مجلة شهرية - العدد (535)  | أبريل 2021 م- شعبان 1442 هـ

حائل.. الفصل الفريد في رِحلة داوتي*

إن التوغل في أنحاء الجزيرة العربية، والولوج إلى صحاريها، والتهدّي في أحقافها ليس بالأمر السهل أبداً، فسباسبها، ورمالها، وجبالها، وندرة مياهها، والأمن الذي يضعف ويقوى تبعاً للحالة السياسية المضطربة من وقت لآخر، يشكل خطراً لا يمكن مجابهته، وهو أمرٌ أعيا العربي الأول، فكابد في ذلك المصاعب، وتحمَّلَ اللأواء، وضاع في مجاهلها، وعالج الحر والقرَّ، فأعيته الهجير والرَّمضاء حتى قال:
ويوم من الشِّعرى يذوبُ لُعابُهُ
أفاعِيهِ في رمضائِه تَتَملمَلُ
وإذا كان هذا الوصف يخرج من فيّ (الشنفرى) الصعلوك الأزديّ الذي خبَر أرض الجزيرة، وعشق الصحراء، فكيف بالإنجليزي (تشارلز مونتيجو داوتي) ذي البشرة البيضاء والشعر الأشقر، والسحنة المختلفة؟
لقد كسر (داوتي) أفق التوقع لما تحلى به من شجاعة، وإلمام بتاريخ الجزيرة، وتفرعات قبائلها، وعادات أهلها، والمقدرة على التعايش معهم، وتحمل ما يواجهه في تنقلاته من أهوال، ومخاطر، ولذلك عدَّه الرحالة وروَّاد الجزيرة العربية إماماً لهم وعدُّوا كتابه سِفراً عظيماً ودليلاً للرواد من بعده، وعلى علو كعبه، وما تفرَّدت به شخصيته فإنه يؤخذ عليه، وعلى كتابه فقدان الموضوعية في بعض تدويناته، وذلك عائدٌ لعنصريته الدينية والعرقية التي يعتذر عنها بقوله: (إنها رؤية رجل جوعان وإن شئت فقل رجل شديد الإعياء).
ولنبدأ مع (داوتي) في مزيرب حيث لبس (داوتي) ملابسه العربية، واعتمر كوفيته، وخبأ في ملابسه ثلاثة عشر جنيهاً، ومسدساً صغيراً، أخفاه تحت ملابسه، وأخذ بندقيته وحقيبة صغيرة جعل فيها دفترين لتدوين ملاحظاته، وميزان حرارة صغير، وصندوقاً للأدوية، ليتظاهر بأنه طبيب كعادة الرحالة الذين يتعلمون مهنة الطبابة، ليسهل لهم اختراق الجزيرة العربية، واتقاء بعض المخاطر وأطلق على نفسه لقب (خليل) ثم أطلق عقال ناقته، ودفعها نحو مجاهل الجزيرة العربية متحدياً كل الصعاب والأهوال.
وفي اليوم 26 من شهر شوال في السنة 1293 للهجرة، الموافق لليوم 13 من نوفمبر لعام 1876م، يمَّم (داوتي) راحلته شطر الجنوب مرافقاً لحملة حج قوامها ستة آلاف حاج، يحرسها ثلاث مئة ما بين فارس وجندي، يجرون معهم مدفعين، ويصطحبون عشرة آلاف بعير، وبعض الأحصنة والحمير في قافلة عظيمة يبلغ طولها قرابة ميلين، وذلك بمقابل مادي، شريطة إنزاله عند مدائن صالح لينفصل (داوتي) عن الحملة، وتكمل هي طريقها نحو البيت الحرام.
عزم (داوتي) على استكشاف مدائن صالح، ونسخ نقوشها، والتعرف على آثارها وتسنى له ذلك عندما أنزلته القافلة عندها منتقلاً بعد ذلك إلى العُلا التي أقام في ضيافة أهلها وأميرها، ثم انتقل بعد ذلك مع البادية من عنزة وغيرها، وعاش حياة البادية حتى وصوله معهم في تنقلاتهم إلى الجوف.
