مجلة شهرية - العدد (504)  | محرم 1440 هـ- أكتوبر 2018 م

فلسفة الكفر بدعوى الإيمان!! 1-2

قال أبو عبدالرحمن: سر التباغض بين عدول الأمة من علماء الدين المجتهدين وبين الفلاسفة: أن الأخيرين يهينون العقل بين تقصير وتحسير؛ فأما التقصير فلأنهم يأخذون من حجج العقول ما شاءوا، ويتركون ما شاءوا بلا بينة؛ فلا يلتفتون إلى الحجج العقلية في نصوص الوحي، ودلالات السمع من نقل صحيح يوجب العلم عن آيات الوحي الحسية والمعنوية، وآثار الأمم المرتبطة بعصيان الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه وبركاته؛ وهي بسبيل مقيم، وهم يمرون عليها مصبحين؛ وأما الحجج العقلية في نصوص الوحي فقد تكون برهان قضية معينة مثل قوله تعالى عن كفرة اليهود الملاعين: (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) (سورة الأنعام 91)؛ فهذه حجة قاطعة على الـمخاطب في الحال التي خوطب وهو عليها.. وكقوله تعالى عنهم: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) (سورة الأنعام 20)؛ وقد تكون دليلاً على ناموس كوني مثل قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) (سورة الأنعام 97).
قال أبو عبدالرحمن: هي لن تكون هداية إلا بنظام ثابت دقيق، واطراد على تعاقب الأجيال والأعوام؛ فالآية خطاب للحس بشهادة العقل بمبدأ السببية، ومبدأ الغائية؛ وقد تكون الحجج العقلية بإرجاع إلى الناموس الكوني كاستنطاق سنة الله الكونية في الأمم الكافرة؛ التي يهمل الفيلسوف، والمؤرخ الوثني، والمثقف العلماني: وجودها، ودعك من دلالتها في مسار التاريخ.. مثال ذلك قوله سبحانه و تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين) (سورة الأنعام 6)، وقال تعالى: (ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون) (سورة الأنعام 9 - 10)، وقال تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) (سورة الأنعام 34)، وقال تعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) (سورة الأنعام 42 - 45)، ومثل ذلك سنة الله في بعث الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه وبركاته؛ فإن في سيرهم عبراً، وبراهين عقلية لا يحق للفيلسوف بمجرد حريته السلوكية أن يهملها؛ ومن شواهد هذه الإحالة قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهةً إني أراك وقومك في ضلال مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين (79) وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون (80) وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (91) وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون) (سورة الأنعام 74 - 92).
قال أبو عبدالرحمن: إن الفيلسوف يشحن كتابه بالافتراض الميتافيزيقي، وبالمثال العادي من الطبيعة أو الحياة اليومية العادية؛ ليؤسس عليه استدلالاً!!,, ويهمل بحريته السلوكية ما فيه للعقل خصب؛ بل شرطهم لـهوية الفيلسوف أن ينفصل عن اللاهوت.. يعنون دين الله.
قال أبو عبدالرحمن: ليكن ذلك بظلمهم أنفسهم؛ فهذا لا يعني تعطيل العقل والسمع والحس عن الحجة العقلية في القرآن؛ أو في المشاهدة، أو السماع، أو الإدراك الحسِّي؛ فلا عليكم أن يوردوا الآية من سورة الأنعام بنصها عن الاهتداء بالنجوم، ولكن عليهم أن ينظروا في هذه النجوم التي موضوعها اطراد الناموس والثبات؛ لتحقق أنواع الاهتداء في السير في البر والبحر والجو، وما يحصل من منافع كمنافع الحرث.. وهكذا ما لصلاحه علاقة بمواقيت تدل عليها النجوم.. والبرهان على الله من كل ذلك ضرورة دلالة السببية والغائية في غريزة العقل الإنساني المشترك؛ وهكذا الخبر التاريخي.. ولهم أن يعملوا كل طرق التوثيق عن سير الصالحين والطالحين؛ وهكذا شاهد الحس من آثار الأمم البائدة وهي بسبيل مقيم؛ فيأخذون من كل ذلك الأجوبة الصحيحة لأسئلة العقل اللحوحة.. وقد تكون الحجج العقلية من نصوص الوحي: إلى الإحالة إلى المتعين الذي لا يجد العقل غيره كقوله تعالى: (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات) (سورة إبراهيم 10)؛ لأن