مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

جون ويليامز.. أسطورة موسيقى الأفلام

في تاريخ الموسيقى العالمية، ثمة أعلام يُشار إليهم بالبنان، منهم جون ويليامز John Williams، الثري في أعماله الموسيقية، ذات الخيال الساحر، التي أبهرت الجميع، ومن أروع إبداعاته، معزوفاته للموسيقى التصويرية، في عدد كبير من الأفلام العالمية، قال عنه المخرج الهوليودي ستيفن سبيلبرج: (إنه مولع للغاية بالموسيقى)، ونعته هلوارد سترينجز، رئيس مجلس أمناء معهد الفيلم الأمريكي، قائلاً: (هو مؤلف الموسيقى التصويرية في حياتنا، ومن خِلال عبقريته في دمج الموسيقى بالأفلام، استطاع أن يرفع قيمة هذا الفن، إلى مُستويات خيالية، وأن يُلهم ويثري أجيالاً من المُشاهدين، بسحر الأفلام).
في الثامن من فبراير عام 1932م، ولِد جون تاونر ويليامز، في فلورال بارك، بمدينة نيويورك الأمريكية، كان أبوه عازفاً للموسيقى، في أوركسترا إذاعة C.B.S، لقد انخرط مُنذ نعومة أظافره بالعزف على الآلات الموسيقية، وشجَّعه والده كثيراً على المواصلة في هذا الطريق، استهوى آلة البيانو، وكان يعزف عليها لساعات طويلة، ثم عزف على (الترومبون)، و(البوق)، و(الكلارينيت)، ولم يحب العزف وكفى، بل وبدأ يؤلِّف قِطعاً موسيقية خاصة به.
 وفي ربيعه السادس عشر، انتقل مع أسرته إلى مدينة لوس أنجلوس، وبعد أن أكمل دراسته الثانوية، التحق بجامعة كاليفورنيا، وواصل دراسة التأليف الموسيقي، مع ماريوكا ستلنيوفو تيديسكو، وعقِب أدائه للخدمة العسكرية بالقوات الجويَّة، عاد جون إلى مدينة نيويورك، وفيها التحق بمدرسة (جيليارد) المُتخصصة في الدراما والموسيقى، لدراسة الموسيقى، وكان تركيزه على آلة البيانو، التي تعمَّق في دراستها، وأتقن العزف عليها، مع السيدة «روزيتا ليفين»، وبدأ يُسجِّل مقطوعاته الخاصة.
 ومرَّة أُخرى انتقل إلى لوس أنجلوس، ليبدأ فترة جديدة من حياته المهنية، في الموسيقى التصويرية، باستوديوهات الأفلام، التي كان يعمل بها مُلحنون كِبار، من أمثال برنارد هيرمان، وألفريد نيومان، وفرانز واكسمان.. وخِلال عقد الستينات من القرن الماضي، استقطبته العديد من البرامج التلفازية، لوضع الموسيقي التصويرية لها، كما وضع الموسيقى التصويرية للعديد من المُسلسلات، التي كان لها رواج كبير غي ذلك الوقت.
موسيقى الأفلام
 وكانت الموسيقى التصويرية، التي وضعها جون ويليامز، لفيلم Because Theyre Young، نُقطة انطلاقه في عالم السينما، حيث انهالت عليه طلبات وضع الموسيقى التصويرية، للعديد من الأفلام الكُبرى، والتي صارت علامة مُميَّزة في تاريخ السينما العالمية، ومن بينها:
 موسيقى فيلم الفك المفترس.
 موسيقى فيلم حرب النجوم.
 موسيقى فيلم الحديقة الجوارسية.
 موسيقى فيلم قائمة شندلر.
 موسيقى فيلم إنقاذ الجندي رايان.
 موسيقى فيلم إمبراطورية الشمس.
 موسيقى فيلم أمسكني لو استطعت.
 موسيقى فيلم ولد في الرابع من يوليو.
 موسيقى فيلم سوبرمان.
