مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

صورة عائلية

دخلتْ غرفتها وقبل أن ترمي جسدها المنهك على السرير، رنتْ منها التفاتة للصورة المعلقة فوق المدفأة، كادت أن تطلق صرخة لولا أن كتمت فمها براحة يدها، بذهول مشت نحو الحائط، مدت يداً مرتعشة لتمسك بالصورة وقبل أن تصل إليها، فُتح باب الحمام الملحق بالغرفة، يصاحبه صوت رغم أنه كان مألوفاً لديها لكنه جمدها في مكانها.
(ما الأمر يا حبيبتي؟) سألها حين رآها ساكنة دون حراك، ويدها نصف ممدودة نحو الصورة، بعد تردد دام لحظات التفتت، لتواجه زوجها الواقف على باب الحمام، يلف منشفة بيضاء حول خصره بينما يقطر الماء من شعره الأسود الغزير، فتحت فمها لتتحدث لكنها أطبقته مجدداً، واكتفت بالتحديق فيه بنظرات ذاهلة..
ماذا حدث؟ سألها بقلق وهو يقترب نحوها..
(لا تقترب) صاحت بفزع، تجمد مكانه بينما رمقها بنظرة حيرة، بلعت ريقها وهي تنقل بصرها بينه وبين الصورة والنافذة المفتوحة، وبعد صمت طويل قالت وهي تشير نحو الصورة:
(ما هذا؟)
وقبل أن يجيب أشارت بحدةٍ نحو الحديقة..
(لكنك كنت معي للتو في الحديقة!) عادت خطوات للوراء حتى التصقت بزجاج النافذة (كما أنك لا تزال تجلس على الكرسي هناك) قالت وهي تنظر من خلال الزجاج.
(حقاً!) قالها مقطباً جبينه، اقترب من النافذة وسألها (أين؟!) استقر نظره على الرجل الجالس على أحد كراسي الحديقة ويقرأ في جريدة (يا إلهي إنه أنا بالفعل!) قالها بنبرة جادة قبل أن ينفجر ضاحكاً، مسح الماء عن شعره وهو يقول (وهل هذا ما أفزعكِ؟!).
حاولت الابتعاد عنه لكنه أمسك بها، همس في أذنها (لا تفزعي يا حبيبتي فهو ليس حقيقياً)..
(ماذا؟!)
(ولا أنا أيضاً) قال مستدركاً، ثم أكمل (فزوجك مدفون في مدافن العائلة، أم أنك نسيتِ حادث البارحة!)
حملقت فيه بنظرات مرعوبة، وبيدين مرتعشتين.. لمست الشامة التي تعلو شفته العليا والتي طالما أحبتها في وجه زوجها، قبل أن تسحبها بغنة..
(ومن أنت إذاً؟!)
(طيفه)
نظرت من النافذة بسرعة ليكمل ضاحكاً (هو أيضاً مجرد طيف.. وأنتِ أيض..) وقبل أن يكمل جملته فتحت الخادمة الباب دون أن تستأذن، وضعت بعض الأغطية في الدولاب، نظرت ملياً ناحية الحمام المفتوح، قبل أن تتسمر نظراتها على قطرات الماء المتناثرة على أرضية الغرفة، شهقت بفزع وهي تغادر الغرفة بسرعة وتغلق الباب وراءها بقوة.
هنيهات وهبت ريح باردة من النافذة المفتوحة، بعثرت الأوراق المكدسة على الطاولة، وأمالت الصورة المعلقة فوق المدفأة حيث تظهر سيدة شابة تجلس فوق أحد كراسي الحديقة وخلفها يقف زوجها بشعره الأسود الغزير، والشامة التي تعلو شفته العليا، وبعناية لُف شريطاً أسود حول زاوية الصورة.

ذو صلة
التعليقات