قرر (داوتي) بعد مدة قضاها بين العلا والجوف، وبين ظهراني البدو، إذ شاركهم في تنقلاتهم وسنحت له زيارة حائل، ولقاء أميرها محمد العبدالله الرشيد، وكان معه من الوقت ما يساعده على استكشاف حائل التي تعاظمت وأصبحت عاصمة نجد، ومقر الحكومة بعد خلاف أبناء الإمام فيصل بن تركي بالرياض وسقوط دولتهم.
وفي مُوْقَق التي لا تبعد كثيراً عن حائل أناخ ناقته، ورمى عصا التسيار، ليرتاح فيها بعد أن بلغ منه الجهد والتعب مبلغاً عظيماً بعد سنة كاملة من الترحال المضني والشاق، فكانت مُوْقَق مستراحاً لـ(داوتي)، فأقام بها محاطاً بلطف أهلها وكرمهم المعهود، وأبدل فيها ملابسه الرثة، وأطلق عقال بعيره متهيئاً للقاء الأمير في حائل، الذي آنس عنده الراحة التامة.
اخترق (داوتي) ببعيره سلسلة جبال أجا عبر (ريع السلف) المفضي على سهال حايل وبطحائها الحمراء، وما إن ترك أجا خلفه حتى تبدت له قُفَار التي تشابكت نخيلها، وتبدَّت كالدوحة الغناء للرائي من بعيد جاعلة (داوتي) يجدُّ في مشيه، ممتّعاً حواسه، مبتهجاً بقربه الشديد من حائل.
أناخ داوتي راحلته في مناخة قُفَار التي ينيخ فيها الغرباء رِكابهم، ليدعوهم الأهالي الذين فُطروا على دعوة الغريب، وإيناسه، وبذل ما في أيديهم له، و(داوتي) لم يكن بدعاً من أولئك الأضياف، فقبل دعوة أحدهم للعشاء والمبيت، مقرراً خروجه من قُفَار فجراً، ليتسنى له الإفطار في قصر الضيافة بحائل، وعند خروج (داوتي) من قفار أثارت فضوله البيوت المهجورة، والنخيل الهامدة، والقصور الخرِبَة، فسأل عن سبب هذا الدمار، فأخبره الأهالي بأن السبب هو موت كثير من الناس بسبب الطاعون (حمى قُفَار) التي اكتسحت قفار قبل سبع سنوات من مجيئه.
كان الطريق من قُفَار إلى حائل مليئاً بالناس القادمين من حائل وغالبيتهم من النساء والأطفال الذين لا تهدأ أعينهم من التحديق في وجه هذا القادم الغريب، وهذا ما يثير تعجب (داوتي) يعتقد جازماً أن ملامحه وملابسه تجعل من يراه يظن بأنه من قبيلة شمر! -وهو الذي رمى حذاءه قبل سنة، وتبدلت ملامحه الأوروبية من سموم الصحراء، ولهيبها الحارق- إلا أن هذا الاعتقاد تبدد في لحظة لمَّا سمع امرأة بالقرب من سور حائل تحمد ربها أن لم يصبها البرص كما أصاب (داوتي)!
لمح (داوتي) على مشارف حائل فارسان يثيران الغبار خلفهما، والأرض تُطوى تحتهما، وملابسهما الفضفاضة تتطاير بفعل الهواء، الأمر الذي أصابه ومرافقه (نصر) بالوجل الشديد منهما لمعرفة (داوتي) ببطش وجبروت أمير حائل القوي محمد الرشيد، الذي أرعب البوادي، ونشر العدل بشدة، فلمَّا وصل الرجلان استفسرا عن سبب مجيء (داوتي) ومرافقه وعمَّا يحملانه من أغراض شخصية ثم عادا أدراجهما لحائل.
