مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

في الحاجة إلى درس أحمد أمين في الأخلاق

في الحاجة إلى درس أحمد أمين في الأخلاق

أحمد منيرة: المغرب
لئن كان من سؤال حارق يفرض إعادة طرحه اليوم، في زمن العولمة الجارفة؛ فهو سؤال: الأخلاق. وقد نحتاج -دون خجل- إلى مراجعة درس أحد مفكرينا في الأخلاق، من طينة المفكر والأديب الإسلامي: أحمد أمين (1886 - 1954).
نظرية الأخلاق عند أحمد أمين
في كتابه المتميز (كتاب الأخلاق) يذهب أحمد أمين إلى أن الأخلاق علم، يوضح معنى الخير والشر، ويبين ما يجب أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم لبعض. كما يشرح الغاية التي ينبغي أن يقصدها الناس في أعمالهم، وينير السبيل لعمل ما ينبغي القيام به. ومن حيث الموضوع، يهتم علم الأخلاق بالأعمال الإرادية، أي، تلك التي تصدر عن الشخص بفعل إرادي. ومن ثم فالمسؤولية الأخلاقية لا تكون إلا إذا توافر شرط الإرادة. ولولا أن إرادة الناس حرة في اختيار الخير والشر لما وجد معنى للتعاليم الأخلاقية، ولما وجد معنى للثواب والعقاب والمدح...
ويرى أمين، إذا كان القانون لا يستطيع النهي عن الكذب والحسد... فالأخلاق تنهى عن ذلك، وتسأل الإنسان عن نياته. وتكل المكافأة عن الحسنات والسيئات إلى الله وإلى ضمير الإنسان. والضمير قوة كامنة في أعماقنا، لها وظيفتان: الأمر بفعل الواجب والنهي عن فعل الشر. وإذا رقى الإنسان رقى ضميره. والأمة التي تقدر النظام في الحياة تقديراً كبيراً يكون أبناؤها أشد إحساساً به، وضمائرهم أقوى بالمطالبة باتباعه.
إن الضمير يتأثر بالحالة الاجتماعية للأمة وعرفها ودرجة رقيها ودرجة عقل وعمل الإنسان. وكلما ارتفعت درجة علم الإنسان، ارتقى ضميره. والضمير ينمو بالتربية ويضعف بالإهمال. ومما يساعد على نموه قوانين البلاد الصالحة -في نظر أمين.
كما يذهب أحمد أمين إلى أن الحكم الأخلاقي هو أن تحكم على الشيء بأنه خير أو شر. ولا يصدر هذا الحكم إلا عن الأعمال الإرادية، فما لم تكن إرادة لا يصدر حكم أخلاقي. ويجب الحكم عن العمل بأنه خير أو شر نظراً لغرض العامل منه، لا نظراً لنتيجته. وعليه فالحكم على الفعل بأنه نافع أو ضار تبعاً لنتائجه ليس حكماً أخلاقياً. وبهذا الصدد، رأى الباحثون -حسب أمين- أن الحكم الأخلاقي تدرج في الرقي بتدرج الناس من العرف إلى العقل والاستدلال. فأصبح الحكم الأخلاقي ينبني على ضوابط علمية تصلح لكل أمة في كل عصر.
وبالرغم مما قدمه أحمد أمين من شروح حول الحكم الأخلاقي، فهو يقر أن الباحثين لم يتفقوا حول (المقياس الأخلاقي)، ولم يجيبوا عن الأسئلة الماضية جواباً واحداً، فقد تعددت المذاهب. فيرى فريق (مذهب السعادة الشخصية) أن الإنسان يجب أن يطلب أكبر لذة لشخصه، وأن يوجه أعماله للحصول عليها. ولذلك فعيبه الكبير في نظر منتقديه هو أنه يجعل من صاحبه أثراً (أنانياً). ويذهب أصحاب مذهب السعادة العامة إلى أن ما ينبغي أن يطلبه الإنسان في الحياة ليس سعادته الشخصية، وإنما يجب أن يطلب أكثر سعادة الناس.
وعلى النقيض من مذهب السعادة بفريقيه -يقول أمين- يوجد مذهب اللقانة (البصيرة) الذي يرى المؤمنون به أن في كل إنسان قوة غريزية باطنة يميز بواسطتها بين الخير والشر بمجرد النظر. وهو مسؤول أمام ضميره عن طاعة القانون الأخلاقي ومسؤول أمام الله.
