مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

كورونا والفيروسات الجديدة.. هل هي حرب بيولوجية؟

ربما يحجم الكثيرون عن الحديث عن موضوع الأسلحة البيولوجية كوسيلة ربما تكون من أقوى أسلحة الدمار الشامل، حتى لا يصاب الناس بالذعر والخوف من جراء هذا الحديث، وقد يكون هذا خطأ جسيماً لأن عدم الحديث عن الخطر لا يعني عدم وجوده، بل على العكس، ربما يؤدي إلى مضاعفة آثاره التي تنجم عن عدم الاستعداد لمجابهته. ومع التقدم العلمي المذهل خلال العشرين عاماً الماضية ينبغي أن ننظر إلى الأحداث من حولنا بنظرة مختلفة، وأن نتخلى عن السذاجة التي تجعلنا جميعاً مجرد مفعول به وليس فاعلاً خوفاً من السخرية من عقولنا لأننا دائماً ما نتبنى (نظرية المؤامرة)، وهل ما يحدث حولنا إلا مجموعة من المؤامرات تظهر لنا ونكتشفها بعد عشرات السنين.
والأسلحة البيولوجية إحدى وسائل القوة الموجودة الآن في كثير من الدول، ليست العظمى فقط، ولكنها دول كثيرة نامية، حتى أنهم أطلقوا على هذا النوع من الأسلحة: قنبلة الفقراء الذرية، لما لها من تأثير مدمر يمكن أن يحصل عليه من يمتلكها، لذا يجب الحديث عنها ومعرفة أسرارها وخباياها حتى نستطيع أن نواجهها.
وإذا انبرى أحد قائلاً: إننا نعيش في عصر السلام، فكيف نتحدث عن مثل هذه الأسلحة المدمرة؟ نقول إن السلام لا يكون إلا بين الأقوياء، فلو شعرت دولة بأن لديها القوة المطلقة دون الآخرين، فإنها تبغي وتفرض عليهم سلام الخضوع والخنوع، وإلا فالحرب التي لا يملكون مفاتيحها ووسائل كسبها، وليس خافياً على أحد له دراية بهذا المجال أن مدير المخابرات الأمريكية قد أعلن أن هناك 17 دولة تملك إمكانات تصنيع مثل هذه الأسلحة البيولوجية، لذا (فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، وعلينا أن نواجه مثل هذه الأسلحة، وما يمكن أن تسببه من دمار.
كما أن هذا النوع من الأسلحة يمكن استخدامه بواسطة الجماعات الإرهابية، سواء الممولة من دول معينة، أو التي تعتمد على نفسها ذاتياً في التمويل، حيث إن تصنيعها لا يحتاج إلى إمكانات باهظة، سواء من الناحية المادية أو الناحية التقنية، ولعل أبلغ دليل على ذلك ما قالته (كاثيلين بيلي) مدير مراقبة التسليح المساعد السابق في الجيش الأمريكي، حين قالت: (إن صنع ترسانة من الأسلحة البيولوجية لا يحتاج إلى أكثر من عشرة آلاف دولار للأجهزة المستخدمة، وحجرة لا تزيد مساحتها عن 25 متراً مربعاً، ولن يستغرق هذا وقتاً طويلاً، فالخلية البكتيرية التي تنقسم كل 20 دقيقة يمكنها أن تعطي بليون نسخة خلال عشر ساعات، والزجاجة الصغيرة من هذه البكتيريا تعطي عدداً لا نهائياً، وخلال أسبوع واحد يمكن أن يقضي على نصف سكان واشنطن العاصمة الأمريكية).
والأسلحة البيولوجية تعد أقوى أسلحة الدمار الشامل فتكاً وتدميراً، والتي تشمل الأسلحة النووية والذرية والأسلحة الكيماوية والأسلحة البيولوجية، وذلك لأسباب كثيرة من ضمنها ما سبق أن ذكرناه من سهولة تصنيعها خلال وقت قصير، وبإمكانات مادية وتكنولوجية بسيطة، وأنه يمكن استخدامها دون الوصول إلى الفاعل سواء بواسطة مخابرات الدول أو بواسطة الجماعات الإرهابية، لأن تأثيرها لا يظهر إلا بعد فترة حضانة معينة، يكون الفاعل الحقيقي قد اختفى تماماً أثناءها قبل أن يتم اكتشاف أمره.
وقد ذكر كتاب منظمة معاهدة شمال الأطلسي NATO ضمن أهدافه الارتقاء بقدرات حلف شمال الأطلسي الدفاعية، فيما يتعلق بتهديدات الأسلحة الكيمائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية وأسلحة الدمار الشامل، ومواصلة تطوير قدرات الأعضاء على درء وكشف والتصدي لهجمات الفضاء الإلكتروني، بما في ذلك توظيف عمليات تخطيط حلف الناتو لتعزيز وتنسيق القدرات الوطنية ضد الهجمات الإلكترونية، ووضع كل هيئات حلف شمال الأطلسي تحت نظام حماية مركزي ضد الهجمات عبر الفضاء الإلكتروني، والارتقاء بمستويات الاندماج بين الدول الأعضاء فيما يتعلق بالوعي والإنذار والرد. إذن فهي حرب غير معلنة للسيطرة والإضرار والتحكم في الكون.
