مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

شرلوك هولمز.. المخبر السري العبقري

 إن شخصية شرلوك هولمز التي ابتدعتها قريحة الكاتب البريطاني (السير آرثر كونان دويل) وكان طبيب عيون معروفاً، فهذه الشخصية الأُسطورية شخصية المخبر السرّي العبقري الذي يستخدم العقل والمنطق ببراعة يحسدها عليه أعظم العلماء والفلاسفة ليكشف غوامض جرائم يعجز عن الإتيان بها أعظم عباقرة الإجرام.. لا شك أن هذا كله سيظل دوماً المرجع الذي يُغذّي كل مَنْ له اهتمام بهذا النوع من الفنون الإنسانية.
وفي تقديرنا أن كافة نماذج شخصية البوليس السرّي التي تزدحم بها الروايات المعاصرة أمثال: بوارو، شارلي شان، ماجنوم، والفهد القرمزي، إنما تقتبس كلها من ذلك العبقري شرلوك هولمز.

جماعات أدبية تنسب إليه
بلغت شهرة هذا المخبر السرّي الآفاق، ما جعل السينما تنتج عدداً كبيراً من رواياته، ولسوء الحظ لم تف السينما هذه الروايات حقها، فبراعة شرلوك هولمز تتجلّى في استخدام العقل والمنطق أقل مما تتجلّى في الأحداث المثيرة والعنف، وهذا أمر يصعب على السينما تحقيقه كما ينبغي، ولذلك فقد تبدو هذه الأفلام التي يقوم ببطولتها شرلوك هولمز إما مُمّلة وبطيئة الإيقاع وإمّا سريعة الحركة لا يكاد المشاهد أن يلتقط بدقة خيوط فكرتها، وقد يرجع ذلك أيضاً إلى براعة المُمثّل الذي يقوم بدور هولمز.
ومن حيث علاقة شرلوك هولمز بعالم الأدب والكتابة، فقد نشأت في العالم في ثلاثينيات القرن العشرين جماعات أدبية متعددة تنتسب إلى شرلوك هولمز تتدارس فيما بينها تلك الروايات، وتتعمّق في فهم خفايا النفس البشرية على الطريقة الشرلوكية، وفي عالم الكتابة ظهر ما لا يقل عن ثلاثين رواية تتناول كلها شخصية هولمز أو موريارتي العدو اللدود له، أو تُقدّم مغامرات جديدة منسوبة إلى البطل المعروف.
وفي عام 1994م نال الدكتور كيث أوتلي، أستاذ علم النفس التطبيقي في جامعة أونتاريو بكندا جائزة الكومنولث البريطاني (مقدارها ثلاثة آلاف إسترليني) عن أول رواية كتبها بعنوان (قضية إميلي)، تدور حول لقاء بين شرلوك هولمز وسيجموند فرويد. وقد عُقدت مقارنات جمّة بين هولمز وفرويد، فقد وُلد فرويد سنة 1856م بينما وُلد هولمز عام 1854م، وابتكر كلاهما مهنة جديدة: المُحلّل النفسي والمخبر الخاص، ونال كل منهما الشهرة، وكلاهما من المدخّنين، السيجار لفرويد والغليون لهولمز.. وقد ظهرت مباحث هولمز لأول مرة في الصحف البريطانية في نوفمبر 1887م، بينما افتتح فرويد عيادته في فيينا في أبريل 1886م. وكان كلاهما حريصاً على قيام الدليل والبرهان، كان جلّ ما يعني هولمز صدور هذا الدليل عن فاعل رئيسي في شكل اعتراف يتلوه في بعض الحالات صدور إدانة من المحكمة، وفي حالة فرويد قبول المريض للتفسير، وقد انتقى الاثنان من أعمالهما ما يريدان عرضه على الناس، فالكم الهائل من كتابات فرويد لا يحتوي إلا (دستة) من الحالات التي عُرضت بكاملها بينما أشار إلى نحو 130 حالة أُخرى، أمّا ما هو عدد الحالات بالضبط التي باشرها خلال حياته المهنية التي امتدت إلى نحو أربعين عاماً فلا نعلمه!
وبالنسبة لشرلوك هولمز، فلدينا ستون حالة معترف بها، وإشارة إلى ما يزيد على ثماني حالات وذلك من مجموع يزيد على 1500 قضية غالباً، كما كان الاثنان (هولمز وفرويد) على دراية واسعة باللغات والآداب، وهناك تطابق واضح في المفاهيم، فالصراع الأساسي في نظرية التحليل النفسي هو الصراع الأوديبي الذي يشمل صراع الطفل ضد الأب يراه مسيطراً مستبداً ويُمثّل خطراً داهماً عليه.. وكذلك تحليل تدمير هذا الأب أو دمار الطفل على يديه ويظهر مثل هذا الأب بوضوح في 23 حالة من حالات هولمز.

