مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

فرنسيس بيكون الفيلسوف النذل

وبالرغم من ذلك كله لا يمنعنا هذا من الحديث عن نذالة فيلسوف، والنذالة في أوجز تعريفاتها هي: الخسة والحقارة، والتملق والنفاق، وجحود فضل أهل الفضل، والإساءة إلى من أحسن وقدَّم الحسنى. وتكمن أهمية هذا الحديث عندما يكون عن فيلسوف له مكانته الكبيرة في النهضة العلمية الأوروبية الحديثة، ولا يمكن الحديث عن بدايات تلك النهضة إلا بإرجاع الفضل إليه، والبداية به كأحد العظماء المؤسسين لتلك النهضة التي يعيش العالم أجمع اليوم في ظلال منجزاتها العديدة والمختلفة، إنه الفيلسوف الإنجليزي الكبير فرنسيس بيكون Francis Bacon صاحب الجهود التنظيرية الأولى للنهضة العلمية الحديثة، وأحد أهم أعلام المنهج التجريبي. ورغم تلك المكانة العلمية الرفيعة توافرت فيه كل معاني النذالة بأوسع معانيها وأوجزها.

مولده ونشأته
ولد فرنسيس بيكون في لندن في الثاني والعشرين من شهر يناير من عام 1561م، لأبوين ينتميان لأسرتين عريقتين: فقد كان أبوه السير نيكولاس بيكون أحد الوزراء المدنيين الذين حلوا محل رجال الدين في تولي المناصب المهمة في الدولة، ووصل إلى منصب حامل الأختام الملكية في عهد الملكة إليصابات. وكانت أمه مدام آن كون من عِليَة القوم فهي ابنة السير أنتوني كوك الذي كان مربياً لإدوارد السادس، وركناً من أركان الإصلاح الديني في عصره، وكانت أمه هذه سيدة واسعة الثقافة، ولا سيما في الآداب واللغات القديمة، وكانت أيضاً من دعاة الإصلاح الديني ومن أتباع مذهب كالفن المتشددين في الدين. وقد أظهر بيكون منذ طفولته الأولى علائم على التفوق والذكاء لفتت إليه الانتباه لا سيما من جانب الملكة، التي كانت تسعد بالتحدث معه وتوجيه الأسئلة إليه. ويذكر الدكتور رولي Dr.W. Rawley في مقاله عن حياة بيكون الذي نشر أول مرة عام 1657م، أن الملكة سألته مرة عن عمره فكانت إجابته أنه يصغر بعامين عن مدة حكمها السعيد، وهي إجابة تدل على الذكاء والنفاق.
التحق بيكون في عمر الثالثة عشرة بجامعة كمبردج، وظل بها قرابة الثلاث سنوات ثم تركها دون نيل إجازة علمية منها، معترضاً على طبيعة المناهج التدريسية فيها، ولكنه كان قد أتقن اللغة اللاتينية في ذلك الوقت، وقد كانت هي اللغة الرسمية التي يدون بها العلماء أبحاثهم العلمية. انصرف بيكون بعد هذه المرحلة إلى دراسة القانون، ولكنه لم يتم دراسته القانونية إلا بعد ذلك بوقت طويل.

