مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

العاصوف.. مختلف .. ولكن ليس (أفضل)

مدخل
منذ أن سمعتُ بمشروع العاصوف للمرة الأولى فهمتُ أنها محاولة لبناء حكاية مجتمع عبر مرحلة تاريخية. دراما اجتماعية عريضة تقع في سياق تاريخي غنيّ بالتحولات. وبحكم تجربتي في المشاهدة فإن المثال الأبرز في ذهني هو (ليالي الحلمية)، سردية أسامة أنور عكاشة التي أخرجها إسماعيل عبد الحافظ. وبالموازنة بين عمق التجربتين الفنيتين في السعودية ومصر، وطبيعة مناخ الإبداع فيهما، كان من البديهي أن ينخفض سقف توقعاتي للعاصوف إلى أقل مما بلغته (الحلمية)؛ خصوصاً في أجزائها الثلاثة الأولى، إنما المفيد هنا أن لديّ –أو لدينا- سابقة فنية يمكن القياس عليها. وهذا الاستدعاء لأقرب التجارب مؤشر على النقلة النوعية التي تشكّلها فكرة العمل في سياق الدراما المحلية؛ بل والخليجية. فلا تحضرني محاولة في هذا السياق سوى تجربة مختلفة نسبياً هي (ساهر الليل) (2010 - 2012م)؛ وهي ثلاث سلاسل درامية كويتية كتبها فهد العليوة وأخرجها محمد دحّام الشمري. غير أن السلاسل الثلاث تألفت من قصة مختلفة لكل سلسلة؛ فيما ربط بينها فريق العمل، والتسلسل التاريخي للمجتمع الكويتي منذ نهاية الستينات حتى تحرير الكويت من الغزو عام 1991م. ولذا فالحلمية هي التجربة الأقرب للعاصوف، والعاصوف هو الأول خليجياً من نوعه –في حدود اطلاعي-. ومراجعة (ليالي الحلمية) -مع الانتباه للفروق بين التجربتين السعودية والمصرية، والتطورات التقنية- يمكن أن تعين على اقتراح معيار موضوعي لتقييم العاصوف؛ أو أحد المعايير على الأقل.
تقع أحداث العاصوف في جزئه الأول في الرياض خلال الفترة من 1970م إلى 1975م، ويعِد منتجو العمل بأجزاء أخرى تغطي فترات زمنية لاحقة؛ لكن يبدو من المستبعد أن يهتم بمدن أخرى في السعودية، على الأقل ليس بدرجة العمق نفسها. والتحولات في مجتمع الرياض خصوصاً، والسعودية عموماً، منذ نصف السبعينات الثاني تنتظم تحت عناوين عديدة؛ لعل أبرزها الطفرة الاقتصادية التي قادتها ارتفاعات أسعار النفط، بما انعكس على تنامي السلع والخدمات، ونمو أسعارها، وتطور القدرات الشرائية للمواطنين، وبالتالي حدوث تغييرات كثيرة ومتداخلة وعميقة في الحياة الاجتماعية؛ خصوصاً في مظاهرها الشكلية مثل أنماط العمارة والنقل والاتصال وعادات الأكل واللبس وأنواع العمل، وكذلك تزايد الاحتكاك بالناس والأفكار في الداخل والخارج.
لكن الطفرة التي غيّرت المجتمع، هي لحظة تاريخية ضمن سياق اجتماعي مركّب، سبقتها، ولحقتها، العديد من التغييرات؛ مثل توحيد المملكة في دولة حديثة وبروز دوريها السياسي والاقتصادي، ونشر التعليم في المدارس النظامية، وتأسيس المستشفيات، والتعامل مع اختراعات مستوردة في النقل والاتصال والطاقة والعمارة وغيرها. وبالتالي فالعاصوف في جزئه الأول يروي حكاية درامية في مجتمع الرياض قبيل الطفرة.
ومع كل ذلك ساد انطباع قبل عرض العاصوف أنه سينشغل بتاريخ الصحوة، وثارت في شبكة (تويتر) معارك قُبيل عرضه على أساس هذا الانطباع؛ رغم أن بروز الصحوة الاجتماعي يأتي في مرحلة لاحقة على الفترة التي يتناولها الجزء الأول. وهذا ما حدث عملياً إذ لم يتطرق العمل لأكثر من مقدمات الصحوة؛ من خلال إظهار محاولة جماعة الإخوان بعناصرها الأجنبية تجنيد عناصر محلية، والتأثير اجتماعياً عبر التعليم. هل الصحوة من النتائج السلبية للطفرة؟، وهل كان يمكن للصحوة أن توجد دون الطفرة؟. سؤالان جديران بالتأمل؛ إنما ليس في هذه القراءة.

