مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

فيلم عدوى 2011.. حول وباء غامض انطلق من الصين وغزا العالم

من بين كل الأفلام التي تناولت موضوع وباء ينتشر حول كوكبنا المهدد، لن نجد أكثر من (عدوى) (Contageon) إمعاناً في ربط التفاصيل العلمية باحتمالات انتشار وباء عالمي ينهش في حياة البشر ويحوّل الحياة على الأرض إلى بؤرة من الخطر المحدق.
ذلك لأن الأفلام الخيالية/العلمية في هذا الشأن وأفلام الرعب المرتبطة بفكرة انتشار وباء يحوّل البشر إلى قتلة ومتوحشين تعاملت مع الفكرة العامة التي تنطلق من انتشار وباء ما ليصيب الناس ويخلق حالة من الرعب. لا شيء يُذكر عن تفاصيل الوباء ولا عن واقعية الأحداث وصدق نماذجها الشخصية.
فيلم ستيفن سودربيرغ (عدوى) يختلف بمقدار شاسع. هو أولاً ليس فيلم رعب من تلك التي تسودها وحوش بشرية وآكلو لحوم بشر، وليس فيلماً عن وباء هبط من السماء، بل عن وباء ناتج عن مخلوقات حيّة ينتشر بيننا كما يفعل وباء كورونا حالياً. وثانياً، يعتمد بشدّة على التفاصيل العلمية التي صيغت في هذا الفيلم الذي يعود إنتاجه إلى سنة 2011. في أحد المشاهد، على سبيل المثال، نرى الطبيبة جنيفر إيل تحقن نفسها بعلاج محتمل. هذا المشهد تم تصويره مرّتين بعدما طلب المخرج أحد العلماء لمشاهدة الفيلم للتأكد من واقعيته فأوصى العالِم بأن الأطباء يحقنون أنفسهم على نحو مختلف من حقنهم المواطنين.
خطوط تلتقي وتتوازى
على أن هذا وحده ليس سبباً كافياً لاستعادة هذا الفيلم في حاضرنا اليوم، ولا الإشادة باختلافه عن الأفلام التي تداولت وجود أمراض معدية وأوبئة خطرة. السبب الأهم هو أن الفيلم يبدو اليوم، وقد شاهده هذا الناقد حين خرج الفيلم للعروض على شاشة بنظام iMAX ثم مؤخراً لغاية هذا المقال، كما لو أنه صُنع بعد انتشار كورونا وليس قبل تسع سنوات من تاريخ انتشاره.
لدى الفيلم كل ما حدث منذ اكتشاف الصين الوباء على أرضها وما بعده:
ينطلق الوباء في فيلم سودربيرغ من الصين. يُصيب المسافرين. هناك لقطات متعددة عن: كيف ينتقل الوباء من شخص إلى آخر لمساً ومصافحة واستخدام أدوات يومية (كؤوس، ملاعق، أزرار مصاعد). يتضمن انتشار الوباء ليعم الأرض في أسبوعين. يشتمل على سقوط ضحايا (70 مليون ضحية في 135 يوماً). يحتوي على نزول الجيش للشوارع، وحدوث شغب وهجوم على الأسواق التي تبيع المأكولات لنهبها. كذلك يؤكد مسؤولية الوطاويط والخنازير في نشأة العدوى وانتقالها.
هذا التأكيد يوحي به في مطلع الفيلم ثم يتأكد في نهايته. الوباء الذي يتناوله الفيلم هو من النوع الذي نعيشه اليوم: غامض النشأة. منيع. غير معزول ولا يوجد دواء له.
غوينيث بولترو في دور امرأة متزوّجة، أسمها بث، نتعرّف إليها وهي تحتفل مع صديقات وأصدقاء لها في أحد (البارات) في هونغ كونغ في طريق عودتها إلى شيكاغو. يصوّر المخرج (وهو من صوّر الفيلم بنفسه تحت اسم بيتر أندروز) لقطات لما تلمسه وسواها من الناس. في شيكاغو تقابل صديقاً قديماً لها لكنها وقبل أن تصعد الطائرة التي ستعود بها إلى سان فرانسيسكو حيث تعيش مع زوجها (مات دامون) تسقط أرضاً وهي تسعل بشدة وتخور قواها ما يستدعي نقلها إلى المستشفى حيث تفارق الحياة.
هذه مجرد بداية للفيلم لكن حتى هذه البداية ليست مروية في خط واحد. كان أسلوب سودربيرغ يعتمد سرد أحداث مختلفة وشخصيات عدة في وقت واحد وعلى نحو من خطوط تلتقي وتتوازى حسب رغبته. هنا لا يختلف الأمر إلا من حيث زيادة عدد الشخصيات وكثرة الأحداث، ولتأمين وصول الفيلم مع تعدد شخصياته وعلى نحو واضح يعمد إلى تزيينه بأرقام الأيام التي تحتلها حكاياته. يبدأ من اليوم الأول ومع نهايته، بعد 105 دقائق، يختم بـ135 يوماً. خلالها يكون قد مرّ على تسع شخصيات أساسية وعدد لا يُحصى من الشخصيات المحيطة بها.
رجال ونساء
عن سيناريو لسكوت ز. بيرنز، الذي شاهدنا من أعماله في العام الماضي (التقرير) (حول تحقيقات ما بعد 11 / 9) و(المغسلة) (حول غسل أموال شركات التأمين) أنجز سودربيرغ فيلماً يتحدث واقعياً عن احتمالات الغد الذي أصبح اليوم.
في الحقيقة، لو أن السينما أنتجت هذا الفيلم الآن لبدا كما لو أنه صورة عاكسة تماماً لما شهده العالم في الشهرين الماضيين وما يزال. هذه قوّة فيلم معالج بدراية وبأقل قدر من الخيال وبالكثير من الصدق. وما نراه ماثلاً هو ما نعايشه اليوم إنما مع خلجات إنسانية موزّعة في جوانب كثيرة.
هناك الطبيبة إرين ميرز (كايت ونسلت) التي تُصاب بالوباء بعدما بذلت في سبيل إسعاف المصابين. والطبيبة ليونورا (ماريون كوتيار) التي تسعى لإنقاذ مصابين في الصين والطبيبة آلي (جنيفر إيل) التي تبذل في سبيل إيجاد العلاج الصحيح.
في المقابل الرجالي، يتصدر دكتور إيليس شيڤر (لورنس فيشبورن) الواجهة. هو المشرف العام على البرنامج الأميركي المستحدث لمواجهة الوباء. ما يقع مع كل واحد منهم وكيف سيسيّر حياته الخاصّة والعامّة ينبع من إيمان بأن الإنسان بات عرضة لهجوم غامض كبير وأن شيئاً لابد منه لإيقافه عند حدّه.
أحد أعلى مراحل التفاصيل الواردة ذلك المشهد الذي يشكو رجل للطبيبة إرين (وينسلت) قائلاً: (زوجتي تفرض عليّ خلع ملابس العمل في الكاراج وتطلب مني وضعها في دلو من الماء الساخن. بعد ذلك ترش كل الملابس بالمطهرات. إنها تُغالي كثيراً، أليس كذلك؟).
ترد عليه الطبيبة (في الواقع لا) ثم تضيف (توقف عن لمس وجهك). واحد من تلك الضروريات التي يفرضها اليوم الواقع المُعاش.

ذو صلة
التعليقات