من جانب آخر، يبين الكاتب أن العلاقة تلازمية بين الفرد والمجتمع، ويبرز أهمية المثل الأعلى في حياة كل شخص. فالمثل الجيد يبعث في الإنسان روح العمل، ويزيد في نشاطه وقوته، ويصحح حكمه على الأشياء. ويتطرق أمين إلى سؤال الحق والواجب، فما للإنسان يسمى (حقاً) وما عليه يسمى (واجباً). وإذا كان القانون الوضعي هو الملزم بحماية حق كل واحد فإن القانون الأخلاقي هو من يلزم صاحب كل حق باستعماله فيما لا يضر الناس. ويبقى الاتصال الوثيق بين الفرد والمجتمع هو أساس فكرة الحق والواجب. وإذا كانت الحرية حق للفرد، فلا بد من تقييدها في نظر أحمد أمين، فالحرية هي (القدرة على عمل كل شيء لا يضر بالغير).
يوضح أمين أن من علماء الأخلاق من قسم الواجب إلى واجبات شخصية وواجبات اجتماعية وواجبات إلهية. وقسمه آخرون إلى قسمين: واجبات محدودة، يمكن أن يكلف بها الأشخاص على السواء، ويجب أن توضع في قانون الأمة. وواجبات غير محدودة، لا يمكن وضعها في قانون الأمة مثل الإحسان؛ لأنه لا يمكن تعيين مقداره. ويقدم لنا أمين ثلاثة دروس راقية: أ- ارتباط الواجبات بالتضحيات من أجل خير الإنسان. ب- ضرورة استعمال العقل والتفكير. ج- الأثرة (المغالاة في حب الذات) والجهل، من أهم أسباب الوقوع في الرذائل.
وفي الفصل الأخير، يعرف الكاتب الفضيلة بأنها الخلق الطيب. والخلق (عادة الإرادة). فإذا اعتادت الإرادة شيئاً طيباً سميت هذه الصفة فضيلة. والفضيلة هي غير الواجب. فالفضيلة صفة نفسية أما الواجب فهو عمل خارجي. وتختلف الفضائل وقيمة كل منها باختلاف الأمم والأزمان. وما يمكن قوله إن الناس جميعاً مطالبون بفضائل عامة من صدق وأمانة وعدل...
استنتاجات
إذا كان مبحث الأخلاق مبحثاً فلسفياً بامتياز؛ ففي هذا الكتاب اختار أحمد أمين دراسة الأخلاق في جانبيها التربوي والعملي، هادفاً إلى جعلها ممارسة وسلوكاً لدى أبسط مواطن في الوطن العربي. وعلاوة على ذلك تفيد القراءة المتمعنة في هذا الكتاب في تسجيل ثلاثة استنتاجات مهمة:
أولاً: سمو المسؤولية الأخلاقية على المسؤولية القانونية:
لا تكون المسؤولية القانونية قائمة إلا إذا توافرت للقضاء الأدلة المادية الملموسة عن فعل ما. فالإنسان كما جاء في الكتاب يسأل أمام القضاء إذا خالف قانون البلاد. لكن، لا يستطيع القانون أن يمنع الناس من الكذب والحسد... وعلى العكس من ذلك، فنطاق المسؤولية الأخلاقية واسع، حيث إن الأخلاق تنهى عن النفاق والكراهية، وتنهى عن أكثر من ذلك. فيشعر من تربى على الخلق الحسن بالمسؤولية الأخلاقية، ويخاف معاقبته من طرف ضميره ومن الله. كما أن الأخلاق تسأل الإنسان عن نياته.
ثانياً: كلما رقى الإنسان رقى ضميره ثم أخلاقه:.
إذا كان الضمير هو تلك القوة الكامنة في أعماق أنفسنا التي تأمرنا بفعل الخير والقيام بالواجب، وتنهانا عن فعل الشر؛ فإن هذا الضمير ينمو بالتربية والعلم. نستنتج أن للأسرة والمدرسة والدولة مسؤولية جسيمة في تربية النشء والشباب على الخلق الحسن وتعليمه. ونتفق مع أحمد أمين على أن قوانين البلاد الصالحة، تساعد على نمو الضمير وتزيد في سلطانه وتشارك الأخلاق في الأمر بالخير.
ثالثاً: تلازمية الحق والواجب:
يقدم أحمد أمين قاعدة من أهم قواعد المواطنة وهي: تلازم الحق والواجب. هذه التلازمية تجعل من حق المواطن على الدولة أن توفر له العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون؛ وتفرض عليه واجبات، منها: أداء الضرائب، واحترام القانون، والدفاع عن حوزة الوطن.
وفي الختم
تبقى الحاجة إلى درس أحمد أمين في الأخلاق، قائمة اليوم بإلحاح في وطننا العربي، لإعادة التوازن والدفء للذات العربية ولدرء الظلم الخارجي وإرجاع الكرامة للإنسان العربي.

ذو صلة
التعليقات