مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

الاستقلال المعرفي

يعد الاستشراق امتداداً للاستعمار الأوروبي الإمبريالي في القرنين الثامن والتاسع عشر الذي أسس لوجود (عالم شرقي وعالم غربي)، وعلى أساس هذا التقسيم نشأ علم الاستشراق كعلم بعد الغزو الفرنسي لمصر 1798، حيث رافق نابليون علماء في تخصصات متعددة، وبعد بضع سنوات كانت باكورة أعمالهم مجلدات (وصف مصر)، وفي مقابل ذلك كانت محاولة رفاعة الطهطاوي في كتابه (تلخيص الإبريز في تلخيص باريز) عام 1834، والمغربي محمد بن عبد الله الصفار في كتابه (رحلة الصفار إلى فرنسا) 1846.
وكان كتاب حسن حنفي (مقدمة في علم الاستغراب) 1991 محاولة للدخول إلى تأسيس استغراب عربي- إسلامي على اعتبار أن المواجهة مع الغرب هي ثقافية دون النظر إلى الاستشراق كعلم ثقافي عبر الإنتاج الثقافي الغربي، حيث كان محصلة لتطور في الإنتاج المادي وتعبيراً عنه، وكانت محاولة حنفي تتلخص في أن الثقافة العربية قادرة على النهوض وأن تشكل بديلاً معرفياً.
ولذلك كان لا بد لنا من البحث عن الأدوات المناسبة والملائمة لإنشاء علم الاستغراب، وفحص مدى توافرها قبل الحديث عن الاستغراب كعلم ومفاعيله. من هنا علينا فحص واستجلاء هذه الآليات ومدى إمكانية قيامها في الواقع العربي، من هذا المنطق سنناقش هذه المسألة دون استرهاب فكري فرضته الاتجاهات القومية أو الدينية.
أولاً: قبل الشروع في دراسة الغرب يتوجب دراسة محاولات الشعوب الأخرى التي قامت بدراسات مشابهة كتلك التي أجريت في اليابان والصين والكوريتين، (البارقي، 2016: 169)، مما يوفر للباحثين معلومات وطرائق بحث جديدة ومستجدة. وهذه تبين أن تلك الدراسات كانت لها أهداف اقتصادية، ووجدت في بلدانها مؤسسات ترعى وتمول تلك الدراسات، وهو ما لا يتوافر في أقطارنا العربية.
ثانياً: العمل على إنشاء مراكز علمية وبحثية ذات مصداقية علمية تعنى بشؤون الغرب ودراسة مجتمعاته، وتقوم تلك المراكز بتصنيف المعلومات وتحليلها والتوصية بتكليفات علمية للباحثين بشأن البحوث اللازمة وتحديد أولوياتها. وهنا جدير بنا أن نراجع كم الدراسات العلمية البحثية التي أجريت في العالم حول الغرب، والاستفادة من التجارب، فعندما عاد رفاعة الطهطاوي من فرنسا ووضع كتابه (تلخيص الإبريز في تلخيص باريز) أنشأ دار الألسن لتتولى ترجمة العلوم لغايات تعليمها وتعلمها.
ثالثاً: الوقوف أمام فكرة الكتاب الإسلاميين ومقولاتهم حول الغرب، وأن الصراع معه هو صراع ثقافي، ونقد هذه المقولات، والاستفادة من علم الاستشراق ووظائفه التي أنجزها دون إغفال للجانب الحضاري والدوافع الدينية للاستعمار الغربي المولد والراعي للاستشراق والمستفيد من نتاجاته العلمية والمعرفية. إن الاستعراب وظيفته إظهار مركزية عربية في مواجهة المركزية الأوروبية (بلخوان، 2017: 29)، وأن الصراع مع الغرب هو للحصول على الاستقلال الاقتصادي والسياسي وبالتالي المعرفي، وهو ما يحتاج إلى إرادة سياسية نرى أنها تبتعد عن المنال في السنوات الأخيرة، حيث تنقسم الساحة السياسية العربية إلى محاور متصارعة ومتناحرة.
رابعاً: النظر لأقسام بحوث الاستشراق في الجامعات العربية والعمل على تطويرها ودعمها مثل: قسم الاستشراق جامعة طيبة والذي تحول إلى مجرد شعبة في قسم العلوم الاجتماعية بكلية التربية، لنستنتج أن ما هو قائم لا يسمح إطلاقاً بالحديث عن دراسة للغرب أو التفكير بما سمي (علم الاستغراب)، إذا علمنا أن الجامعات العربية ومراكز البحث فيها تتجاوز بضعة آلاف.
خامساً: لدى مراجعة الدراسات والأبحاث العلمية والأكاديمية نجد أنها دون أن تسمى خجولة في دراسة الغرب، بل ونجدها متناثرة ومشتتة بالجغرافيا فضلاً عن التوجهات التي اعتمدها معدوها، ويمكننا الزعم أن تلك المؤتمرات والورش التي تنادى المشاركون فيها بالرد على الاستشراق بـ(علم الاستغراب) ليسوا أكثر من منادين لأفراد أيدولوجية ولا يستندون إلى مؤسسات تحرص على البحث. وفي نفس الوقت ستبقى أي محاولة لدراسة الغرب مفرغة من مضمونها وجدواها ما لم تتبع مؤسسة بحثية معنية وصاحبة مصلحة في البحث بالتعرف على المجتمعات الغربية والكشف عن ميكانزمات العمل داخلها.
سادساً: للشروع بالتفكير بدراسات علمية ومعرفية للمجتمعات الغربية علينا أن ندرك أن تلك المجتمعات مستقلة عن بعضها وبينها من التباين في التطور الاقتصادي والاجتماعي وفي الجانب السياسي أيضاً، فلا يمكننا الحديث عن دولة مثل فنلندا أو البرتغال، أو إسبانيا واليونان مقابل بريطانيا وفرنسا، أما الولايات المتحدة فهي عالم آخر مختلف تماماً. إن إدراك هذه الحقيقة يفترض بمن يسعى لدراسة الغرب أن يصنف الدول ومجتمعاتها وأن يسعى لوضع جدول بالدول والمسائل التي يجب أن تبحث عنها.
سابعاً: أن الجاليات العربية في أوروبا الولايات المتحدة مشتتة، بل هناك أكثر من تجمع للجنسية الواحدة من الدول العربية، وعلى الرغم من العدد الكبير لتلك الجاليات فإنها لا تستطيع تقديم ما هو مهم في التأسيس لعلم الاستغراب وستبقى أي محاولات مجزوءة وغير فاعلة.
خاتمة
البقاء في الوهم عن مشروع عربي لعلم الاستغراب يبدو بعيد المنال وذلك ليغاب الإرادة النابعة من المصلحة لكل قطر عربي على حدة، ناهيك عن التشتت والتناحر البيني بين الأقطار العربية ومحاورها المدمرة، فإذا استطعنا المحافظة على الإطار الحالي من علاقات، ولإن شابها التوتر؛ فهذا مكسب كبير. فالانشطار والتناحر سمة المرحلة حتى القادمة إلى حين.

ذو صلة
التعليقات