دخل (داوتي) حائل التي تعدُّ واسطة عقد رحلته بعد سنة وأكثر من تنقله من بوابة القادمين من قفار، التي بنى البدو بيوتهم حولها، وغالبيتهم من شمر، ويعملون على رعاية ماشية أهل حائل بأجرة. وعندها نزل (داوتي) عن بعيره، وواصل السَّير على قدميه ممسكاً خطامه مخترقاً حائل من الشارع العام الذي تصطف على جنباته الدكاكين مفضياً على المجلس العام (المسحب) الذي يضفي عليه ظلال سور برزان الضخم الذي قال عنه (داوتي) بأنه يشبه طراز قصور الإمبراطوريات الأوروبية.
وصف (داوتي) السوق وصفاً جميلاً نابضاً يعيدك لذلك الزمن الجميل بأسلوبه الأدبي الباذخ، وذكر أنه سوقٌ تصطف على جنباته دكاكين الحرفيين الذين يجعلون من خشب الأثل أواني، ومحاحيل وسروج إبل، والحدادين الذين يصهرون المعادن في أفرانهم ويشكلونها، ثم أصحاب الدكاكين الذين يخرجون بعض بضائعهم لعرضها على البادية أو عرضها في المزاد في وسط السوق الواقع بين الدكاكين المكتظة بالباعة، والمتسوقين والبادية والدلالين الذين تتعالى أصواتهم هنا وهناك، ويدخلون الدكاكين ويخرجون منها طمعاً في بيع بضائعهم بأعلى سعر، بينما بعض أصحاب الدكاكين لا يجدون ما يعرضونه للمتسوقين، فآثروا الجلوس في دكاكينهم الضيقة المظلمة التي لا تعلم أن أصحابها بداخلها إلا بلمعة أعينهم.
تجاوز (داوتي) تلك الدكاكين الى دكاكين بعدها تُعرض فيها الحبوب والأعلاف والحطب، وفي منطقة منخفضة من السوق توجد مظلة من قماش تعرض فيه النساء التمور والقرع العسلي، وما تحتاجه النسوة من أدوات زينة وغيرها، أمَّا نهاية السوق فتوجد فيه مظلة خصصت لفقراء البدو المسافرين، لينيخوا فيها جمالهم ويضعوا فيها ما يحملونه من بضائعهم، ويصل عدد الدكاكين هنالك إلى ما يقارب مئة وثلاثين دكاناً كلها مملوكة وتستأجر من الأمير، أمَّا سوق اللحوم فيقع خارج بوابة السوق، ويبيع القصَّابون اللحوم الطرية بعد شروق الشمس، وينتهي المعروض في نحو ساعة واحدة بعد الشروق.
أطلق (داوتي) بصره يجول في الميدان العام (المسحب) أمام قصر الإمارة، وهو مكان مربع الشكل يقع في جانب منه مكان جلوس الأمير للناس وأهل الحاجات القادمين لقضاء حوائجهم، ليفصل في أمورهم، كما يحتوي المسحب على غرف خصصت لضيوف الأمير للسكن فيها، وتسمى (المخازن) وسكن فيها (داوتي)، ونعتها بأنها زنزانة ضيقة ومظلمة لشدة صغرها، ويحاذي هذه الغرف في الطرف الآخر ولكنه يفصله عن المخازن شارع المسجد الكبير لحائل الدي يمتلئ بالمصلين.
أعجب (داوتي) بقصر الحكم الذي يشبه قصور النبلاء في مبناه، وطابعه، فهو قصر طيني ضخمٌ محاطٌ بسور عالٍ يبلغ سمكه ثمانية أقدام وارتفاعه أربعين قدماً، وله برجا مراقبة ومحصَّنٌ بعدد من المدافع التي لا تتعدى قدرتها تحطيم بعض الأسوار الطينية في البلدان النجدية الأخرى، ويقع مدخل القصر تحت أحد الأبراج وله باب خشبي كبير وثقيل، وفي وسطه باب خوخه صغير يدخل معه الرجل منحنياً ويُغلق الباب ليلاً، ويفضي بالداخل معه إلى قهوة القصر وهي مخصصة لاستقبال ضيوف الأمير، ويُلحق بها قاعة الضيافة المفروشة بالسجاد تسمى المضيف، وتُقدَّم به الوجبات.