محاولة تأسيسية
بقيت التجربة الدرامية السعودية مسجونة منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي في نمط رئيس؛ هو حلقات كوميدية منفصلة، تحت أسماء متعددة، ولأبطال مختلفين. ومن الواضح –لي على الأقل- أن (طاش ما طاش) (1993م - 2011م) هي السلسلة الأبرز في هذه التجربة، وما أضافته سلسلة (سيلفي) (2015 - 2017م) أنها أثبتت أن ناصر القصبي هو (نجم الشبّاك الأول). وكل تجربة خرجت عن هذا النمط كانت استثناءً؛ له صفات التجربة الاستثنائية من حيث الندرة، وضعف الأثر، وغياب القياس عليه. سواء كانت سلسلة كوميدية مثل (عيال قريّة) (2008م)، و(أبو الملايين) (2013م)، أو سلسلة غير كوميدية مثل (القصر) (1999م).
أدى الامتداد الزمني الطويل للنمط الرئيس إلى تعميق نتائجه؛ ومن تلك النتائج أن الدراما السعودية قادرة أن تعتلي القمة تجارياً، وأن ترفع سقف حرية التعبير -ولو بالتدريج-، وكذلك أولوية الكوميديا، وقلة العناية بالعمق، وتكرار الشخصيات، وهامشية المخرج، وتواضع الحوار، والمزج بين دوري البطل والمنتج، والتسامح مع ضعف إمكانيات الممثلين والممثلات.
غير أن النتيجة الأهم، في رأيي، هي ارتفاع المعنى الإعلامي على الفني؛ أي أن الأولوية لدى صنّاع العمل –ولكثير من المشاهدين– للمعنى وليست للمبنى؛ مع أن الأصل أن المعنى موجود قبل العمل الفني. ولذا صار المهم نوع القضية وجرأة الطرح، وليس مستوى الإبداع. وبهذا أفُسّر تعامل قطاع واسع من الجمهور مع عمل فني بمعايير غير فنية، ومن ذلك قياس الدقة، والمصداقية، والعدالة، والواقعية، وهي معايير ملائمة لقياس جودة العمل الإعلامي وليس الفني. وأذكّرك بأن الخيال –مثلاً- عنصر رئيس في الأعمال الفنية، تخرج عن الفن بدونه، لكنه جريمة في العمل الإعلامي.
ومن هنا يمكن استنتاج خلاصتين: الأولى غلبة التعامل الجماهيري غير الفني مع العاصوف؛ أي التعاطي معه كما لو كان رسالة إعلامية، أو وثيقة تاريخية، لا عملاً فنياً، ينبغي التعامل معه في إطار معايير الفن. ولهذه الخلاصة أعود في الفقرة التالية.
النتيجة الثانية أن العاصوف؛ السلسلة الدرامية متعددة الأجزاء تمثل –بقصد أو بدونه- محاولة تأسيسية في المشهد الدرامي المحلي –وربما الخليجي-. وذلك لأنها تجربة غير مسبوقة بمجموع العناصر؛ أي ضخامة الإنتاج، ومشاركة النجم الجماهيري الأول، والسلسلة المتصلة، وتعدد الأجزاء، والعدول عن الكوميديا، والالتزام بإطار اجتماعي وتاريخي قديم، والعرض في مكان ووقت يعين على رفع نسب المشاهدة. وكما أرجو إعلاء الفني على الإعلامي.
ومن شأن المحاولات التأسيسية أن تكتسب استغراباً، واحتجاجاً بالمألوف. وأن تثير قلقاً مبعثه أنك تعرف ما تغادر، ولا تعرف إلى أين تتجه. كما أن من طبيعتها أن تثير مشاعر متطرفة من الثناء والعداء. لكن نجاحها في إنجاز التأسيس يبقى معلقاً بتأثيرها فيما يليها من تجارب. هل سنرى في أعوام قادمة سلاسل درامية تراجع التاريخ المحلي؟، أم أن العاصوف سيمرّ لتبقى الدراما السعودية محبوسة في سلاسل كوميدية منفصلة؟!

