مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

الإعلام وصناعة الهلع

منذ قرون طويلة والتاريخ يروي عن وباءات اجتاحت البشرية وعصفت بالمجتمعات وغادرت كما تغادر ريح صرصر عاتية تاركة لوحة من الأشلاء والمزق هدية من المجهول الذي قدمت منه.
كل يوم تأتي بلبوس جديد: الطاعون، الجدري، الحمى الصفراء، الكوليرا، إنفلونزا الخنازير، الكورونا.
في البدء لم يكن سوى المجهول ولكن الإنسان المفطور على الاكتشاف والذي يبحث بفضول الطفل وقلب العاشق ويُعمل عقل الحكيم اكتشف البكتيريا ثم اكتشف الفايروس.
كان ليوينهوك، تاجر القماش الهولندي، أول من رأى البكتيريا سنة 1660، بينما كان يستخدم العدسات التي تكبّر 500 مرة ليفحص القماش ويوماً بعد يوم أصبح للبشرية علم يدعى علم البكتيريا وفي 1892 اكتشف ديمتري كائناً متناهياً في الصغر قادراً على تخلل المرشحات الخزفية، ودعاه الفايروس، واكتشفت البشرية سبب الوباءات التي تعاودها بين حين وآخر. كانت البشرية تستقبل الوباءات بالخوف وفي زمننا تحول الخوف إلى هلع.
نحن نعيش اليوم الفوبيا من الأوبئة، وما الكورونا إلا مثال سيتكرر إذا بقيت أسباب تكراره في نفوسنا. وعندما أقول الفوبيا فإنني لا أعني الخوف؛ فالخوف شعور طبيعي غريزي أودعه في الإنسان خالق الإنسان كي لا يورد نفسه المهالك، فالخوف هو الذي يمنع الإنسان أن يلقي بنفسه من جبل وهو مانعه أن يحارب دون درع وهو حافظه من أن يتهور ويقتحم أي شأن دون أن يحسب له حسابه، ولولا الخوف لانقرض الجنس البشري ولكن الفوبيا أمر آخر، إنها الخوف غير الطبيعي، الخوف الذي هو أكثر مما يستدعي الموقف، الخوف الذي له أعراض وعلامات. إن العالم اليوم يعيش الهلع من الكورونا والسبب في ذلك الإعلام، فتطور أجهزة الإعلام طوّر هذا الهلع وحوّله من خوف إلى هذه الفوبيا التي نجد أعراضها وعلاماتها في ملامح الوجوه وفي الكمامات التي يلبسها الناس حتى في غرف نومهم، وفي هذا القلق الشديد الذي أفرغ الصيدليات من الأدوية وأفرغ المخازن من الأطعمة. الإعلام يسقط دولاً والإعلام يبني دولاً، الإعلام يطمس نجوماً حقيقية ويطلع نجوماً، يعد مصباح يعمل بالبطارية بزمن إضاءة أكثر منها، الإعلام يجعل العقول تنصرف إلى قدم مارادونا أكثر مما تنصرف إلى دماغ آينشتاين، الإعلام يرغّب بخطر ملموس هو التدخين، والإعلام يرهّب من شبح اسمه الكورونا، وبالتأكيد أنا هنا لا أستهين بالوباء ولا أقول أن نهمل الوقاية منه ولا أقلل مثقال ذرة من خطورته ولكن أقول إن علينا أن نفعل ذلك دون هلع.
أكثر الأوبئة تحدث بسبب الفايروس والبكتيريا، والبكتيريا أقرب إلى أن تكون كائناً حياً من الفايروس، والبكتيريا تحدث الضرر بجدار خليتها أو بالتوكسين الذي تفرزه أو تختزنه في داخلها فيظهر أحياناً عندما تموت أما الفايروس فإنه شبه جماد لا يختلف عن أي جماد موجود في الغرفة ويشبّه بشريط التسجيل الذي لا قيمة له إلا داخل آلة التسجيل، فالفايروس هو شريط التسجيل والخلية البشرية هي آلة التسجيل التي يدخلها الفايروس ليعطّلها عن الحياة ويسخّرها لخدمته فهو يدخل على (الدي إن أى) ليمنعه من صناعة البروتين ومن استنساخ نفسه ويجعل منه عبداً له يستنسخ له أعداداً هائلة من الفايروس نفسه فيحدث المرض في الجسد الذي دخله وينتقل الفايروس إلى جسد آخر ليدور الشريط