دراسة في اللون الأحمر
بدأ شرلوك هولمز حياته المهنية في عام 1877م، أي قبل سنتين من التاريخ المتعارف عليه لقيام أول مختبر لعلم النفس، وهو معمل (فونت) في ليبيزج الألمانية، ولكن لم يستقر به الحال إلا في عام 1881م حين استأجر مع الدكتور واطسون المسكن الشهير في 221 ب شارع بيكر في لندن.. فإلى أي حدّ عرف هولمز الاتجاه العلمي في تناول السلوك؟
الحق أن هولمز كان عارفاً بداروين، انظر رواية (دراسة في اللون الأحمر)، ظهرت في السينما بنفس الاسم، كما كان ذا اهتمام شديد بالوراثة وعلى دراية بقوانينها، انظر رواية (الوجه الأصفر) التي صدرت في 1886م.. وكان يعتقد في وراثة (السمات الشخصية) فنجده في رواية (أشجار الزان النحاسية) يستدل على الشخصية الكريهة لكل من مستر ومسز كاسل مما شاهده من استمتاع طفلهما بقتل الحشرات بحذائه، وزعم هولمز أن قدراته هو نفسه كانت موروثة، ونجده أيضاً في رواية (المنزل الخالي) يدعم نظرية أن تطوّر الفرد يُلخّص تطوّر النوع كله، وهو أمر لا يبعد كثيراً عن نظرية داروين.
نعم، كان هولمز يعتبر نفسه بالتأكيد عالماً، حيث يقول: (الاستقراء علم مضبوط، أو يجب أن يكون كذلك، إن الصفات المطلوبة في المخبر المثالي هي: الاستقراء والملاحظة والمعرفة). ومع أن ثقافته كانت واسعة إلا أنها كانت منتقاة، وقد سبق هولمز وليم جيمس في تفسير الذاكرة فشبهها بحجرة فارغة يملؤها العامل الماهر بالأدوات التي تساعده في عمله فقط ولديه منها تشكيلة كبيرة متنوعة في حالة جيدة وصالحة للاستعمال (دراسة في اللون الأحمر)، بينما يصفها وليم جيمس بأنها الطريقة التي يُفكر بها الخبير في خبراته وينسج منها شبكة من العلاقات، بينما قد يلاحظ وقائع عديمة الفائدة ولكنه سرعان ما ينساها. كما تجلّت لدى هولمز ما سمّاه وليم جيمس بالذاكرة الاستطرادية، وهي القدرة على تذكّر كميات كبيرة من المواد التي يبدو أن لا قيمة لها. كذلك كان هولمز في شتى مسالكه يُشكّل نوعاً من التوازي مع باحثي علم النفس المعاصرين له، خاصة فرويد.. وكان كل ما يفعله يصبح (موضة) على التو، وقد ارتدى الناس السواد عندما أُعلن عن موته خطأ عام 1893م.. ولعل بافلوف كان الوحيد من بين أصحاب علم النفس الذي نال مثل هذا التكريم.

ذو صلة
التعليقات