(نمط طاش)
من علامات النجاح الجماهيري للعاصوف سعة، وتنوع، ردود الأفعال. واجه العاصوف عواصف متباينة؛ تدرجت من الترحيب والاحتفاء الحماسيّ إلى الرفض والاحتجاج الغاضب، ولم تخل ردود الفعل من التجاوز والتهويل والمزايدة الرخيصة. وهو أمرٌ أُفسّره بما قدّمتُ عن سيادة نمط (طاش ما طاش)، وأثره على المبدع والمتلقي. ذلك النجاح الذي راكم شعبية كبيرة، وطاقة تأثير لافتة، مثلما أنتج تسطيحاً لمعنى الفن، ونقلهِ إلى حالة إعلامية.
السمة الرئيسة لجمهور (نمط طاش ما طاش) هي التعامل مع العمل الفني باعتباره عينة ممثلة للمجتمع، وصورة عن واقعه. بما يجعلهم يخلطون بين الإعلام والفن، فيتوقعون من المسلسل رواية الحقيقة، وينتظرون أن يروا الأحداث والأشخاص كما يرونهم في الشارع، ويراجعون العمل الفني كما لو كان دراسة علمية ملزمة بإظهار مصادرها. فيبدو الخيال في نظرهم تحريفاً، والفرض الفني تزويراً، والتعبير المُوحي مخاتلة. ولذا يغدو تصوير نموذج منحرف إبرازاً مؤسفاً للسلبيات، وعدم مراعاة نسبة الأخطاء والمخطئين انحيازاً. الأمر الذي تصير معه المطالبة بالموازنة بين النماذج الإيجابية ونظيرتها السلبية، دعوةً عادلةً إلى الموضوعية. ومن هنا تحديداً يمكن تفسير المحاولة المدهشة، والمخيبة، لبعض صنّاع العاصوف في الدفاع عنه بالدقة والصدق والأمانة؛ وليس باعتباره اقتراحاً فنياً لا يصح نقده بغير المعايير الفنية. إذ إن مخالفة العمل الفني للواقع شرط في فنيّته، فنقله الواقع كما هو تعني أنه فعل تدوين لا معنى معه لإبداع مبدع، ولا لابتكار فنان.
وبالعودة إلى (طيف القصة) عند (روبرت شولز)؛ فإن الفن هو ما يقع بين الحقيقة التاريخية، والخيال المطلق. أي أنه مزيج –بالضرورة- بين الواقع والخيال. وبكلمات ثانية، العمل الذي ينقل الواقع كما هو دون أي إضافة خيالية، ليس فناً. فمن المدهش أن يُنتقد عمل فني بأنه يحتوي تخييلاً، ومن المخيب أن يدافع صانع العمل بنفي الخيال؛ وكأنه ينفي الإبداع عن إبداعه.
إن هذه الملاحظات ضرورية لفهم المشهد الفني الضحل الذي ولدت فيه تجربة العاصوف. وهو فهم لا يهدف إلى أكثر من التعامل مع الواقع كما هو، لا كما نتمناه. ودون هذا الفهم سيتعذّر عليك أن تستوعب غض الطرف عن اضطراب الأداء، وركاكة اللهجة، والافتعال الظاهر لدى بعض أبطال العمل –داخل المسلسل وخارجه-. كما سيتعذّر فهم الحالة الهزلية التي يظهر فيها مشاهد غاضب لأن أحد أبطال العمل الدرامي قام بسلوك منحرف، وسبب غضبه أنه يرى أنه –أو أجداده- المتهمون بهذا الفعل!!
هذه السطحية في التلقي الفني هي محصلة منطقية لغياب المؤسسة التعليمية عن الفنون، وتشجيع المنتج الفني المتواضع لعقود، وتجاهل أهمية الفعل النقدي. وليس القصد هنا توبيخ العاملين أو المشاهدين؛ بل تقديم عذر بأسمائهم.