في آلة تسجيل أخرى ثم أخرى وشيئاً فشيئاً يحدث الوباء وينتشر، ولكن هذا الفايروس الذي دخل لم يدخل ساحة عزلاء فهو دخل ساحة حرب فيها جيش مدجج بالأسلحة كلها، جيش أنشأه خالق هذا الإنسان ليدافع عنه، فالإنسان كائن مقفل. أول مانع يلاقيه المايكروب هو المانع التشريحي الجلد ولهذا الكائن الذي هو مقفل لهذه القلعة الحصينة التي سورها الجلد فتحات محدودة، العين التي يدخل منها الضوء وتدفع عن نفسها بالدموع والأذن التي يدخل منها الصوت وتدفع عن نفسها بالشمع والأنف الذي يدخل منه الهواء ويدفع عن نفسه بالمخاط والفم الذي يدخل منه الطعام والهواء ويدفع عن نفسه باللعاب. في هذا الجيش الذي هو في داخل كل إنسان سلاح خلوي من النيوتروفيل والماكروفيج واللمفوسايت وسواها وسلاح بايولوجي في البكتيريا النافعة وسلاح كيمياوي في حامض المعدة وعصارة الصفراء فلو عرف الإنسان هذا الجيش الذي لا يعيه داخله لخف الكثير من الهلع الذي يعانيه والمشكلة تكمن في الإعلام وستحتاج البشرية زمناً طويلاً لتتعلم كيف تستخدم الإعلام فهذه المليارات من البشر التي تحدث يومياً المئات من الأحداث تحتاج إلى الإعلام الذي ينبغي أن تقع عين الكاميرا فيه على الآحاد من هذه الأحداث لتعرضها على الملايين، عين الكاميرا هذه العين الخطيرة التي تري الملايين ما تنقله من الأحداث تستطيع أن تبدل بهلع الناس من الأوبئة أمناً بأن تضيء لهم عناصر القوة في أجسادهم وفي مجتمعاتهم وتقول لهم إنهم إذا أقفلوا مداخل أجسادهم وابتعدوا عن أماكن التجمعات التي تكون فرصة الفايروس للدخول عليهم أكبر عندها، ولو سدوا مداخل مدنهم وأوقفوا على أبوابها حجّاباً أشداء لقهروا الأوبئة، وعلى الصعيد الشخصي من مذكراتي كطبيب، أذكر قبل عشرين سنة أو أكثر وكنت مقيماً أقدم، وانتشر داء الخناق في الموصل حيث أقيم وأعمل وخصصنا غرفة في المستشفى نجري بها عمليات فتح القصبة الهوائية تحت التخدير العام وما مر يوم أو يومان من تلك الأيام المشؤومة إلا وكنت أجري عملية جراحية لمريض مصاب بالخناق ويتنفس في وجهي ومع ذلك لم أكن أبالي أنا الذي أخاف الأمراض أكثر من سواي، ذلك أن اتخاذ الاحتياطات اللازمة يدفع الهلع، وأذكر أن الكوليرا انتشر أيضاً وكنت أتعثر بالمرضى وأنا أمشي في الممرات التي ازدحمت بهم فلم تعد تكفي الأسرّة ومع ذلك لم يكن الهلع قد تمكن من الناس واستطاعت الموصل أن تتغلب على الوباء. واليوم حيث وباء الكورونا يحل في العالم نجد الكثير من المدن التي لما يدخلها الفايروس توقف الحركة ويتضرر الاقتصاد وتتعطل السياحة. ونقف لنتأمل هذا الطاغية الذي لا يُرى والذي بلغ ما لم يبلغه طاغية في الكون، فالإنسان يسمع الأذان ولا يهرع للمسجد، وتستدعيه حاجة ماسة للخروج ويلزم بيته لنتأمل هذه الدولة الكبرى التي تملك أن تدك الكرة الأرضية مرات، كيف تقف عاجزة أمام هذا الكائن التويفه الذي نتردد ونحن ندعوه الكائن لأنه لم يكن سوى هباء لا يُرى، لقد فرضت علينا الحرب مع الوباء وفي الطريق جيش قادم لمساعدتنا فهو سيأتي بشمسه ويصيب بها الفايروس في مقتل، فإن قلنا إن الوباء أقوى منّا سيفترسنا وإذا قلنا إننا أقوى منه سننتصر عليه والمتنبي يقول:
وما الخوف إلا ما تخوّفه الفتى
     وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا

ذو صلة
التعليقات