مجلة شهرية - العدد (535)  | أبريل 2021 م- شعبان 1442 هـ

المكافأة

لليوم العاشر من زواجه يجلس وحيداً في غرفة نومه مثقلاً بالهموم، رغم أن أسباب السعادة تحيط به، لأول مرة يقف مكتوف اليدين، كل الأمور تسير عكس ما يريد. أصابع الاتهام تمتد إليه، القرائن تدينه بالقصور، أين حكمتك؟ أين لباقتك؟ لقد تبددت أمام هذه العاصفة الهوجاء التي لم يكن لك ذنب فيها سوى أنك عففت، وترفعت عن كل نقيصة، بل ازدرأتها حتى أخذت في نفسك حجماً كبيراً.
ركبت الأسفار، جُلْتَ الديار، كان آخرها سفرك أيام دراستك في بلد أرخص ما فيه الرذيلة، عندها قالت لك نفسك: هذا المكان لا يليق بك، طريقه ينبو عن طريقك، أنت لا تحبه ولا تكرهه، فيك هاتف ينزع إليه، وشهوة عارمة تهفو نحوه، مع أنك تمقت زخمه المائج.
مرحلة تحصيلية وستمر، عندها ستعود إلى بلدك مرفوع الرأس، ليس بما حدث بل بما لم يحدث، كل شيء حولك مهتوك الستر بأيدٍ حيوانية شرسة، لا تريد منك شيئاً ولن تخشى إمساكك.
بصرك شاخص، ثغور حسك مفتحة، تدخل مع هذا وذاك، تحادث الغريب والرفيق، تبتسم.. تناوش.. وكثيراً ما تناقش.. تتصنع اللباقة، وتحرص على الأناقة.. ألا تخاف الولوج فيه كغيرك. مرات ومرات تحادث نفسك بما يجب وما لا يجب، تصحح المسارات، تعيب بعض التصرفات، تحاسب، تراقب، تخوض بالحديث دون ملل، تعرض النصح كحكيم زمانك، ترهف السمع لكل حدث بين أنثى وذكر، وترثي لحال هؤلاء البائسات اللواتي بِعْنَ أجسادهن لتلك الذئاب الضارية، تنحو باللائمة عليهن، تتمنى أن تخوض غمار هذه التجربة اللذيذة ولو مرة واحدة، لِتُريَ هؤلاء الأجلاف كيف تكون معاملة المرأة، يشجعك البعض يمهد لك الحال، تشمر عن ساعديك، وكل خفقة فيك تعدل ملحمة غرامية، المبادأة كذا، المعاشرة كذا، حتى تهم بالاستحمام في بئر الخطيئة، تسكب فيه ما عزّ منك أيام عزوبيتك المعقدة، فيعوقك وازعك الديني، وحرصك المادي، وحساسيتك المرهفة نحو كل عيب.
وها أنت أيام عرسك قد سودت وجه أبيك، رأسه يكاد يلمس الأرض خجلاً لأن زوجتك ما تزال عذراء حتى هذه الساعة، نصائحه لم تجدِ نفعاً، لكزات مرفقه تكاد تحسها وهو يوجهك: ابتسم هنا، وتجهم هناك، صافح هذا، وقبل رأس ذاك، إلى جانب المعلومات التي حشدها في رأسك عن سر المرأة العظيم حتى اختلط عليك الغث بالسمين.
امتزج المعقول بضده، تداخلت الحقيقة بالخيال، الألسن تلوك قصتك، البعض يخلع عليك نعوتاً تضعفك في مصاف النساء.
هذا المزيج من الأفكار والذكريات دار في رأسك وأنت في عزلتك لا تريد سماع ما يقوله الناس عنك، أملك الوحيد أن تزول هذه الغُمة على أي وجه، لن تسمح لنفسك أن يتضاعف خطؤك، لقد فشلت في زواجك الذي سخرت له كل طاقاتك، بذلت المهر بسخاء، وها أنت ذا تسقط بنودك، ويتحطم أملك.
ليلة الدخلة يقولون إنها ليلة العمر، تضحك في سرك بمرارة، تطأطئ رأسك بحسرة، لم تنتشلك لباقتك، لم تجدِ حكمتك، إذن لا بد من مخرج حتى ولو جرّ خسارة فادحة، الموقف تؤزمه الأيام، تعقده التقاليد، تشعل أواره ألسنة لا ترحم.
وبطلب منك وتحت ضغوط أخرى حضر أركان القضية، والداك ووالدها، الرؤوس منكسة كأعلام حداد، النظرات قصيرة يصرعها الخجل فيما سيقال، وانتظر الحضور صاحبة الشأن، زوجتك العذراء، فلها الكلمة الأولى والأخيرة، قد تكون معاناتها فوق معاناتك، أمها من ناحية، صديقتها من ناحية أخرى، كلهن يغمزنها بالكلام اللاذع، تود أن ينتهي الأمر بسلام وبأقصى سرعة، فأعدتْ له عدّتها، فلا مكان للخجل، لتسعى للخلاص من هذا الحمل الثقيل.
العيون مسلطة عليها، تسألها رأيها، وبالفعل وبكل إصرار وجرأة مزقت التقاليد البالية، جاءت كلمتها كرصاصة مدوية، لقد تململت في مكانها وتلعثمت في بداية كلامها، ثم ما لبث أن تماسكت قائلة:
- أريد زوجي.
كلمة أخذت الألباب، أعجمت الألسن، خنقت الأصوات، القول واضح، النظرات صادقة، الإصرار ماثل للعيان، وحتى لا تدع مجالاً لنقاش رددتها بأنفاس مطمئنة:
- نعم أريد زوجي، هذا ما أطلب.
نهض والدك ووالدها تغمر قلبيهما السعادة، وبإيماءة من أبيك قامت والدتك، وبصيحة من أبيها قامت عمتك، وبقيتما في الغرفة ينظر أحدكما إلى الآخر، تمنيت أن تكبّ على يديها، فقد كانت معك لا عليك، وفجأة تنبه فيك اعتزازك بنفسك، فتحدثت بأنفة:
- أنا لا أريد شفقة من أحد.
تبسمت وأجابت:
هذه ليست شفقة بل الحقيقة.
دققت نظرك فيها وقلت:
- الحقيقة؟
هزت رأسها مؤكدة ذلك وهي تقول:
- أجل فقد حققت شرطي بأصدق دليل.
انكمشت على نفسك محتاراً ثم قلت:
- وكلام الناس؟
نظرت إليك بحياء وقالت:
- أنا لا يهمني ما يقولون، ويكفيني أنك لم تعرف فتاة غيري.
انتشى كيانك، ارتفعت معنوياتك، شعرت من فرط سعادتك أنك تسبح في الفضاء، شخصت ببصرك، تنفست بارتياح، ارتفع حاجباك أكثر فأكثر، وتمتمت بكلمات اخترقت عنان السماء.

ذو صلة
التعليقات