مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

من أدب الأوبئة في ذاكرة الموت

من أهم مميزات الأدب بشكل عام، والأدب العربي على الخصوص أنه لسان الحياة، والناطق بآلامها، والمعبر عن أمنياتها، وكلما كان الأديب منغمساً في هموم مجتمعه، سالكاً مسلك الروح منهم، كان بيانه أصدق في عكس صورة أنفَاسِهم، وابتهالاتهم، وابتساماتهم، يضمد جراحهم ويواسيهم، ويفتح لهم باباً من الأمل ويُفرحهم. وفي تاريخ أدبنا العربي نماذج من الشعراءِ والأدباءِ والعلماءِ كانوا قد تناولوا بإبداعهم قضية (الوباء) بشتى صوره، بل منهم من مات حتف أنفه في جملة الناس، فشهاب الدين التلمساني المتوفى 776هـ، وتاج الدين السبكي المتوفى 771هـ، وصلاح الدين الصفدي المتوفى 764هـ، كلهم ماتوا بسبب أوبئة فتكت بالناس، مع أنهم قد كتبوا عنها، ورووا أحوال الناس معها، ومع ذلك كانوا في قائمة الراحلين بسببها.
لقد أصيب بعض الشعراء العرب بفاجعة الوباء التي لم تستثنِهِمْ من بين الناس، فقد مات لأبي ذؤيب الهذلي خمسة من الأبناء وقيل سبعة كلهم أصابهم الطاعون، فجاشت نفسه عليهم حسرة وألماً فأبّنهم بمثل قوله:
كَم مِن جَميعِ الشَملِ مُلتَئِمُ الهَوى
     باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا
فَلَئِن بِهِم فَجَعَ الزَمانُ وَرَيبُهُ
     إِنّي بِأَهلِ مَوَدَّتي لَمُفَجَّعُ
وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ
     في رَأسِ شاهِقَةٍ أَعَزُّ مُمَنَّعُ
وهي قصيدة موحشة مؤلمة، مبكية، وقد ذكرها الأصفهاني واختارها المفضل الضبي، وأبي زيد القرشي في عيون المراثي العربية، وهي تتناول الموت بصورة تتجاوز الاكتفاء بالبكاء، وبيان مآثر الموتى بل تتجه نحو أبعادٍ إنسانية تتخطى الأنا لتصل رسالتها إلى الكون، وما فيه من كائنات يوحدها ذات المصير.
لقد كان المقابل المعنوي للوباء وهو (الموت) حاضراً في كثير من القصائد العربية، بكل أشكاله، فصور الجثث، وكثرة النعوش، ودموع الباكين، وتفجّع المحزونين، حتى أصبح الموت أكبر الأماني، على حد قول المتنبي:
كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا
وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا
إن ذلك الحضور في حضرة الموت بسبب الأوبئة التي تجتاح الناس تجعل الكثير يقف مشدوهاً من هذه الفواجع، وهو الذي ربما عناه فاروق جويدة عندما قال:
أنفاسنا في الأفق حائرة..
تفتش عن مكان
جثث السنين تنام بين ضلوعنا
فأشم رائحة
لشيء مات في قلبي وتسقط دمعتان
فالعطر عطرك والمكان.. هو المكان
لكن شيئاً قد تكسر بيننا
لا أنت أنت.. ولا الزمان هو الزمان
لقد خيّم ذكر الأوبئة على كثير من الأعمال الروائية العربية، ومثّلت تلك الأحداث مادة لمتنِهم الروائي، سواء كان الوباء مرضاً يُهلك أقرب الناس إليهم، أو كان في تلك الروايات منعطفاً للحديث عن حياتهم الاجتماعية والسياسية. لقد سيطرت صورة (عاشور) الناجي في رواية الخرافيش لنجيب محفوظ، وهو الناجي من بين فكي الوباء الذي ضرب حارته الهادئة، على مجمل روايته حتى أصبح بطلاً، ولكنه في النهاية يخرج ولا يعود. إن تلك الرواية تمثل منعطفاً في مسيرة الرواية العربية، لكونها تجمع في ثناياها صورة الحياة الاجتماعية ومحيطها السياسي، فقد نجا مع أفراد أسرته من الوباء، ولكنه سقط أمام الظلم باعتباره الوباء الذي لا أمل في النجاة منه.
