مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

كورونا ومستقبل العلاقة بين الإنسان والحيوان

من المتوقع أن يحدد (فيروس كورونا المستجد) قريباً شكل وطبيعة ومستقبل العلاقة بين الإنسان والحيوان، فالفيروس الحيواني المنشأ الذي لا يرى بالعين المجردة أدى إلى مقتل الآلاف من البشر حول العالم ولا يزال يشن حرباً على أبناء آدم بمختلف أجناسهم وألوانهم وأديانهم وأعمارهم ولا يفرق بين الغني والفقير ولا بين الرئيس والغفير وتسبب في مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وأدى إلى شلل شبه تام في كوكب الأرض.
والشاهد أن غالب الأمراض التي تقود البشر إلى القتل الفردي أو المقابر الجماعية مصدرها الأول هو الحيوان الأليف أو المتوحش حيث تنقل الحيوانات أكثر من ثلاثمئة مرض للإنسان.
وتحتفظ ذاكرة كتب تاريخ البشر بذكريات الرعب الذي سببه وباء الطاعون الأسود الذي انتشر بين عامي 1347 و1351، وتسبب في مقتل نحو خمسين بالمئة من سكان أوروبا، وما يقرب من مئتي مليون شخص حول العالم، وكانت الصين مصدره الأول، وكان المتهم الأول هي القوارض كالفئران التي سلمت رايته إلى البراغيث.
ووباء كورونا ليس أول ولا آخر الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، فحسب منظمة الصحة العالمية فإن فيروسات كورونا عبارة عن فيروسات حيوانية المنشأ، تسبب المرض للحيوان وتنتقل بين الحيوانات والبشر، وارتبط كورونا بالقطط والخفافيش والإبل.
وكان أول ظهور لفصائل كورونا القاتلة عام 2002 في الصين حيث ظهر كورونا القاتل ‏‏(‏SARS-CoV‏) الذي انتقل من (قطط الزباد) إلى البشر ليسبب متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد ‏الوخيم (سارس) ويقتل نحو ثمانمئة إنسان.
ثم ظهر عام 2012 كورونا الفاتك (‏MERS-CoV‏) في السعودية والخليج الذي انتقل من (الإبل) إلى البشر وسبب ‏متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس) في سبعة وعشرين بلداً، وقتل نحو ثمانمئة وخمسين إنساناً.
وأخيراً ظهر في نهايات العام 2019 المهلك Coved-19 في مدينة ووهان الصينية وانتقل هو الآخر من (الإبل) إلى البشر-حسب دراسات غير مؤكدة منشورة بموقع الصحة العالمية - ليسبب (كورونا المستجد) الذي يهدد حالياً البشرية بالفناء، والفيروس عرف عنه أنه ضعيف لا ينتقل بالهواء، ويصيب الناس بالعدوى عبر العطاس أو السعال أو ملامسة الأسطح الملوثة. ومع أنه يتعافى نحو 80 % من المصابين به دون شعور بأعراض أو حتى حاجة للدواء، إلا أن شخصاً واحداً تقريباً من كل ستة أشخاص يصاب بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة والفشل الكلوي ‏وحتى الوفاة.
وحسب تقارير طبية من مدينة ووهان الصينية، فإن كورونا الجديد أصاب العمال أو العملاء الذين زاروا سوقاً للمأكولات البحرية المحلية، يضم الدواجن، والحمير، والأغنام، والخنازيـــــر، والإبـــــــــل، والثعالــــــب، والفئران، والقنافذ والزواحف والخفافيش، وأشير أيضاً إلى أفعى «كرايت» ذات الأشرطة المتعددة، التايوانية والصينية الذي قد يقود الناس لاحقاً إلى الحد من تناول الحيوانات البرية غير جيدة الطهي أو الاختلاط معها وبيعها في سوق مفتوح لمنع العدوى حيوانية المنشأ.
ومثلما قامت دول العالم بإجراءات احترازية للحد من انتشار وباء كورونا المستجد منها حظر تجوال البشر ووقف الرحلات البرية والجوية والبحرية والحجر، فقد قامت دول أخرى بإجراءات تحد من حركة الإبل التي قيل إنها سبب نقل كورونا، منها مصر التي احتجزت لأكثر من أسبوعين شحنات جمال واردة من السودان داخل الحجر البيطري بمدينة أبو سمبل، وأخذت عينات منها ليتم تحليلها في المعامل المركزية بالقاهرة، مما هدد تجارة الجمال بين السودان ومصر.
وبالنظر الى قائمة الأمراض (الفيروسية) المنتقلة من الحيوان إلى الإنسان يظهر فيروس (إتش.آي.في) المسبب للأيدز الذي انتقل من قرود الشمبانزي إلى الإنسان وظهر عام 1981، ليفتك بنحو 35 مليون إنسان حول العالم.