 موسيقى سلسلة أفلام أنديانا جونز.
 موسيقى فيلم إي.تي.
 موسيقى فيلم وحيد في المنزل.
 موسيقى فيلم حصان الحرب.
 موسيقى فيلم لينكولن.
وغيرها من الأفلام، التي يزيد عددها عن 150 فيلماً.
 لقد كانت الموسيقى التصويرية لهذه الأفلام، بشهادة كِبار المُحكِّمين في جائزة الأوسكار، وأستاذة معهد الفيلم الأمريكي (AFI)، وكذا الأكاديمية البريطانية للسينما، عُنصراً رئيساً في نجاحها، والإقبال الكبير على مُشاهدتها، خُذ مثالاً: في فيلم الحديقة الجوارسية، جاءت المقاطع الموسيقية، التي تتابعت طول الفيلم، مُعبِّرة بشكل مُبهر عن طبيعة حياة الدينصورات، والتعايش فيما بينها، والمواقف التي تتباين على نحو كبير، ما بين الأمومة ومظاهرها التي تتسم بالحنان والعطف، وما بين القتل وما يحمله من وحشية مُفرطة، لقد صاحبت الموسيقى الانفعالات، وجسَّدتها على نحو رائع، لتزيد من مُتعَة المُشاهدة.. مثال آخر: في فيلم الفك المفترس، لامست الموسيقى التصويرية قلوب المُشاهدين، وجذبت أنظارهم، وتغلغلت إلى حواسهم، على نحو غير مسبوق، ورسمت على وجوههم علامات الإبهار، والمراوحة بين الحُزن والدهشة والتأمُّل، خاصة وأن أحداث الفيلم، تتخللها الكثير من مشاهد التوجُّس والحذر والانقباض المُفاجئ، لقد كانت الموسيقى التصويرية، هي البطل في أهم مشاهد الفيلم، حتى أن غير واحد من المعنيين بصناعة السينما في هوليود، صرَّح قائلاً: (ما كان لهذا الفيلم أن يصل إلى ما وصل إليه، دون موسيقاه)، ويُشير روبرت فيلد، (لقد كان عبقرياً في دمج الموسيقى، ليرفع من قيمة هذا الفيلم).
جون.. وستيفن
 لقد تعامل جون ويليامز، مع مُعظم كِبار المُخرجين في هوليود، إلا أن محطته الأهم كانت مع المُخرج ستيفن سبيلبرغ، حيث استمرَّ العمل الوثيق فيما بينهما، إلى ما يزيد عن أربعة عقود..لقد أخرج ستيفن 29 فيلماً سينمائياً طويلاً، كان منهم 28 فيلماً، صنع جون الموسيقى التصويرية لها، لقد التقى الاثنان لأوَّل مرَّة عام 1972م، وحتى ذلك الوقت كان لجون سِجلاً حافلاً بالأعمال الموسيقية، التي حصل بها على جوائز عديدة، ومنها جائزة أوسكار، عن فيلم Fiddler on the Roof، بينما كان ستيفن في الخامسة والعشرين من عُمره، ويوشك أن يقوم بعمل أوَّل فيلم استعراضي له.. يقول جون عن هذا اللقاء الأوَّل: (اصطحبني ستيفن إلى مطعم فاخر جداً، في بيفرلي هيلز، لتناول الغداء، كان الأمر أشبه بالخروج مع مراهق، لا يعرف شيئاً عن آداب المائدة، كان لا يزال يافعاً، فقد كان أكبر بقليل من أولادي، لكن لم يكن الفارق كبيراً، مع ذلك بدا وكأنه يعرف عن نوع الموسيقى التي أؤلِّفها، أكثر مما أعرف أنا، كان يُردد نغمات من أفلام قديمة).