إننا لا نستطيع أن نفهم حقيقة الموت باعتباره واجهة الوباء في الرواية. إن هذا القلق الذي يأخذ بخناق الإنسان منذ أن يضع نفسه أمام الموت لا يتركه حتى يسأم الحياة، ويسعى للهرب إلى الأمام، وفي رواية هاني الراهب (الوباء) يتجلى هذا المعنى الذي يتجاوز فكرة الوباء الحسي إلى الوباء المعنوي وهو الأشد ألماً، وتجسد هذه الرواية التطورات السياسية والاجتماعية في سوريا بعد عام 1963 وترصد التحولات الاجتماعية الكبيرة التي أصابت بعض الشرائح الريفية المنضوية تحت لواء العسكر والتي أصبح لها القول الفصل في السياسة، إنه في هذه الرواية يتناول فكرة الأرض، بكل تجلياتها مكاناً ومعنى، فالسائرون على هذه الأرض راحلون منها بأي سبب كان وسيذهبون وتبقى هي. إن فكرة حياة الأرض في مقابل الموت الذي عبّر عنه بالوباء تبقى ساكنة في الضمير.
وفي هذا السياق تسير رواية (المرض الأسود) لأحمد خالد توفيق، والتي تتحدث عن قصة المرض الذي ضرب القارة السوداء، وسط اضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة، وبطل الرواية هو الطبيب المصري الشاب (د.علاء عبدالعظيم) الذي اختار أن يبحث عن ذاته بعيداً وسط أدغال أفريقيا، وفي الرواية حديثٌ عن مذكرات ذلك الطبيب والأخطار التي قابلته، فالفيروسات القاتلة، والأمراض الفتاكة، والسحرة المجانين، وأكلة لحوم البشر، وتمر كل تلك الأحداث ويبقى الحدث الأهم وهو كيف استطاع هذا الطبيب أن يبقى حياً وسط كل تلك الأحداث؟.
لقد مثلت تلك النماذج العربية رواية وشعراً ما يمكن أن يطلق عليه (أدب الأوبئة)، ولكن الذي يميز كل تلك الأعمال أنها قد خرجت من إطارها بوصفها تتحدث عن الوباء والأمراض والجوائح إلى أبعد من ذلك من خلال توظيف تلك الظروف والأحداث للتعبير عن قضايا أكثر اتساعاً، فالقضايا السياسية، والظروف الاقتصادية، والتغيرات الاجتماعية هي المهيمنة على كثير من تلك الأعمال.
وفي الحقيقة أن كثيراً من تلك الأعمال العربية وخصوصاً الأعمال الروائية المتأخرة، متأثرة بشكل واضح بالروايات الغربية العالمية من أمثال رواية (الطاعون) للكاتب الفرنسي ألبير كامو، ورواية (العمى) للبرتغالي جوزيه ساراماغو، والكولومبي غارسيا ماركيز كما في روايته (الحب في زمن الكوليرا) التي قد يكون لها تأثير على الروائي السعودي محمد حسن علوان في روايته (موت صغير) والتي تحكي سيرة روائية متخيّلة لحياة (ابن عربي) منذ ولادته في الأندلس في منتصف القرن السادس الهجري وحتى وفاته في دمشق، وتتناول هذه الرواية سيرة حياة مزدحمة بالرحيل والسفر، والأحداث المتخيّلة، والمشاعر المضطربة، والأحداث المؤلمة.
وأخيراً فيبقى الأدب لسان الحياة، وباعث الأمل في زمن الألم، فإذا ما ضاق المتسع أمام الحالمين، جاء ليفتح آفاقاً أمام البائسين، وتلك رسالته الخالدة، ويبقى الأديب الجزء المصفى من الطبيعة، الباسم في وجه الحياة مهما تجرع كأس المأساة.

ذو صلة
التعليقات