كل تفسير لوجود الكون بغير خالق هو الأكبر الأعظم ذو الكمال المطلق: يحيله العقل؛ فالإيمان بالله تعيين عقلي إن صدق المفكر في نظره؛ ومثل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: (هل من خالق غير الله) (سورة فاطر 3)؛ فهذا إحالة إلى متعين واحد هو الله سبحانه بحكم العقل ضرورة؛ لأن شواهد الخبرة البشرية إلى هذه اللحظة لا تسمح بخلق بشري لم يكن من مادة موجودة من ماء وهواء وتراب ودخان، وبمهارات وجوارح ومواهب مخلوقة، وبمحاولات تبدأ بالخطأ وقد تنتهي بتحقيق المراد، أو على مثال من الطبيعة مركب أو مجزأ؛ لأن ما لا وجود له لا تصور له؛ ولأنه ليس في فعل الكائنات أكثر من هذا؛ وليس ذلك صفة الخالق؛ إذن لا خالق إلا الله سبحانه.. ومن التقصير الفلسفي بحرية سلوكية مراغمة العقل: اطراح مبدأ الحاجة إلى الوعظ العاقل النزيه مع أن الوعظ بقيد الصدق والنزاهة: أداة عقلية؛ لأن الفيلسوف يدعي التجرد لطلب الحق، وما هو بمعصوم في صدقه ونزاهته، وما هو بمطلق في نظره الفردي؛ بل هو عرضة للجهل والسهو والغلط والغفلة عن المقتضي أو المانع؛ فالوعظ العاقل الصادق النزيه شرط فكري؛ لتذكير الفيلسوف بدعوى التجرد، ولتذكيره بطبيعته البشرية من الجهل والسهو.. إلخ.. والوعظ العاقل الصادق النزيه واسطة بين الفيلسوف والمتلقي؛ لامتحان صدق تجرده، وامتحان صدقه في استكمال الخبرة؛ فيعلم المتلقي: أهذا الفيلسوف هاد، أم مضلل، أم متمعلم متعاظم؟.. وحينئذ يلتمس سبيل التلقي الصحيح الـموصل.. ومن الوعظ الكريم المحرك العقل والقلب معاً: الإلحاح على الإيمان بالغيب (الواقع المغيب) بعد نصب الدلائل على صحة الشرع وصدقه,, قال الله سبحانه وتعالى: (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون) (سورة الأنعام 7 ــ 9).. نعم إن الغيب المطلوب هو الإيمان به، ولا يكون مطلباً إلا حال كونه غيباً؛ فإذا كان علم شهادة فمطلب الايمان مقتض ولا معنى للتبعية؛ ولهذا لا ينفع الكافر إيمانه حال الغرغرة، ولا حال نزول العذاب الذي كذب به، ولا حال طلوع الشمس من مغربها، ولا حال بعثه؛ لأن كل ذلك هو عالـم الشهادة، وهو مطالب بالإيمان بالغيب.. ومن الوعظ الكريم تحريك المشاعر وخبرات النفس الخفية.. قال الله سبحانه وتعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) (سورة الأنعام 17)، وقال تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) (سورة الأنعام 32)، وقال تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) (سورة يونس 24)، وقال تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون) (سورة العنكبوت 64 - 66).
قال أبو عبدالرحمن: فكل ذلك تذكير بألطاف الله؛ وقصر الحياة الدنيا؛ وجميع وضعيتها مؤلم في الأكثر، ولاسيما نهايتها وزوالها؛ وكل ذلك في مشاعر النفس؛ فلا بد من تحريكها وإضاءتـها.. ومن الوعظ الكريم المثير: الوعي الحصيف بعد تحريك المشاعر وإضاءتـها: التذكير بقدرة الله، وتحريك العقل؛ ليبحث عن مصدر هذه القدرة.. قال الله سبحانه وتعالى: (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير) (سورة الأنعام 18)، وقال تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون) (سورة الأنعام 40 - 41)، وقال تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتةً أو جهرةً هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون) (سورة الأنعام 47 - 51)، وقال تعالى: (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفيةً لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) (سورة الأنعام 61 - 67).. ومن شواهد الوعظ الكريم الذي يحتاج إليه العقل البشري قوله سبحانه وتعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوًى للكافرين) (سورة العنكبوت 68)، وقال تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون) (سورة يونس 17).. وقال تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملآئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) (سورة الأنعام 93).

ذو صلة
التعليقات