وساطة وبذخ واستدانة
 استطاع بيكون بوساطة والده، واستغلال نفوذه، ومكانته الوظيفية الرفيعة كحامل للأختام الملكية، أن يحصل على وظيفة مساعد للسفير البريطاني في فرنسا، ومكث في باريس قرابة ثلاث سنوات اعتاد فيها على حياة الرفاهية والبذخ، وزيارة المتاحف والمكتبات، وإقامة الحفلات التي كانت تحضرها جميلات باريس وحسناوتها وأمراؤها. ولكن دائماً ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ فقد بيكون وظيفته التي لم ينلها عن جدارة واستحقاق بمجرد أن مات الأب فجأة عام 1579.
عاد بيكون بعد وفاة والده المفاجئة إلى وطنه. ولما لم يكن هو الابن الأكبر لم يرث إلا شيئاً ضئيلاً، لا يفي أبداً بمتطلبات حياته التي لم تعرف التقشف أو الزهد أبداً، فحاول بيكون أن يحصل على وظيفة تلائمه دون جدوى. وأهم ما يلفت النظر هنا أنه لم يسعَ -في البداية- إلى إكمال تعليمه، وإنما لجأ إلى طريق الوساطة ليحصل على وظيفة، إذ ذهب أول الأمر إلى أحد أقاربه وهو اللورد بورجلي Burghly رئيس الوزراء حينذاك كي يساعده في الحصول على وظيفة في البلاط توفر له مستوى معيشياً يناسب طموحه، ويتناسب دخلها مع حياة الرفاهية والبذخ التي اعتاد عليها.
ولكنه اللورد بورجلي خذله ولم يعاونه رغم إلحاح بيكون وطلبه المتكرر، خوفاً من أن يَحُول صعود نجم بيكون في البلاط -لما يتوافر فيه من صفات التملق، والممالأة، والوصولية- ما يمكن أن يحجب مجده. فقد أدرك بورجلي خطر بيكون مبكراً وقرأ فيه كل صفات الخبث واللؤم وإنكار الجميل، بمعنى آخر تفرس في وجهة كل صفات الخسة والنذالة فأبى أن يساعده رغم صلة القرابة بينهما. ولما لم يتوافر لبيكون مصدر دخل يعول منه نفسه لجأ إلى الاستدانة، ومنذ ذلك الحين أصبحت الاستدانة عادة ملازمة له طوال حياته، وكانت من أوضح مظاهر الضعف في شخصيته.

خسة ونذالة مع أكرم الأصدقاء
وحين تراكمت الديون على بيكون، وتخاذل عن مساعدته أقرب أقربائه، وجد بيكون – بعد أن اشتد به ضيق العيش- يد صديق ممدودة إليه، وهو الكونت إسكس Essex وهو أحد المقربين من الملكة، فوهبه ضيعة تدر أموالاً ودخلاً معقولاً. وإسكس هذا كان شاباً مرموقاً تفوق في الميدان العسكري، واختارته الملكة صفياً لها وعشيقاً، وهو في الحادية والعشرين من عمره في الوقت الذي كانت فيه الملكة تناهز الستين عاماً. وقد حاول إسكس أن يُلْحِقَ بيكون ببعض الوظائف العليا في الدولة، فما أن خلت وظيفة النائب العام سنة 1593م حتى سعى الكونت إسكس لدى الملكة لتعيين بيكون في هذه الوظيفة، لكن سعيه هذا باء بالفشل، وأغلب الظن في ذلك الفشل هي مساعي قريب بيكون المتوجس خيفة من بلوغه وظيفة عليا في البلاط الملكي. ولكن هذا الصديق المخلص لم ييأس وسعى مجدداً كي يُلحق صديقه بيكون بوظيفة أخرى.
ورغم هذا الوفاء من جانب ذاك النبيل المدعو إسكس، الذي يصفه الأستاذ محمود عباس العقاد في كتابه قائلاً: (وقد كان اللورد إسكس رجلاً ذكياً كريماً شريف الخصال شجاعاً مفرطاً في الشجاعة محبوباً في الجيش والأمة، وسيم الطلعة يفتن النساء بوسامته ونخوته وعلو صيته، ولم يكن يعاب في أخلاقه إلا بفرط الشجاعة والخيلاء وقلة الدهاء في عصر لا تصان فيه حوزة بغير الدهاء)، والذي قد أسدى إلى بيكون خدمات جليلة، إلا أن بيكون لم يقابل الإحسان بالإحسان، وغدر غدراً دنيئاً بهذا الرجل، إذ تغيرت عليه الملكة ما أن عرفت علاقته بإحدى الشابات الجميلات التي يهيم بها حباً وعشقاً. وفي هذه الأثناء كان بيكون قد أتم دراسته للقانون وعينته الملكة مستشاراً فوق العادة للتاج البريطاني. فاستغلت الملكة عودة إسكس الفاشلة في إخماد الفتنة القائمة في أيرلنده، واتهمته بالتآمر والثورة عليها، وتم انتداب بيكون من هيئة المحاماة الاستشارية لينظر في القضية، وكان بإمكان بيكون أن يتنحى عن نظر القضية عرفاناً بجمائل صديقه عليه، إلا أن بيكون قد قبل نظر القضية، بل كان أقسى قضاة اللجنة تشدداً، إذ قدّم خطبة عصماء يُعظم فيها جرم إسكس مختتماً إياها بضرورة توقيع أقصى عقوبة عليه، وقد بلغت خسة بيكون ونذالته في ذلك مبلغاً عظيماً، إذ يصور الدكتور حبيب الشاروني ذلك بقوله: (وقد بذل بيكون من الجهد والبراعة القانونية ما أبان على تفوقه على النائب العام إدوارد كوك -الذي كان متعاطفاً مع الكونت إسكس، مما أدى إلى حصر التهمة في صديقه إسكس وإلى إدانته والحكم عليه. وكانت الأتعاب التي تقاضاها بيكون عن هذه القضية مبلغاً أقل من قيمة الضيعة التي وهبها له إسكس). الأمر الذي جعل العقاد يقول: (فإن عجبت في أمر بيكون فاعجب لسقطات الذكاء كيف تزل بصاحبها هذه الزلة تحت بروق المطامع التي هي شر من الظلام الدامس على السالكين فيه). وبالفعل تم إعدام الكونت إسكس، وأخذ بيكون يبرر فعلته الدنيئة ضد إسكس بأن التهمة كانت ثابتة عليه، وأن حب بيكون لبلاده أكبر من حبه لأصدقائه! ولم يكتف بيكون بذلك، بل بالغ في كيل الاتهامات لتشويه سمعته بعد الممات! وبعد إعدام إسكس بعامين توفيت الملكة متأثرة بحزنها على فراقه.