ونسترسل مع وصف (داوتي) لتفاصيل المكان، فالقهوة قاعة مبنية من الطين شأنها شأن القصر تتكئ على عدد من الأعمدة سقفها المكون من خشب الأثل المغطى بالخوص المجدول الذي كسب اللون الأسود الفاحم بسبب الدخان المنبعث يومياً من وجار القهوة الذي يوازيه في الجزء العلوي من القاعة وجار كبير يُشعل فيه الحطب لإعداد القهوة في دلال عملاقة، تتسقُ مع جدران القهوة المفروشة بالسجاجيد البغدادية لتعطي منظراً ساحراً يمتزج فيه الكرم والأصالة، والجمال الذي اقتنصته عينا (داوتي).
أما قاعة الضيافة فهي قاعة مربعة الشكل مفروشة بالسجاد، وفي سطحها رواق مشرف يقدم فيها الطعام لخاصة ضيوف الأمير وكبار الشيوخ معه، وأما القاعة السفلية فهي لعامة الناس والبدو القادمين لحائل، وتفتح القهوة أبوابها بعد صلاة الفجر وتقفل حين بدء انعقاد مجلس الأمير العام في ميدان المسحب، ليعود فتحها بعد صلاة المغرب يومياً وتغلق حين يؤذن لصلاة العشاء، ويحصل الضيف فيها عادة على فنجانين مملوئين وثالث للبدوي من قبائل نجد القادمين إلى حائل.
وفي المسحب كل مساء يخرج (مفرج) مسؤول تشريفات القصر لدعوة الناس وجماعات البدو للعشاء في مضيف القصر، حيث يقدم لهم التمن أو الشعير المحيق بالسمن البري، وبانتهاء العشاء العام تصطف النساء والأطفال وفي أيديهم مواعينهم الفارغة للحصول على وجبتهم من بقايا العشاء، ويقدِّر (داوتي) نفقات الضيافة بألف وخمسمئة جنيه إنجليزي سنوياً.
وتطبخ هذه الوجبات في المطبخ، وهو صالة طينية متواضعة داخلها بركة ماء لاستخدامها في الطبخ، ويعمل في المطبخ النساء يرأسهم رجل ومعه صبية لنقل الصواني النحاسية المليئة بالطعام إلى قاعة الضيافة، ويوجد في المطبخ عدد من القدور النحاسية الضخمة لطبخ اللحم وسلق الأرز والشعير.
ويتكون مجلس الأمير من غرفة كبيرة يجلس بها الأمير مع الأشخاص المهمين الذين يدعوهم الأمير للحديث معه، ويطل على المسحب، وله باب حديد يقف عليه عبد حبشي للحراسة، ويصطف على جانبيه رجال مسلحون لحراسة الأمير، وهي غرفة شبه معتمة لايوجد بها إلا نافذة واحدة للتهوية وفرشت بسجادة كبيرة، ووسائد وثيرة للجلوس، وموقد به النار مشتعلة.
وينعقد للأمير مجلسان عامان في اليوم مجلس في الصباح، ومجلس بعد العصر يجلس فيه للعامة وأهل الحاجات، ومجلس الصباح ينعقد بعد شروق الشمس بساعتين في المسحب الذي وضع فيه للأمير مصطبة تحت جدار القصر يجلس عليها ويتحلق الرجال أمامه على شكل حدوة فرس، وهي تشبه محكمة شعبية لشيوخ البادية يجلس الكاتب الذي هو بمثابة السكرتير تحت أقدام الأمير، ويستقبل أحكام الأمير التي تصدر صدوراً فورياً، ويستقبل الشكاوى والأمير يبتُّ فيها فوراً، وأما مجلس العصر فيبدأ بعد الصلاة بعد أن يأخد الأمير مجلسه ويجلس بجانبه حمود العبيد الرشيد على مصطبة أخفض من الأمير ثم القاضي والوجهاء وشيوخ البدو والزائرين كلٌ حسب مكانته، ويقف خلف الحراس والحاشية بقرب الأمير ويجلس الناس مقابلهم على الأرض بشكل انحناء القوس متكئين على سيوفهم، مفترشين جراباتها، ويفتتح القاضي المجلس بقراءة ما تيسر من القرآن، ويفسر الآيات بعدها، ثم يبدأ عرض الشكاوى والخصومات بقيام صاحب الشكوى والدخول في نصف الدائرة والجلوس مقابل الأمير وعرض شكواه وتنفيذ الأحكام فوراً بواسطة الجلادين الذين ينتظرون أوامر الأمير، ويحضر هذا المجلس يومياً حسب مانقله (داوتي) مابين مئة إلى مئة وخمسين، وينفض المجلس بنهوض الأمير متجهاً للقصر الذي يحدث انفضاضه اكتضاضاً في السوق، والطرقات، نظراً لأن الرجال تؤم أعمالها، والتجار يتجهون لمحالّهم، ووصف (داوتي) هذا المشهد وصفاً بليغاً، إذ يقول: (يلي انفضاض المجلس هفهفة مئات الغتر في المسحب وكأني أرى جحفلاً من الفراش يهفهف بأجنحته).