ويأتي في مقدمة القتلة فيروس (إيبولا) الذي انتقل من خفافيش الفاكهة والنسانيس والغوريلا والظباء إلى البشر عن طريق دم الحيوانات المصابة أو سوائل جسمها، وظهر عام 1976 في منطقة نزارا بالسودان، والأخرى في يامبوكو بالكونغو، وظهر في غينيا عام 2014، وانتشر في أفريقيا ودول العالم عن طريق الملامسة بين البشر، وقتل الفيروس أكثر من 11 ألف شخص، وخطورته تكمن في الانتشار عن طريق العملية الجنسية والاتصال المباشر بسوائل جسم المريض مثل لبن الأم.
ولا يمكن للعالم نسيان فيروس إنفلونزا الخنازير حيث ظهر هذا الوباء في 2009، في أمريكا والمكسيك، وعدد من دول العالم وأعلنت بسببه حالة الطوارئ العالمية بعد أن قتل نحو 18500 شخص.
ولعله من المضحك والمبكي أن يموت الإنسان بداء (جنون البقر)، فقد تبين عام 1996م، إصابة 10 أشخاص في بريطانيا بمرض (كروتزفيلد جاكوب) الذي يصيب الجهاز العصبي ويحدث حالة خبال وتشنجات وارتعاشات، ويقتل المصاب به في أقل من عام وهناك دلائل تشير إلى تشابه بينه وبين مرض جنون البقر في الماشية، ويقال إنه نتاج تناول أمخاخ أبقار أصابها الجنون.
والمحزن أنه منذ العام 1997 صارت الطيور الأليفة تتسبب في قتل البشر بالجملة عن طريق فيروس إنفلونزا من سلالة H5N1 التي سببت قلقاً عالمياً بمعدل وفيات بين البشر وصل 60 % من المصابين، وقد توفي 359 شخصاً بسبب H5N1 في 12 دولة.
ولم يسلم الإنسان أيضاً من صديقه (الكلب) الذي خصه بصفة الوفاء، فقد نقل له داء (السعر) المميت، ورغم أن الفرنسي لويس باستير اكتشف له لقاحاً عام 1885، إلا أن فيروس السعر يقتل قرابة 189 شخصاً يومياً في جميع أنحاء العالم غالبهم في الهند وأفريقيا، ومنذ عام 1948 تم الإبلاغ عن 29 قتيلاً من داء الكلب في إسرائيل، ويسبب الداء خسائر اقتصادية سنوية تقدر بـ 8.6 مليار دولار، وتسعى جهات صحية إلى تحقيق انعدام حالات الوفاة لدى الإنسان بحلول عام 2030.
وتنقل الحيوانات للإنسان أيضاً عدداً من الأمراض (البكتيرية) أبرزها جرثومة الجمرة الخبيثة التي تعد أحد أسلحة الحرب البيولوجية. وقد اكتشفها الألماني روبرت كوخ عام 1875 وهي تنتقل عبر جثة الحيوان أو الملابس والأحذية، وتظل باقية في التربة لقرون، واستخدمت في الحرب البيولوجية وقتل آلاف البشر.
ويقال إنها هي الطاعون السادس المذكور في سفر الخروج في التوراة، وهنالك أقوال ودراسات أكدت أنها هي الوباء القاتل الذي يصيب ويقتل من يفتح توابيت الفراعنة من المستكشفين والباحثين لا اللعنة التي يزعمون وجودها في التوابيت.
ويظل داء البروسيلا البكتيري من الأمراض القاتلة، حيث ينتقل من البقر إلى الإنسان عن طريق الهواء أو شرب اللبن أو أكل اللحوم أو ملامسة البقر والضأن، ويسبب العجز الجنسي عند الرجال، والحمى المالطية التي تسبب الإجهاض عند النساء.
وتبقى (القطط) المنزلية، رغم لطافتها، مصدراً لداء المقوسات الخطير (التكسوبلازما)، وهو مرض طفيلي يصيب في المقام الأول المرأة الحامل ويتسبب في معظم حالات الإجهاض.
ويجب في ختام المقال التذكير أن علاقة الإنسان والحيوانات خصوصاً الأليفة والمستأنسة منها، أزلية وقائمة على التعايش والفوائد المتبادلة والمحبة، إلا أن ذلك لا يعفي من أن هذه العلاقة قادت الإنسان إلى التهلكة بسبب أن الحيوانات صارت تنقل مجموعة كبيرة من الأمراض التي تقتل البشر بالآلاف آخرها مرض كورونا وقبلها كثير من الأمراض الفيروسية والبكتيرية والفطرية والطفيلية، ويجب على البشر أخذ الحيطة والحذر من الحيوان بتربيته في مزارع بعيدة عن مكان سكن البشر، خصوصاً الأبقار والأغنام والطيور، وتطهير المزارع، والحرص على التطعيم الدوري للقطط والكلاب، وعدم ملامسة الحيوانات إلا عند الضرورة خصوصاً الأطفال لأن كثيراً من الأمراض لا تأتي فقط من أكل اللحم وشرب اللبن لكن منها ما ينتقل بمجرد اللمس، ولابد أيضاً من وقف الكثير من العادات والتقاليد الضارة مثل تناول اللبن دون تعريضه لدرجة حرارة عالية، وأكل اللحم النيء، وذبح الخراف في المنازل لا المسالخ.

ذو صلة
التعليقات