مجلة شهرية - العدد (530)  | نوفمبر 2020 م- ربيع الأول 1442 هـ

في ماهية الملاذ

في لغة العرب نقول: لاذَ بالشيء أي استتر وتحصّن. والملاذ هو الحصن. ولاذ به أي لجأ إليه وعاذ به. فالملاذ هو الملجأ والمعاذ. واللاذة نوع من الثياب. والملاوذ هي المآزر. ويظهر لدينا أن الحقل الدلالي الكامل لجذر (لوذ) هو التحصن والاستتار والاعتصام والالتجاء. لكن ثمة معاني مضمرة كالعودة. فالمرء يلوذ إلى مكانٍ ما بعد أن تطوّح في الأرجاء وتاهت نفسه في أمكنة أخرى ليست مألوفة لديه. والملاذ سكنٌ، فيه تسكنُ الروحُ وتهدأ وتأمن. والسكن، حسب هايدجر، ليس مجرد وسيلة بل هو طريقة في الوجود. فمن طبيعة الإنسان أن يكون -في- سكن. كل كائنٍ يبحث عن ملاذ؛ فالحيوان والطير له ملاذه الخاص به. والبشرية سكنت الكهوف قديماً بحثاً عن الأمن والطمأنينة. وتطور الكهف حتى صار قصراً منيفاً.
هناك ملاذاتٌ معنوية؛ ملاذات للعقل وللنفس، وليس فقط للجسد. فاللغة ملاذ، ومن يتبلبل لسانه في لغاتِ أقوام آخرين يشعر بالاغتراب، ولا يهنأ له بال حتى يستقر في لغته الأم. والهوية ملاذٌ؛ فهوية المرء هي الإطار الروحي الذي يُشبِع في المرء رغبة الانتماء. والمرء بدون هوية يشعر بأنه بلا سكن: أي أنه لا يعيش وجوداً أصيلاً.  
أول ملاذٍ خبره الإنسان هو بطن أمه. وبطن الشيء خلاف ظهره، والباطن عكس الظاهر. والظاهر هو ما يظهر ويتجلى وينكشف. و(الظاهرة) في العلوم هي ما يتبدى للعقل وللحواس. والولادة هي أول تجلٍّ للكائن، وهي خروج إلى الوجود. الوجود عبء؛ لأن الإنسان منذ أن يولد يصبح كائناً مستقلاً، أو في طريقه إلى الاستقلال. والإنسان بطبعه حرٌّ، وحريته تقتضي منه أن يكون وحدَه مسؤولاً عن نفسه وعن عمله.
قلنا إن الوجودَ ظهورٌ وانكشاف، وقبل ذلك لم يكن ثمّ سوى الباطن ملاذاً. والباطن ضرب من العدم؛ أي عدم الظهور. وإرادة الحياة عند الإنسان تجلب له المشقة والتعب والنَّصَب. فمنذ أن يعي المرء إرادته (أي أنه كائن حر مريد) ويسلك بناء على مقتضياتها من حب للمجد والقوة والشهرة (الظهور) والكسب حتى يشرع في طريق شاق ومليء بالمغامرات. عناية المرء بوجوده وسعيه في تحقيق ذاته أمر مرهق. وكل انكشاف وتجل ينطوي على مخاطرة. من هنا تحضر الملاذات بوصفها مسكناً (سكناً وسكينة)، وبوصفها أفقاً خاملاً يشبع رغائبَ الهدوء والطمأنينة والكسل والأمن. وكل الكلمات التي تحمل معنى اللوذ والملاذ كوطن وسكن ومقر وإقامة تحتوي على دلالات السكون والتوقف وانتفاء الحركة. فنقول: عليك أن توطّن نفسك أي أن تروضها وتحملها على السكون والطاعة، الحاجة إلى السكن والوطن والملاذ هي ذات طابع أنطولوجي عميق، مرتبط بالولادة بوصفها أولَ عتبةٍ لوجود الإنسان (الدازاين)؛ فالإنسان يوجد ليس منعزلاً بل في العالم ومع الآخرين. إن العدمَ جزء من الوجود، وبالأحرى هو طريقة لوجود الكائن. الميل للاختفاء، للفناء، للموت، هو ميل طبيعي في الإنسان.
يميز هايدجر بين وجود أصيل ووجود زائف. الأول هو الوجود الذي يكون فيه المرء هو هو، فلا يكون تابعاً للقطيع (للهُمْ)؛ ويكون حراً ويتحمل تبعات حريته. وأما الزائف فينخرط فيه المرء في (الهُمْ) ويصبح مجرد عدد ولا يكلف نفسه أيَّ وسعٍ سوى تقليد الجماعة. فيختار ليس بناء على إرادته بل على إرادة الجماعة التي ينتمي إليها. المرء ذو الوجود الزائف لا يشعر بالشقاء الوجودي ولا بالاهتمام بذاته بوصفها وجوداً حراً. إن الالتجاء إلى حضن الجماعة هو وليدة الرغبة الدفينة في العودة إلى رحم الأم؛ إلى جسدها بوصفه ملاذاً سلبياً خاملاً.