التقى (داوتي) الأمير محمد العبدالله الرشيد، ونقل لنا ما دار بينهما من حديث، حيث طرح الأمير بعض الأسئلة عليه التي تنبئ عن توجس الأمير منه، ومن وذكائه، إذ سأله عن هويته؟ ومن يكون؟ وما دوافع قدومه؟ وعمّا يحمله من أغراض شخصية، وعن الأدوية التي يستخدمها للعلاج بعد أن عرَّف (داوتي) بنفسه أنه يمتهن الطب، وامتد الحوار بسؤال الأمير له عن علاج (الكناكينا)، وسأله عن الصعوبات التي واجهته في طريقه، وعن حالة الأعراب الذين وطئ أراضيهم، وأبرز مشاهداته، وفي نهاية الحديث دعاه للإسلام لينضم إلى العمل مع طاقم حكومته في حائل مختتماً هذا الحديث بطلب الأمير من (نصر) مرافق (داوتي) أن يأتي بكتاب (أخبار الدول وآثار الأول) من مكتبته وقراءة ماكتب فيه عن النبي عيسى بن مريم، ورأي المسلمين فيه ورأيهم في رفعه إلى السماء، وعمّا ذُكر من ملامحه ولونه وهيئته.
كل ما سبق حدا بـ(داوتي) أن يقول: مع ما في الأمير من قسوة ودموية سمعت بها قبل المجيء له إلا أني ألفيته رجلاً مثقفاً قارئاً متنوعاً في ثقافته، وشاعراً رقيقاً مع ما يحمله من دهاء يدير به شؤون دولته الداخلية والخارجية.
وفي أعقاب هذا اللقاء نهض الأمير، ليطلعه على مزارع النخيل الخاصة به التي تحتوي على عدد من الغزلان، والأبقار البرية والوضيحي، التي تتجول وتربض في ظلال النخيل والحمضيات والتين، ومع غروب الشمس دُعي (داوتي) من قبل مسؤول القصر الذي يدعى (مفرج) إلى طعام العشاء في مضيف القصر، وقُدِّم له العشاء المكون من لحم الضأن وأرز التمن، وعاد بعده إلى القهوة حيث تدار فناجيل القهوة مع البدو الذين يرمقونه بأعينهم شزراً، ويسألونه عن ديانته، ثم دُعي بعدها إلى مقابلة حمود العبيد الرشيد الذي دعاه في قهوة والده عبيد الرشيد، وقضى فيها أمسية جميلة ماتعة مع حمود ذلك الرجل اللطيف ذي القامة الفارعة، والضفائر المتدلية على كتفيه، دار فيها الحديث حول العالم الجديد الذي يسأل حمود عن أسراره، ويحاول الوصول إلى كنه ما يُعرف بـ(التلغراف)، وعن المادة التي يصنع منها الزجاج، وماهية السائل الذي يُستخرج منه زيت الإضاءة (البترول)، وتساءل بعفويته عمَّا إذا كانت باريس مبنية كلها من البلور؟!.
