مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

عزيـز سـيـد.. فن الشرق والغرب

يعتبر الفنان التشكيلي عزيز سيد من أهم المبدعين العرب الذين أنتجتهم سنوات السبعينات من القرن الماضي، بخصوصياتهم الفنية التي زاوجوا فيها بين استيعاب التجربة التشكيلية الغربية، والتجربة التشكيلية الشرقية، على حد تعبير لغة المدارس الفنية.
إذ في المغرب على الأقل لم يشهد الفن التشكيلي ازدهاراً مطرداً إلا بعد استقلال البلاد وانعتاقها من ربقة عهد الحماية. رغم أن الشرارة الأولى كان يمكن أن تنطلق من تجربة التشكيلي الفرنسي أوجين دولاكروا، وهو من رواد المدرسة الرومانسية الفرنسية، وقد زار المغرب سنة 1832، وأقام فيه مدة ستة أشهر مستكشفاً ومشبعاً فضوله وتجربته في المغرب العربي، وأصبحت تلك التجربة مرجعاً لغيره من فناني فرنسا وفناني العالم.
ستكون نقطة الانطلاق بالنسبة لعزيز سيد وثلة من أصدقائه ومجايليه التشكيليين؛ عشقهم لأعمال أوجين دولاكروا بعد أن  بهرتهم كما بهرت بودلير، وكما بهرت أهم عشاق التشكيل ونقاده وفنانيه، وما زالت تبهرهم لحد الآن. هكذا وعلى ضفة نهر سبو العظيم في مدينة القنيطرة المغربية سيسعى الفتى عزيز سيد صحبة أترابه إلى الطمي الرمادي يشكلون منه منحوتاتهم، ويتمرنون بإعمال أناملهم اللدنة في إنتاج إبداعات تأسر العين والقلب. غير أن الشرارة الأولى التي أشعلت جذوة الموهبة كانت بواسطة كتاب قدم هدية في آخر السنة من موسم دراسي في مؤسسة التقدم التربوية، ليتلقفه شاب مهووس بالفن، فيجد بين دفتيه عمالقة الإبداع، لينبهر بمايكل أنجلو وكل الأسماء التي اشتهرت في التاريخ الفني للإنسانية. الموهبة ستصقل بالاطلاع والممارسة، والتنظير والحرفية، مما سيتكفل به ابتدائياً أستاذان يمتلكان الكفاءة والقدرة البيداغوجية، هما الفرنسي المسلم (مسيو عبدالله) والإسباني (سانطوس)، وهما أستاذان لمادة الرسم.
 سيتسلح عزيز سيد بعصارة التجربة الفرنسية في التشكيل ومعها التجربة الإسبانية بفضل هذين الأستاذين اللذين كانا بدورهما فنانين. ومع نضج عزيز سيد فنياً وعمرياً ودراسياً، وإثر حصوله على شهادة البكالوريا سيرحل للدراسة في بولونيا. وهنا سيعيش المرحلة الأكاديمية التخصصية التي ستنتقل بالموهبة والاستعداد الفطري إلى مرحة الإبداع الجيد المتفرد الذي يبصم البصمة الخاصة المتميزة. لن يعود عزيز سيد إلى وطنه إلا في مطلع سبعينات القرن الماضي. هنا سيكون ناضجاً مكتملاً ليجد نهضة ثقافية غير مسبوقة على مستوى الكتابة والتشكيل والمسرح والسينما والغناء.
كان المغرب الفني ينهض معلناً عن نفسه وهويته وآماله العراض، وجمالياته الخاصة التي تستوعب جماليات سابقيه، لتطويرها وتطويعها لتعبر عنه وعن قضاياه الوطنية والقومية والإنسانية. سيختار عزيز سيد الجسد موضوعاً يستهوي كل المبدعين مهما تنوعت الأجناس التي يشتغلون بها على موضوعاتهم، ومهما تنوعت المدارس الفنية التي يتبنونها.
الجسد أعظم ما خلق الله في شكله وجماله ووظائفه، يتأمل عزيز سيد في الوجه، والوجه صفحة الدواخل والانفعالات والتعبير عن الظاهر والباطن. الوجه وسيلة التواصل ومفتاح الشخصية، يرسم الانطباعات والأحاسيس والعواطف. هو صفحة كتاب تقرؤه الأعين غير أن عين الفنان تلتقطه في تنوع حالاته.
بعد الوجه تحضر قيمة كل أعضاء الجسم لتأخذ صفة الحياة والحركة، في وضعيات لا حصر لها من قوة وضعف، ومن صحة إلى سقم. عزيز سيد في رحلته مع الجسد طيلة هذه السنوات، راكم تجارب نفيسة في التعامل مع الرؤى التي تقوده في التعبير عن المرئيات بشكل جمالي. فقد تطورت تجربته مع تطور أحداث المجتمع وزوايا النظر إلى مشاكله التي تعقدت بتعقد الواقع الاجتماعي والسياسي للأفراد والجماعات. رحلة عزيز سيد الفنية (الاحترافية) بدأت منذ رجوعه من بولونيا مسلحاً بتكوين أكاديمي رصين، في أواسط السبعينات من القرن الماضي. وإذا كانت أعماله الأولى تحمل فضاء القتامة المهيمنة على الواقع الاجتماعي آنذاك؛ فإنها في معرضه الأخير الذي أقيم في قاعة (باب الرواح) بالعاصمة الرباط تحمل فضاء الهدوء والسلاسة، بسبب اختمار التجربة وبلوغها شأواً كبيراً في يسر التعبير والمطاوعة التي اكتسبها عزيز سيد عبر الممارسة الطويلة وحكمة العمر والسنين.

ذو صلة
التعليقات