مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

نحو مسرح مدرسي مليء بالقيم

يبدو أن مجال القيم لا يعرف استقراراً، ولن يعرف ذلك؛ نظراً لكون الإنسان في تطور دائم، ينسلخ عن جلدة ويلبس أخرى، ليتماشى مع العصر وتطوراته. وبالتالي فلم يعرف الإنسان في حيواته نوعاً تربوياً واحداً أو منظومة واحدة من القيم، وإنما تبنى قيماً وترك أخرى، وعدل عن مجموعة وعاد إلى أخرى قديمة. وهكذا سار في تشكيل قيمه وسلوكاته حسب رؤيته النموذجية للإنسان المنشود.
كما أن أهداف التربية دائماً وعبر العصور كانت تستجيب لمستجدات العصر ومتطلباته وللقيم التي تريدها تلك الحضارة، لتتلاءم مع توجهاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية. فالنظام التربوي يسعى أولاً إلى معرفة القيم السائدة في مجتمعه والمثل العليا التي يطمح إليها حتى يتمكن من معرفة القيم التي تؤطر مجتمعه، ليحاول خلق توازنها أو تعديلها أو ترتيبها حسب أولوياته وحسب تحديات العصر، ومن ثم تكون الأهداف والغايات التعليمية والتربوية التي سيعمل المدرس والمدرسة على نشرها واضحة تتوافق والقيم المنشودة. ويعد المسرح المدرسي أحد الوسائل الناجعة لخلق متعلم ذي شخصية فعالة في مجتمعه، لما له من قدرة كبيرة على الربط بين التفاعلات الحاصلة في الممارسة الصفية وقرينتها الحاصلة في الوسط المدرسي بشكل عام، والتي تتعدد فيها السلوكات المختلفة سواء تلك التي تعمل عليها الأندية التربوية أو التي يكتسبها المتعلم ويحاول صياغتها وحده. وبالنظر إلى العصر الراهن فإن وظيفة المدرسة في تلقين القيم أو خلقها أصبحت تتخللها صعوبات جمة، فظهور وسائل الإعلام والتكنولوجيا على الخط، وما تروجه من مصادر معلومات مختلفة، ومواضيع كثيرة تصل إلى حد التناقض، أضف إلى ذلك مؤهلاتها التأثيرية والإقناعية، التي لا تترك للمتعلم من خلالها فرصة، إلا الخوض فيها تحت مفعول التأثير والإيهام. كل هذا، يجعل أمر تحقيق تكامل في القيم لدى المتعلم أمراً صعب المنال.
يمكن للمسرح المدرسي أن يلعب دور تصحيح هذه المسارات الخاطئة التي تفرضها التناقضات الحاصلة بين ما تريده المدرسة من قيم، وما تفرضه وسائل الإعلام والتواصل التكنولوجي من اختيارات مغرية تصل في جوانبها السلبية إلى التفاهة واللاأخلاقية. وللعمل على ذلك، لا بد من تفعيل دور محترف المسرح المدرسي وضخه بوعي شامل حول هذه الاختلالات الحاصلة في منظومة القيم، محاولاً بذلك خلق الانسجام بين قيم المقررات الدراسية والممارسات الصفية والممارسة الثقافية، وبين ما يثار من سلوكات في الحياة الاجتماعية. كما وجب الإدراك بأن العالم الحالي بما وصل إليه من تطورات مبهرة، لا بد له أن يروج مظاهر أخرى سلبية تدعو إلى الحروب، والإرهاب، والعنف، والإقصاء، والقهر، والعنصرية، والتطرف.. إلخ، وبالتالي فالعمل في إطار المسرح المدرسي يجب أن يقوم على مشروع ذي أهداف قيمية لا ترفيهية فحسب، من بينها العمل على جعل المكونات الدرامية للمسرح المدرسي في خدمة القيم وخلقها وترسيخها.
يعتمد تقمص الأدوار في المسرح المدرسي على مجموعة من التدريبات الخاصة أولاً، فقبل الشروع في التدرب على دور معين لا بد لمجموعة الممثلين المتعلمين أن يمروا بورشات خاصة يقدمها مؤطر المسرح، حيث يتم فيها تمرير مجموعة من القيم التي تفرز لنا عناصر مثل الانسجام والتواصل الفعال مع الذات ومع الآخر، إنها بمثابة ورشة حول التواصل الحسي الحركي، تقوم في مجملها على مجموعة من التمارين التي تنهل من مناهج متعددة للتشخيص، كمناهج ستانسلافسكي، ومايرخولد، وبريشت. ويسعى المؤطرون من خلالها إلى اعتماد تقنيات وإجراءات ومحاولة إكسابها للمتعلمين بشكل مستمر في بداية كل حصة من حصص المُحترَف المسرحي، قبل التدرب على تشخيص الأدوار المسرحية. إن هذه التقنيات في حد ذاتها دعوة إلى اكتساب مجموعة من القيم، كالقيم الاجتماعية التي تجسدها تقنيات التدرب على التواصل مع الآخر والمجموعة، مما يحدث قيماً متعددة كوحدة الجماعة والتعاون والصداقة والتواضع والتسامح.. حسب منظومة وايت، كما يمكن فرز مجموعة من القيم الترويحية حسب نفس المنظومة، فتطبيق هذه التمارين التي هي عبارة عن ألعاب هادفة تمرن الجسد وتطور الذات وتُفعل الحواس، تظهر قيماً مثل التسلية واللعب، الخبرة الجديدة، المرح، الإثارة.. كما يمكن الوصول بذلك إلى مجموعة من قيم تكامل الشخصية، كالتكيف، والأمن الانفعالي، واعتبار الذات والسيطرة عليها، والقوة والتركيز..