وجود الإنسان هو جدل متوتر بين حدينِ أنطولوجيين: الولادةِ والموتِ. هذا التناهي، أي عدم إمكانية الخلود، سبب في نشوء مفهوم الزمن. فالوعي البشري هو وعي زماني، أي وعي يميل إلى تقسيم علاقتنا بالعالم بوصفه خبرة ماضية (ذكرى)، وخبرة حاضرة (إدراك)، وخبرة مستقبلية (توقع). فالزمن لا يقيس العالمَ بل خبرتنا به (يعد إدموند هوسرل أبرز من فسر الزمن من خلال الخبرة القصدية). هذا أفضى إلى حقيقة أن الإنسان يشعر بأنه يسابق الزمن. وفي غضون هذا السباق، يفقد الإنسان كثيراً من الخيارات، ويعاني من القلقِ بوصفه شعوراً أنطولوجياً بالدرجة الأولى لا سيكيولوجياً. هذا القلق، بعبارة أخرى، نتيجة لصراع الإنسان مع عدد كبير من الممكنات التي لا يسعه تحقيقها كلها بل عليه أن يختار منها ما يساعده في تحقيق ذاته. وكل اختيار هو تحويل لما هو ممكن إلى ما هو فعليّ. فالمهندس المعماري يحمل في رأسه نماذج مثالية للمنزل، لكنه يضطر إلى أن يختار واحداً من هذه النماذج الممكنة وينجزه على أرض الواقع. والإنسان في حياته اليومية يقوم بتحويلات مستمرة. وينتج عنها القلقُ، ولكن أيضاً الحسرةُ والإحباط والشعور بالعجز. فعندما يريد المرء شراء سيارة فإنه يحتار بين عشرات الماركات، ولا يدري ماذا سيختار. فإذا وقع اختياره على سيارة معينة فإنه مع ذلك يظل يحمل في قلبه شيئاً من التحسر والندم على إهدار ممكنات أخرى. وقل مثل ذلك في كل سلوك يقوم به المرء: في الزواج، وفي الدراسة، وفي العمل، وفي كل شيء... هناك احتمالات عديدة واختيار واحد. ومن ثم فالقلق طبيعة للوجود الإنساني بوصفه وجوداً حراً ومتناهياً في الوقت عينه.
ممارسة الوجود ليست شيئاً آخر سوى ممارسة الاختيار، أي ممارسة المرء لحريته. وهي ممارسة مزعجة ومؤذية، ولذا فكثير من الناس يسلّم مصيره لغيره لكي يمارسوا الاختيار بدلاً منه. فالرجل منا يتزوج المرأة التي اختارها أهله، ويشتري السيارة التي يختاره له رفاقه، وهكذا. وهذا هو الوجود الزائف: اتخاذ الجماعة ملاذاً. فالملاذ هو أفق يقوم فيه المرء بالتنازل عن حريته ويسلم نفسه إلى غيره ليحظى بشيء من السكينة والهدوء.
رغم ضرورة الملاذ لكل إنسان، إلا أنه قد يكون قيداً على حريته وروحه وعقله. فالسجن سكن أيضاً، والسكن الذي يفقد فيه المرء حريته يصبح سجناً. فالملاذ الأصيل هو ما يجعل من الممكن أن أتركَه لأعود إليه لاحقاً. يقول بول ريكور (لكي تجد نفسك، عليك أولاً أن تفقدها). فالمغامرة والاتجاه نحو الآخر والاغتراب عن الأنا ضروري من أجل تحقيق الذات. وهذا يجعلنا نميز بين ضربين من الملاذات:
ملاذ مغلق (مثل السجن)، وملاذ مفتوح (مثل المنزل).
الهوية ملاذ. ولكنها قد تكون سجناً أو قد تكون منطلقاً للإبداع. فإذا كانت الهوية الثقافية لا تسمح لأبنائها بأن يغادروها ولو لبرهة فهي سجن كبير. وكذلك الحال مع اللغة والوطن والتراث. والهوية المنغلقة تقهر أبناءها قهراً لكي يتقولبوا داخل أطرها المتحجرة. أما الهوية المنفتحة فهي مرنة وتقبل أن يدخل إليها الهواء ويخرج منها. واللغة التي لا تقبل التواصل مع اللغات الأخرى تتيبس فتتكسر فتموت.
هذه هي البنية الجوهرية لمفهوم الملاذ: إنه مكان تسكن فيه أرواحنا وأجسادنا لكي نعاودَ الوجود من جديد. والملاذ باطن، والوجود ظاهر. وفي الملاذ لا تتحقق ذواتنا، بل تموت فينا الإرادة مؤقتاً، لكي نظهر، لاحقاً، في شكل أنطولوجي أكثر حيوية وتجدداً. فكما أن أبداننا تحتاج إلى النوم لكي تنهض نشيطة، فإن أرواحنا تحتاج إلى السكون لكي تتجدد. وهذه وظيفة الملاذ. أما الملاذ الذي يحتجز الأبدان والأرواح فهو مجرد سجنٍ لا غير. وهذا ينطبق على كل ملاذ معنوي كالهوية والثقافة واللغة؛ فهي إما أن تكون سجناً أو منطلقاً لمعاودة الركض في مسارب الحياة.

ذو صلة
التعليقات