موقف الإسلاميين
في سياق تحليل يتوخى العمق، لا بد من وقفة مع أثر (الإسلاميين) في حالة التلقي التي قابلت العاصوف. وأعني بهم عموم المتعاطفين مع جماعة الإخوان وامتداداتها من جماعات الإسلام السياسي. لعب هؤلاء دور رد الفعل الغاضب والمتحامل بتكرار في وجه التجارب الدرامية الناجحة جماهيرياً خلال العقود الأربعة الأخيرة –على الأقل-. وإلى هذا الدور تحديداً يشير صنّاع العاصوف حين يستخدمون تعبيرات مثل (الحملة الممنهجة)، و(رد الفعل المنظّم). وكما حدث مع (طاش) و(سيلفي)، الإسلاميون غاضبون من العاصوف. وهو غضب له سبب عام وآخر خاص؛ أما العام فهو حساسية الإسلاميين تجاه كل خطاب لا يخضع لسيطرتهم. فهم متوجسون دائماً من كل خطاب لا يعترف بتفوقهم الأخلاقي، ولا يقرّ بنتائج ذلك التفوق؛ فيؤذيهم أن ينزلهم أحدٌ منزل من يصح أن يكون محلاً للمراجعة والسؤال، وكأنهم بشر يجوز انتقادهم. وهذا يفسّر علاقتهم التاريخية المتوترة بحقول الإعلام والثقافة والفنون.
وأما السبب الخاص فهو إدراكهم أن العاصوف يسرد –ضمن ما يسرد- لمحة تاريخية عن (الصحوة)؛ مرحلة الحضور الأوسع للإسلاميين في المجتمع. والصحوة في الخطابين الإعلامي والثقافي هي حالة مخاتلة تعلي شعاراً دينياً لغرض سياسي، وهي وافدة، وسلبية، وطارئة أنتجتها جملة من الظروف، وهو ما ينفي عنها صفات الصدق، والأصالة، والإيجابية، ويبشّر برحيلها. ولأنها كذلك في الخطابين –تاريخياً- لم يكن الإسلاميون في حاجة المشاهدة والتأمل؛ بل أطلقوا هجومهم على العاصوف قبل أن يبدأ، واستعملوا بعد بدايته التهويل وتحريف المعاني والمغالاة في ادعاء خطر المسلسل على المجتمع والأمة والدين -وربما الكون كله-، وتجنبوا المصارحة بسبب الاحتجاج الفعلي. كل ما تراه من هجوم الإسلاميين على العاصوف هو في جوهره دفاع عن جماعة الإخوان ومنهجها، وهذا لا يمنع أن قطاعاً من جمهورهم يشارك في هذا الفعل دون أن يدرك جوهره؛ منخدعاً بالشعارات الدينية التي تخفي غرضاً سياسياً. ومع أهمية الانتباه في التحليل الثقافي لهذا الموقف، وما يشكّله من تشويش على المشاهدة، ودعاية مجانية للمسلسل؛ لابد من التنبيه إلى أن هذا موقف سياسي خالص، لا اعتبار له في أي مراجعة فنية تتسم بالجدية. وإنما الإشارة إليه تأتي بهدف عزله، وعزل آثاره.

استمرار أزمتين
المراجعة النقدية لتجربة العاصوف على المستوى الفني تكشف استمرار أهم أزمتين في نصوص الدراما المحلية؛ وهما أولاً أزمة الحوار التي ظهر أنها ليست مبررة بقصر المدى المحصور –غالباً- في حلقة تلفزيونية واحدة، فحتى في مسلسل طويل ومن عدة أجزاء بقيت الأزمة كما هي. موقف درامي محدد بصفة عامة في (السيناريو)، لكن لكل ممثل أن يقول ما يريد لتوصيل الفكرة. والحوار في العمل الدرامي أداة جمالية وإبداعية مقصودة لذاتها، كما الكلمات في الشعر، والإضاءة في المسرح، والألوان في السينما، والموسيقى التصويرية في الدراما التلفزيونية، والحركة في الرقص؛ لكن -ومع الأسف- يستمر التعامل مع الحوار في العاصوف باعتباره تعبئة للفراغ. اقتصادٌ في الجمال، وتقشفٌ في الابتكار. وهو ما يجعل تفاعل المتلقي قاصراً على الحدث، أما العبارات التي يقولها الممثلون فهي مباشرة وسطحية؛ بل وفي بعض الأحيان تتسبب في إضعاف الموقف وخلق ثغرة في الحبكة وكسر حالة التلقي، مثل استعمال بعضهم لألفاظ معاصرة، أو تكرار المعنى، أو المغالاة في التعبير عن الانفعال. في مقابل التجارب الدرامية الأمريكية والمصرية والسورية توشك التجربة المحلية أن تخلو من عبارات موحية عميقة الدلالة يمكن للمشاهد تأملها وحفظها وترديدها.