وصولية وتملق
وبعد وفاة الملكة تولى جيمس الأول العرش سنة 1603م، وهنا زادت فرص بيكون في الحصول على وظيفة كبيرة في البلاط عن ذي قبل، إذ أن مزاج الملكة العام قد تغير ضد بيكون بعد حكمه على إسكس. وقد كان بيكون من الأصدقاء المقربين إلى الملك الجديد، الأمر الذي ساعده في عام 1606م على أن يظفر بالزواج من أليس برنهام Alice Barnham وهي فتاة ذكية ذات حظ كبير من المال والجمال والحسب والنسب، ولكنها لما عرفت حقيقة بيكون، وأنه قد تزوجها كصفقة رابحة وليست كزوجة أعرضت عنه كثيراً حتى إنه لم يسعد كثيراً بهذا الزواج، ولكن كان مجرد الارتباط بمثل هذه الزوجة سنداً له في الأوساط الاجتماعية والطبقات الأرستقراطية في إنجلترا في ذلك الحين.
عمل بيكون بدأب على توطيد صلته بالملك الشاب، فبذل كل ما في وسعه من فنون التملق والانتهازية والوصولية ليكون الصديق المقرب إلى جيمس الأول، حتى إنه مالأ الملك في استبداده وقضاء مصالحه ومصالح الأسرة المالكة على حساب الشعب الذي كان يمثله بيكون في البرلمان! بل إن قدرته على التلون حسب ما تكون المصلحة فاقت كل شيء الأمر الذي ظهر بقوة في قضية السير والتر رالي W. Ruleigh الشهيرة التي قضي فيها بالإعدام في عهد الملكة أليصابات، ولكن نظراً لقربه من الملكة بقي سجيناً أربعة عشر عاماً دون تنفيذ الحكم بالإعدام. إلى أن رغب الملك في الصلح مع إسبانيا التي كانت تشترط إعدام رالي، فعهد الملك بالقضية إلى بيكون التي انتهت بتنفيذ حكم الإعدام في رالي في 1618م. ولم يتوقف الأمر عند قضية السير رالي، ولكنه أدان تالبوت Talbot عضو البرلمان الإيرلندي الذي كان يدعو إلى ضرورة قتل الحاكم الطاغية. وواصل بيكون طريقه الانتهازي في الدفاع عن سلطة الملك وحقوقه وامتيازاته بشكل جعله محل رضا من الملك، فبلغ أرقى المناصب القضائية، إذ تولى في عام 1607م منصب المدّعي العام، وفي عام 1613م تولى منصب المحامي العام، وفي عام 1616م عين مستشاراً خاصاً للملك، وفي عام 1617م شغل المنصب الذي كان يشغله أبوه من قبل وهو حامل الأختام الملكية، وفي عام 1618 عين الوزير الأول للبلاد، ثم منح لقب (بارون أف فيرولام)، وفي عام 1621م أصبح (فيكونت سانت ألبان). وهكذا نال بيكون بتملقه ووصوليته أعلى المناصب وحاز أرفع الأوسمة والنياشين.

