات وبومباي وجوا في الهند ومخا وجدة المطلتين على البحر الأحمر. ومسقط المستودع الكبير لمعظم السلع التي تأتي إليها من تلك الأقطار).
وفي عام 1770م زار مسقط (دي باجيس) من البحرية الفرنسية، وقد وثق في كتاباته الانتعاش التجاري الذي شهده ميناء مسقط في عهد أحمد بن سعيد، حيث قال: (تكثر السفن في هذا الميناء، إذ ترسو فيه سفن كبيرة من كل مناطق الهند، وخصوصاً تلك التي تقوم بالتجارة بين السواحل من القطيف إلى سيلان).
وفي مطلع القرن (19م) زار مسقط الرحالة الإيطالي (فينزو نزو)، ومما ذكره عن مسقط: (الفواكه والخضروات متوافرة بها، ومنها التمور والبرتقال والليمون، وكذلك تتوافر لحوم الماشية والدواجن، وتباع بأرخص الأسعار، عدا أن البحر يزودها يومياً بأطنان من الأسماك، ولشدة الحر في مسقط فإن السلطان وعلية القوم، يخرجون إلى بركاء خلال شهري يونيو ويوليو حيث يكون الجو فيهما ألطف).
كما زار مسقط في سنة 1816م الصحفي والأديب والبرلماني الإنجليزي (جيمس سيلك بكنجهام)، وقد عبر عن إعجابه بقيم التسامح لدى العمانيين، حيث قال: (من الخصائص العظيمة والمميزة لمسقط عن كل بلاد العرب هو ما يبديه سكانها بكل مراتبهم إلى الأوروبيين من احترام ولطف، هنا يمكن للغريب أن يذهب حراً حيث يريد).
وفي شهر يوليو سنة 1821م توقف في مسقط الرحالة الأسكتلندي (جيمس بالي فريزر)، ووصف ليالي مسقط بأنها كانت خانقة من شدة الحر، كما أبدى إعجابه بجودة أسماكها، حيث قال: (لا أعرف نظيراً لمسقط في وفرة وامتياز سمكها).
وزار مسقط عام 1835م الرحالة الإنجليزي (جيمس ريموند ويلستد)، وقال عنها: (تبدو مسقط للناظر إليها من بعيد، مثلها مثل كافة المدن الشرقية الأخرى، فأول ما تقع عليه العين قباب المساجد بمآذنها العالية، والسقوف المسطّحة للمنازل، ولكن ما إن يرسو المركب بالمسافر إلى مسقط حتى تتكشف الحقائق أمام العيان، وتتبدد الأوهام، نرى في مسقط الشوارع الضيقة وهي تعجّ بمن فيها من خلق، وتكتظّ بما فيها من بازارات).
وأضاف ويلستد: (لمسقط مكانة عظيمة بين المدن الشرقية، ليس لكونها مخزناً كبيراً للمتاجر الكبيرة بين شبه الجزيرة العربية والهند وفارس فحسب؛ ولكن لكونها أيضاً ميناء عمان وسوقها الذي تفد إليه).
وفي بداية القرن العشرين، وصف موظف الحكومة البريطانية في الهند (ج.ج. لوريمر) مسقط قائلاً: (إن عمق خليج مسقط يبلغ حوالي 1200م واتساعه 800م، وهو يفتح إلى الشمال الغربي. جانبه الغربي رأس صخرية يبلغ ارتفاعها 435 متراً تنتهي من جهة البحر بنقطة تسمى (رأس كلبوه)، والجانب الشرقي من الخليج يمثل جزيرة مسقط وطولها 1200م وارتفاعها 350م. وشواطئ هذه الجزيرة خلجان شديدة الانحدار تنتهي من جهة البحر بما يعرف برأس مسقط، وبين الطرف الجنوبي من جزيرة مسقط واليابسة جزيرة صخرية صغيرة يبلغ ارتفاعها 100 متر. ونهاية خليج مسقط عبارة عن شاطئ رملي ينتهي عند طرفيه بربوة صخرية تقوم عليها قلعة. وجانب جزيرة مسقط المقابل للميناء مغطى بأسماء سفن أوروبية من جنسيات مختلفة).
فيما يصف (تيودور بنت) في كتابه جنوب الجزيرة العربية (طبعة لندن 1900م) مسقط قائلاً: (تشتهر مسقط بأنها أهم موانئ تصدير البلح إلى الخارج. وتوجد بها بعض المعالم المعمارية، ويرى الزائر العديد من الأبواب الخشبية المحفورة بالنقوش الفنية الجميلة إلى جانب المساجد ذات المنارات الشاهقة. ويزدحم الميناء بقوارب ملونة عديدة وبرجال الصيد الذين يلوحون لك بمجاديفهم، وفيها حدائق غناء، والمنظر في ضاحية سداب يعتبر من المناظر الأخاذة النادرة، والطريق إلى مطرح يسير من خلال الجبال).
كما يصف (تيودور بنت) بعض الأنشطة التجارية التي يمارسها سكان مسقط: (يمارس المواطنون نشاطهم في الأسواق، فيعرضون أصنافاً من الخناجر المحلاة بالفضة، كما تعرض جلود أسماك القرش).
أما الفرنسي (بيار لوتي) من الأكاديمية الفرنسية والذي زار مسقط عام 1900م، فقد قال عنها: (المدينة التي تبدو من بعيد بيضاء كانت فصلاً من الشوارع الصغيرة المغطاة، حيث كان يخيم شبه ظلام تحت تسقيفات منخفضة في الداخل).
وفي كتابه رحلة طبيب في الجزيرة العربية؛ يذكر الطبيب (هاريسون) عن ميناء مسقط ما يلي: (سبب كثرة السكان في مسقط هو الميناء، وأن أهالي البلد شعروا بفخر حين أعلمهم نائب ملك بريطانيا في الهند اللورد كورزون أثناء زيارته لبلدهم سنة 1903م أن لديهم أروع ميناء في الشرق الأوسط).
يتضح لنا مما سبق أن مدينة مسقط قد حظيت منذ القدم باهتمام الرحالة العرب والأجانب على حد سواء، لذلك حرصوا على زيارتها أو التوقف بها خلال رحلاتهم إلى المنطقة، وقد وثق هؤلاء الرحالة في مذكراتهم أحوال مسقط من مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما ساهم في تأريخ ذاكرة المدنية عبر الحقب الزمنية المختلفة.

ذو صلة
التعليقات