الأزمة الثانية المستمرة ضعف الحبكة؛ أو إن شئت أزمة التعليل. إن القيمة الفنية مرتبطة بقدرة العمل على تبرير تحولات الأحداث والأشخاص. وهذا فضل الفني على الواقعي؛ أنك تستطيع الإمساك بلحظات التحول في الفن، وتملك الفرصة للاطلاع على الدوافع. كل ما في العمل الفني من تحولات له مبررات ظاهرة للمتلقي؛ فإن غابت المبررات صار العمل محاكاة للواقع لا طائل منها، لأنها مجرد تكرار له. بكلام آخر، غياب فهمنا للتحولات في الحياة تعبيرٌ عن محدودية قدراتنا، لكن عدم فهمنا للتحول في عمل فني تعبيرٌ عن قصور في العمل، وذلك لأن إضافته الكبرى في هذا الدور الشارح للعالم. وفي هذا السياق راجع مثلاً قصة (غزيّل) وأمها مع (محسن)، انطلاقاً من المبادرة غير المبررة، والحمل الصامت، ومروراً بوضع الرضيع أمام المسجد وليس أمام المنزل –ماذا لو أخذه شخص آخر؟- ثم بعد التخلص منه التحول للمطالبة بالحقوق، والمشاهد الفائضة عن الحاجة في اتهام (خالد)، وحضور (محسن) دون داعٍ لمشهد المواجهة بين (غزيّل) و(خالد)، ووصولاً إلى استعادة العلاقة بامرأة سيئة المسلك بمبرر كان من السهل -في الإطار الاجتماعي المحلي- أن يؤدي إلى زواج علني بغيرها. وقل مثل ذلك عن تزامن حمل (جهيّر) و(سارة) و(البندري)، والإصابة الجماعية بفقد الذاكرة يوم خطب (محسن) (جهيّر)؛ فنسي الجميع حبها لـ(خالد) وحبه لها، ومشهد القبض على (راشد)، وغراميات (محسن) وانفعالاته، وقصة الرضاعة المخفية عن الجميع لعقود. وكل هذه مجرد أمثلة على لحظات تحول لم تكن مبررة؛ أو على الأقل لم تكن كذلك بدرجة كافية.

أربع ملاحظات فنية
أقف هنا مع أربع ملاحظات فنية عامة في الجزء الأول للعاصوف؛ على أن العمل يحتمل أكثر منها. الملاحظة الأولى أن مما يحسب للعمل الدرامي قدرته على الإقناع من خلال صناعة نماذج واقعية ضمن قصته الخيالية؛ يحاكي بها الواقع. وأتذكّر أن الفنان عادل إمام في معرض إشادته بدور زميله أبو بكر عزت في مسلسل (أرابيسك) (1994م) قال إنه رأى هذه الشخصية في الشارع من قبل، تأكيداً على نجاحه في تحقيق درجة عالية من المحاكاة. أستدعي هذا للإشادة بشخصية (أبو يعيش)؛ كتابةً وأداءً، ولأقول إنني رأيتُ هذه الشخصية.
الملاحظة الثانية تتعلق بتكرار المعنى في أكثر من عبارة، وربما أكثر من مشهد. وهو ما يؤدي إلى المباشرة الفجة، والإلحاح المنفّر، ويعكس ثقة ضعيفة في قدرة المشاهد على الفهم. ومن أمثلة هذا حالة انجذاب (محسن) إلى (جهيّر): نظرة أولى في مشهد ثم ثانية في مشهد آخر، قبل ثالثة في مشهد الرقص، وحديثه مع والدته وتأجيل القرار لوقت لاحق، وفي اللقاء الثاني مع الوالدة إعلان رغبة كان يمكن أن تمثل مفاجأة للمشاهد وتثير دهشته لولا قتلها بهذا التكرار التلقيني الممل. ومن أمثلته مشهد إحلال (محسن) صورة الملك فيصل محل صورة الرئيس عبدالناصر؛ فاللقطة الأولى كانت كافية للتعبير عن المعنى بلغة فنية مكثفة ولمّاحة، غير ان ما حدث أننا حظينا بلقطة ثانية في مشهد آخر، ثم مشهد ثالث نلنا فيه شرحاً للمعنى من (خالد)!