وهناك 39 نوعاً يمكن استخدامه كسلاح بيولوجي، وتشمل البكتيريا- الفيروسات- الريكتسيا- السموم، وبعض هذه الأسلحة مثل بكتيريا الأنثراكس العضوية التي تسبب مرض (الجمرة الخبيثة)، يكفي استنشاق واحد على مليون من الجرام منها لقتل إنسان ضخم الجثة. كما تدخّل علم الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية والمناعة في هندسة بعض الكائنات وراثياً بحيث لا يؤثر فيها التطعيم الذي تم تحضيره بناءً على التركيب الجيني للكائنات العادية، وليست المهندسة وراثياً، وكذلك الحال بالنسبة للمضادات الحيوية بحيث لا تؤثر في هذا الميكروب الجديد.
ولعل ظهور أكثر من خمسة عشر فيروساً جديداً خلال الخمس والعشرين عاماً الأخيرة، بعضها عاد للظهور بعد اختفائه، وبعضها جديد تماماً؛ يعطي الفرصة لاستخدام مثل هذه الفيروسات الجديدة كأسلحة في مجال الحرب البيولوجية مثل فيروسات الإيبولا، هانتا، حمى اللاسا، ماربورج، إنفلونزا الطيور، وفيروس سارس 2003، إنفلونزا الخنازير H1N1 2011، وفيروس (كورونا) المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، ثم أخيراً فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).. وغيرها.
كما أن الانتهاء من إعداد مشروع الجينوم البشري قد ساعد بعض الدول على اكتشاف اختلافات متميزة في شعب معين، مما يمكّن أعداؤه من إعداد سلاح بيولوجي يتم توجيهه إلى هذا الشعب الذي يحمل هذا الجين الذي يميزه، أو يصيبه ببعض الأمراض الخطيرة أو المزمنة.
ولقد تناولت كتب التاريخ تاريخ استخدام الأسلحة البيولوجية، والذي يعود إلى عام 300 قبل الميلاد، حين كان اليونانيون يستخدمون مخلفات بعض الحيوانات في تلويث مصادر مياه الشرب التي يشرب منها أعداؤهم، ثم تناولت تطور استخدام هذه الأسلحة عبر المراحل التاريخية المختلفة حتى وقتنا هذا.
الأعباء الاقتصادية والتكاليف لهجوم بيولوجي
ولعل الأعباء الاقتصادية الضخمة، بجانب الخسائر في الأرواح، التي تنتج من استخدام الأسلحة البيولوجية، تجعلنا نعيد حساباتنا لمواجهة مثل هذا النوع من الأسلحة، والاستعداد لمواجهته بأقل الخسائر الممكنة.
وفي إحدى الدراسات التي نشرت في 2 أبريل عام 1997 في مجلة Emerging Infectious Diseases Vol 3، No.2 عن الأعباء الاقتصادية في حالة حدوث هجمة إرهابية؛ استخدم الباحثون ثلاثة أنواع من أشهر البكتيريا المستخدمة في هذا الغرض، وهي بكتيريا الأنثراكس المسببة لمرض (الجمرة الخبيثة)، والتوليريميا (حمى الأرانب)، وكذلك الحمى القلاعية (بروسيلا)، في حالة ما إذا تم استخدامها على شكل إيروسول على إحدى الضواحي لإحدى المدن أو العواصم الكبرى؛ وكانت النتيجة أن سيناريو استخدام بكتيريا البروسيلا المسبب للحمى القلاعية سوف تكون تكلفته، أو الأعباء الناتجة من استخدامه حوالي 7,477 مليون دولار لكل 100 ألف مواطن، بينما بكتيريا الأنثراكس ترفع هذه التكلفة إلى 2,26 بليون دولار.
ولعل هذه التكلفة الباهظة لا تتناسب أبداً مع التكلفة الزهيدة التي يتكلفها تصنيع السلاح البيولوجي بالمقارنة بالأسلحة الأخرى، فإذا كانت تكلفة السلاح التقليدي 2000 دولار/ كم2، والسلاح النووي 800 دولار/ كم2، والسلاح الكيميائي 600 دولار/ كم2؛ فإن تكلفة السلاح البيولوجي هي دولار واحد لكل/ كم 2.
وانتهى البحث إلى أن أهم ما يقلل من هذه التكلفة هو سرعة التدخل لإنقاذ الذين تعرضوا للإصابة قبل حدوث أي مضاعفات لهم تزيد من تكلفة علاجهم والعناية بهم.

ذو صلة
التعليقات