قدر (داوتي) الإيرادات والمصروفات العامة لحكومة ابن رشيد، فالإيرادات تقدر بحوالي أربعين ألف جنيه إسترليني يجبى نصفها من البدو على هيئة ضرائب، ويُضاف إليها المال والثمار التي تُصادر كل عام كنوع من العقوبات، وما يُكسب من الغزوات المتتالية عليهم، أما المصروفات الحكومية التي تصرف على الضيافة والجنود والجيش والخدم والأمراء في البلدان وضيافتهم، فتقدر باثني عشر ألف جنيه إسترليني، وتناهز مصروفات الأمير الشخصية ألف جنيه سنوياً.
ومن تعطش لوصف أهالي حائل، فسيجد عن (داوتي) ما يشفي الغليل، فأهل التجارة منهم يخضبون لحاهم بالحناء فيعطيها لوناً زعفرانياً، وينقل (داوتي) عن رجل من حائل أن عبيد بن رشيد كان في آخر حياته يخضب لحيته بالحناء، ويكحلون أعينهم، وثيابهم تبدو نظيفة -وتلك سمة غالبة لدى التجار وأصحاب الوجاهة في حائل-، ويصفهم بأنهم مهذبون، ومدينتهم آمنة ونظيفة، ويجري فيها كسح المخلفات ودفنها في أماكن خصصت لذلك، ولا تفرض في المدينة أي ضرائب على الأهالي ولا تُرى فيها الكلاب الضالة، ويتمنى (داوتي) لو عاش فيها بقية حياته، ولم يثنه عن ذلك سوى خوفه الشديد من أميرها محمد العبدالله الرشيد، الذي يخاف من بطشه، والخوف كذلك من الحياة المضطربة في نجد التي لا تخلو من الغزو والسلب والنهب، وعلى أن (داوتي) يرى ذلك، فالناس في حائل يرون أن عهد محمد العبدالله الرشيد عهد نماء وازدهار، ولم تحدث فيه كوارث وأوبئة كالتي حدثت في عهد سابقه بندر الطلال الرشيد الذي أنهك الوباء في عهده الأهالي، فالكوليرا آنذاك شدت وثاقها سنتين كاملتين حتى عجز الأهالي عن حمل بعض الجثث بعد أن خارت قوى الأحياء منهم، نتيجة المرض، فاضطروا لنقل الجثث على ظهور الحمير إلى المقبرة التي يقول عنها (داوتي): (هنا في تلك البقعة يتساوى الجميع الأمير والخدام، حتى أنك لا تعرف أيضاً قبر عبيد بن رشيد الذي ذاع صيته وسلطانه إلا بشاهد قبره الذي نقش عليه عبيد بن رشيد).
وللتعليم أهميته في نظر (داوتي)، فهو يتتبع طقوسه، ويتابع مدارسه، إذ يوجد في حائل أربع مدارس عامة، ولها ناظر يقوم عليها وهو شاب متعلم ناقش (داوتي) حول الدين النصراني، ولكن الناس غالبهم أميون إلا قلة قليلة من المتعلمين من ضمنهم الأمير محمد الرشيد، والأمير حمود العبيد الذي وجد عنده (داوتي) أكثر من اثني عشر مجلداً في قهوة والده عبيد، وقلة من الأهالي المتعلمين الذين وجد (داوتي) مع أحدهم كتاباً في الجغرافيا يحمله في سوق المسحب، وصادف أن عرض أحدهم على (داوتي) جريدة إنجليزية كانت تلف بها الأقمشة الحريرية المجلوبة من الهند لمعرفة ما كتب فيها، مما حدا بـ(داوتي) أن يعرض على حمود العبيد شراء مطبعة من بغداد وجلبها إلى حائل بعدما رأى نهم المتعلمين على القراءة.
وعلى اختلاف اللون، والدين، والعرق، واللغة إلا أن الأهالي غمروا (داوتي) بلطفهم، فأثنى على كرمهم، ونبلهم، وطيب معشرهم، وجميل صفاتهم، ومع ذلك لم ينصفهم من وجهة نظره - غير المنصفة- فوصمهم بالوهابيين الذين لم يرغبوا بوجود نصراني بين ظهرانيهم، كل ذلك وهم لم يظهروا عداءهم بسبب ظل الأمير المرعب الذي يتفيأه -على حد وصفه- ولكنه يناقض نفسه -في غير موضع- فيصف أميرها بالقاسي والمتجهم الذي لايرغب وجوده في بلده ويعتبر وجوده إهانة -على حد قوله-!