نهاية مؤسفة
كان من الطبيعي أن تكون نهاية بيكون نهاية مؤسفة، فكما كان الصعود سريعاً كان الهبوط أسرع، إذ أنه في نفس العام الذي حصل فيه على آخر لقب أي العام 1621م اتهمه مجلس النواب بالرشوة واختلاس مال الدولة، حيث دأب بيكون على أن يستدين دون أن يرد، وكان المدينون يعتبرون ذلك نوعاً من الرشوة، وجرى معه التحقيق الذي أسفر عن ثلاث وعشرين تهمة اعترف بيكون بارتكابها، وحكم عليه مجلس اللوردات بغرامة قدرها أربعون ألف جنيه، وبالسجن في البرج مدة يحددها الملك، وألا يتولى أي منصب بالدولة، وأن يترك مقعده في البرلمان، وألا يقترب من البلاط أو أن يمارس وظيفة الدفاع عن المتهمين أمام المحاكم. وامتثل بيكون لهذا الحكم، لكن بفضل رعاية الملك له لم يقضِ في السجن سوى بضعة أيام، ولم يؤد الغرامة، ولكنه حاول عبثاً استرداد الاعتبار دون جدوي.

إحقاقاً للحق
رغم ذلك لا أحد يستطيع أن ينكر دور فرنسيس بيكون في إحداث النهضة الأوروبية الحديثة، فتكمن ميزته في أنه نقل أوروبا من التفكير الفلسفي الإغريقي إلى التفكير العلمي التجريبي، فانتقل بها من ظلام العصور الوسطى إلى عصر النهضة والتنوير، وكذلك التفت إلى ضرورة إيجاد لغة خاصة للتفكير بحيث لا تتحمل كلماتها التباسات اللغة الدارجة بين العامة أو بين الكُتاب. وهذا هو ما انتهت إليه الأبحاث العلمية الحديثة، إذا اعتمدت المنهج التجريبي بدلاً من المنهج التأملي، واستخدموا لغة كمية بدلاً من اللغة الكيفية التي كانت من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في خطأ التفكير. فالعلماء اليوم يستخدمون لغة كمية خاصة مؤلفة من أرقام ورموز يتعارفون عليها مهما اختلفت لغات الكلام بينهم. فكان بحق نقطة تحول بين القديم والجديد، حيث عمل على إصلاح العلوم أو إحيائها بالتعويل على الطريقة الاستقرائية دون الطريقة القياسية التي لا تناسب العلم الحديث ولا تضيف جديداً يُذكر. وقد أخلص بيكون للعلم أكثر مما أخلص لأي شيء آخر، (فزعم أن حياته السياسية كانت تخدم في الأساس حياته العلمية)، وأن مقصده من سعيه إلى الارتقاء في عالم السياسة كان هو تحسين حالة الإنسان، وذلك بأن يستخدم ثروته ونفوذه للنهوض بقضية علم جديد يمكن أن يساعد في تحقيق هذه الغاية. أي أن المكانة العليا في عالم السياسة تساعده في أن يضع نتائج أبحاثه العلمية حيز التنفيذ. لكنه رغم ذلك لم يحصل على كلية أو مؤسسة ملكية ترعى ذلك. ولا شك أن ذلك يعكس مدى إخلاص بيكون للعلم، ولا أدل على إخلاصه هذا أكثر من موته متأثراً ببرد الشتاء بمعمله، وهو يُشَّرِّح دجاجة ويجري تجاربه عليها في عام 1626م.
 

ذو صلة
التعليقات