إن ما يجعل المتعلم يتشبع بالقيم المستهدفة أيضاً، هو خلق شخصيات درامية مناسبة لذلك، عبر توظيفٍ سليمٍ للشخصيات الوطنية والتاريخية والدينية والتراثية، لما للوطنية من تأثير لجعل الممثل المتعلم والمتلقي أثناء التشخيص والتلقي، واعياً بالقيم الوطنية، كحب الوطن وتأكيد الهوية، والتشبث بالقيم الوطنية بمفهومها الشامل. وما للشخصيات الدينية أيضاً، كالصحابة والأولياء والأئمة، من إمكانية لترسيخ قيم الخير والدعوة إلى الصلاح والتشبث بمظاهر الدين وقيمه التي تدعو إلى التسامح والتضامن والتعاون، والبر والإحسان، والكرامة والكرم والتضحية.. كما يمكنها أن تصحح السلوكات المنافية التي يروجها مفهوم الإرهاب والتكفير. كما أن الشخصيات التراثية والأسطورية يمكن أن تُوظَف في تنمية الذوق الجمالي، والدعوة إلى الانفتاح على التراث الشعبي والمحافظة على التقاليد الأصيلة من التلف الذي قد يصيبها في ظل التطورات الرقمية للعالم الحالي.
تلعب الشخصيات المجازية أيضاً دور إلصاق القيم بأصحابها، حيث تطرح القيم التي هي عبارة عن مفاهيم مجردة، كالوفاء، والصدق، والطاعة، العدالة.. ونجعلها شخصيات ذات ملامح تعبر عن سلوكاتها. فيكون المتعلم أمام شخصية اسمها الوفاء وأخرى الصدق.. بما قد يخدم القيم الأخلاقية للمتعلمين ويثبتها فيهم، لأنه يدرك في النهاية أنه شخص حقيقي وُضع محل ثقة في الوفاء أو في الصدق أو في غيرها من القيم الأخلاقية. كما يمكن للمسرح المدرسي أن يعتمد كذلك ما يسمى بالشخصيات النمطية التي تهدف غالباً للنقد الاجتماعي أو الإضحاك، عبر جعلها ذات طابع كاريكاتوري. ومن الشخصيات النمطية مثلاً، اعتماد شخصيات ثنائية تبرز قيما متناقضة، كشخصيتي البخيل والكريم، والأبله والذكي، والغني والفقير.. وغالباً ما نستمدها من شخوص تراثية، كجحا، وأشعب الطفيلي، وحديدان، والبوهالي.. ويمكن من خلالها أن نمرر مجموعة من القيم الأخلاقية والاجتماعية.
يستدعي الإعداد للنص المسرحي المدرسي شروطاً معينة لتحقيق القيم المنشودة، فتجربتنا الخاصة في مُحترَف المسرح المدرسي، جعلتنا ننظر بشدة إلى الوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه المتعلمون، فهناك فوارق عديدة تمت ملاحظتها خصوصاً في مجتمع متعدد الثقافات يحوي متعلمين يمجدون لغات أخرى وثقافاتها، وآخرون عرب يحاولون إثبات حضورهم باستظهار ثقافاتهم، ثم المستجدون على هذه الثقافة بما فيهم الأساتذة نفسهم. بالتالي فالعمل على إعداد النص سيحمل ميزة أساسية تنطلق من المبادرة الفردية للمُؤلِف إلى المبادرة التشاركية مع المتعلمين ذوي الفوارق الاجتماعية والثقافية. هنا تحضر مجموعة القيم الاجتماعية لدى كل من وايت وألبورت، حيث يتم فيها التركيز على وحدة الجماعة، والتواضع، والتسامح، وحب الناس، وترسيخ قيم الصداقة، واتجاه الفرد وميله إلى غيره من الأفراد.
إن ما يحقق هذه القيم الاجتماعية ويحاول ترسيخها عبر المسرح المدرسي هو إعداد نص منسجم معها، يمكن من خلاله تحقيق مبدأ التعاون بين المتعلمين رغم فروقاتهم الثقافية، كما يهدف ذلك في فترات متلاحقة إلى نشوء القيم الجمالية في خضم التعاون والإشراك والتفاوض وروح العمل الجماعي الذي تنتجه القيم الاجتماعية، حيث يتم الإحساس بجمالية النصوص وقيمها عند محاولة المتعلمين الاشتغال على النص المسرحي.

ذو صلة
التعليقات