 لقد عرض ستيفن على جون العمل معه في فيلم Jaws، وأطلَعه على السيناريو، ووافق جون، ومنذئذ نشأت أنجح شراكة في عالم موسيقى الأفلام بتاريخ هوليود، وحول هذه الشراكة، يقول مؤرِّخ موسيقى الأفلام جون بورلنجام: (إذا دققنا بشراكتهما في سياق واسع، يشمل العلاقة بين المُخرِج والمؤلِّف الموسيقي عموماً، نتذكر شراكات هيرمان وهيتشكوك، وفيليني وروتا، وبروكوفييف وآيسنشتاين، لكنّ هذه الشراكة بالذات تتفوَّق عليها جميعاً، بعدد الأفلام، وتنوُّع المواد المقدَّمة).
 وفي أثناء التحضير لبدء العمل في فيلم Jaws، كان ستيفن يتوقَّع من جون أن يُقدَّم النوع نفسه من الموسيقى، التي قدَّمها سابقاً، ولكن جون أتى بموسيقى مُختلفة، اندهش منها ستيفن، وحول ذلك يقول جون: (فكَّرت بابتكار نغمة غريبة إلى أقصى حد، تماماً مثل أسماك القرش، يرتكز كُل شيء على الغريزة، ما يعني أن الجوّ العام قد يكون رتيباً وغرائزياً جداً، وقد يُثير القشعريرة في الجسم، لا في الدماغ! لم يكن ستيفن يستعين بسمك القرش المُحوسب، بل كان يكتفي باستعمال الدُمى المطاطية، لذا اقتصرت الفِكرة على تكرار نوتتين موسيقيتين مُنخفضتين، ثم إضافة نوتة ثالثة في لحظة غير مُتوقَّعة، وهكذا دواليك، بحيث يُمكن عزف هذه النغمة بطريقة لطيفة، ما قد يُشير إلى أن القرش بعيد جداً، وأن ماء البحر يخلو من الخطر، بعد ذلك تبدأ الموسيقى الغرائزية، التي تزداد صخباً، وتقترب من المُتفرِّجين، لدرجة أنهم يشعرون بأن القرش سيبتلعهم)، وفي أوَّل تعليق ورد فِعل له على هذه الموسيقى، يقول ستيفن: (عندما عزف جون موسيقى Jaws على البيانو، ظننتُ أنه يمزح معي، لكنه كررها مُجدداً، ثم تابع عزفها حتى توقَّفتُ عن الضِحك، كُنت أفكِّر بموسيقى أكثر غموضاً، فقال لي: المُقاربة المُعقَّدة التي أردتني اتباعها، ليست المُقاربة المُناسبة للفيلم، الذي رأيتُه لتوِّي، إنه فيلم تشويق ضخم).. لقد استجاب ستيفن لجون، وكان من نصيب جون في هذا الفيلم، ثاني جائزة أوسكار يحصل عليها في الموسيقى التصويرية، مع الإشارة إلى أن موسيقى هذا الفيلم، التي تتضمَّن نوتتين فقط تعد أشهر مقطوعة موسيقى تنذر باقتراب الخطر المميت.
 ولإبداعاته الكثيرة في عالم الموسيقى التصويرية، حصل جون ويليامز، على خمس جوائز أوسكار، و4 جوائز جولدن جلوب، وسبع جوائز من الأكاديمية البريطانية للسينما، و21 جائزة كرامي.. ويُعد جون ثاني أكثر الأشخاص ترشُّحاً لجائزة الأوسكار (49 مرَّة)، بعد والت ديزني، وكان أوَّل موسيقي يحصل على جائزة معهد الفيلم الأمريكي (AFI)، إضافة إلي العديد من جوائز إيمي (1)، وحصل على الميدالية الوطنية للفنون، وكرَّمته 21 جامعة أمريكية، ومنحته شهاداتها الفخرية.
 وحتى الآن، لم تتوقف عطاءات أسطورة الموسيقى التصويرية، وكان قد عُرض مؤخراً الفيلم الجديد The Papers، الذي وضع جون موسيقاه التصويرية، وهو من إخراج ستيفن سبيلبرج.

ذو صلة
التعليقات