الملاحظة الثالثة تتعلق بظاهرة تعم الدراما العربية الرمضانية؛ حيث الحاجة إلى تكوين العمل من 29 أو 30 حلقة. وهو تقليد أملاه الاعتبار التجاري كما يبدو. يؤدي هذا التقليد إلى وضع قيد على المبدع لا يصير معه (المقال على مقتضى الحال)؛ فيضطر صنّاع العمل إلى الحشو والتكرار إذا كان المحتوى يقلّ عن العدد المقرر للحلقات، أو إلى الاختصار المخلّ إن كان المحتوى يزيد عن 30 حلقة. ومن المدهش في العاصوف أنه جمع بين الحالتين معاً؛ ولك أن تستدل على هذا بغير مثال، منها التوسع غير الضروري في قصة (اللقيط)، ومشاهد عرس (علي) و(سارة) التي تحولت لما يشبه النقل الحيّ، والاسراف في تأكيد إعجاب (يوسف) بـ(الجازي)، في مقابل التعجل في رحلة (محسن) إلى القاهرة؛ التي لا يظهر منها إلا مقهى وغرفة استقبال في الشقة، مع أنه كان من الطبيعي لخريج قاهرة الستينات القادم من رياض ما قبل الطفرة، والمتعلق بمصر ثقافياً وعاطفياً أن يزور أماكن وأشخاصاً وفعاليات خلال رحلته. ومثله الإسراع بتصوير انقلاب موقف محمد من زواجه الثاني الذي سبق أن عدل عنه، والإشارة الخاطفة لموت الملك فيصل. والهدف هنا التنبيه إلى أن تغطية المساحة الزمنية المفروضة على صنّاع العمل كان ممكناً عبر التوسع المنطقي في أحداث جرى اختصارها، بدل الافتعال في إطالة أحداث لم يكن لإطالتها مبرر. وهذا يدل على أن العذر العام للمسلسلات العربية لا يشمل حالة العاصوف.
رابع الملاحظات تخص الالتزام بشروط اللحظة التاريخية. فمن طبيعة الدراما الواقعية –أي التي يغلب فيها الواقع على الخيال- أن تحافظ على صورة وأداء يلتزمان بالأطر الزمانية والمكانية والثقافية للمجتمع الذي تجري ضمنه أحداث القصة. ولكثرة العناصر في هذه الملاحظة، وحاجتي للإيجاز، سأكتفي بالإشارة إلى الضعف الظاهر في عنصر اللهجة عند عموم الممثلين؛ مع تمايز فيما بينهم، وإن كان الضعف أوضح في أداء الممثلات، بما في ذلك حالة ريماس منصور التي يضيع كثير من تركيزها في محاولة غير موفقة لمحاكاة اللهجات النجدية، تأتي على حساب أدائها، لتفقد الاثنين غالباً. هذا الضعف العام في عنصر اللهجة -واستخدام بعض الألفاظ المعاصرة- أحد عناصر التشويش على معايشة المشاهد للقصة؛ ويمكن إضافة عناصر أخرى للهجة، بما يكشف عن تقصير مثير للخيبة في عمل نال رعاية إنتاجية غير مسبوقة. ويقتضي السياق هنا الإشادة بالعناصر المقابلة التي ظهر فيها الالتزام فساهمت في الإقناع بالإطار الزمني للقصة؛ مثل تصميم المنازل والطرق والأسواق، والسيارات، وكثير من الأغاني. وعلى سيرة الأغاني لعل الختام الأنسب لهذه الملاحظة هي الإشادة بالثلاثي خلف الحربي وناصر الصالح وراشد الماجد على المقدمة الغنائية للعاصوف.

خاتمة
خلاصة رأيي في العاصوف، أنه خطوة واضحة للأمام في التجربة الدرامية المحلية، وعمل أكثر جودة، وجدية، من كل ما سبقه؛ لكنه تجربة تقول إن الطريق ما زالت طويلة، وإننا مازلنا بعيدين عن الإقناع، وإن الموهبة والرغبة والقدرة المالية لا تكفي.

ذو صلة
التعليقات