قلتُ: يحق لأهالي حائل أن يتجهموا في وجه هذا الإنجليزي العنصري الذي لم يرغب في التخفي على طريقة من سبقه من الرحالة، بل ظل طوال رحلته معلناً نصرانيته متحدياً كل من حوله! فهل لنا أن نتساءل عن إنصاف هذا العنصري الذي دام قرابة السنتين يلعن أرض العرب وأهلها؟ ولم يمنعه من التمادي في وصمهم بأبشع النعوت ما لمسه من رحابة الصدر، وكرم العربي الذي لا يجد ما يطعم به أبناءه، وهو الذي أشار إلى ذلك -غير مرة- مادحاً مثنياً على ذلك في سلسلة لا تنتهي من التناقضات.
إنَّ ما يهمنا من مدونة (داوتي) العظيمة لمحاته الاجتماعية التي سُقتُ بعضها آنفاً، ودقته في وصف ما يراه من مشاهد نستقي منها أسلوب حياة أجدادنا على ثرى هده الأرض الطاهرة، ونغضي - طمعاً في الإنصاف- عن هناته التي يدوّنها تبعاً لحالته المزاجية.
وبعد أن أمضى (داوتي) في حائل مدة التقى فيها الأمير عدة مرات وعقد فيها صداقة مع حمود العبيد وأبنائه، وصداقة مع بعض الأهالي، وبعد ما تمتع بالكرم المعهود من الأهالي والأمراء قرر (داوتي) الرحيل مع قافلة حج فارسية توصله إلى خيبر يتقدمها أميرها (عنيبر)، الذي يجر حصاناً عربياً جميلاً أهداه الأمير ابن رشيد لشريف مكة، وأدخل بعيره في القافلة بعد أن استلم ورقة ممهورة بختم الأمير تبين أن (داوتي) من رعايا الأمير وتلفت النظر إلى خطورة الاعتداء عليه، وحين لمس أن أمير خيبر لا يرغب في وجوده رحل إلى حائل مرة أخرى، لكنه وجدها شبه خالية بُعيد خروج الأمير ابن رشيد بأهل حائل ورعاياه على رأس حملة عسكرية، وبذلك حُرم حماية الأمير، فغادرها نحو بريدة التي طُرد منها إلى عنيزة في حماية أميرها القوي زامل السليم، ثم غادرها قسراً، وأقام في بستان خارج عنيزة مدة ستة أسابيع غادر إثرها مع قافلة تجارية إلى الحجاز منهياً رحلته المضنية التي دامت قرابة السنتين، منهياً فصول رحلته التي دونها في مدونته، مصوراً فيها الحياة الاجتماعية في حائل وغيرها، والحالة التي عليها الناس في ذلك الزمن بأسلوب أدبي رفيع، حاولتُ في هذه المقالة استلال ما يخص حائل، والإلحاح على أبرز المشاهد الوصفية النابضة التي تأخذ القارئ بعيداً إلى ذلك الزمن الجميل، ويراها بعيني (داوتي) الذي أحبها ولم يقوَ على إنصافها الإنصاف الحقيق بحائل وأهاليها، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
--------------------------------
* رحالة إنجليزي ولد في سافلوك عام 1843م، وتخرج من جامعة كامبردج عام 1863م في تخصص الجيولوجيا، استهوته الرحلات فبدأها عام 1872م من جنوب أوروبا إلى القاهرة، وفلسطين، وزار مدائن صالح، وحائل، والقصيم وخيبر، ثم الحجاز، ونشر رحلته بعد سنوات عام 1908م، ولاقت رواجاً بين المهتمين، وقيض الله لكتابه إدوارد لورنس الذي أعاد نشره، وطار صيته في الآفاق، لكن لم تطل به حياة ليرى آثار كتابه فقد توفي عام 1926م.

ذو صلة
التعليقات