مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

شاعرة المهجر النمساوي السودانية إشراقة مصطفى: أنتمي لرحم أمي!

ترى الشاعرة والكاتبة السودانية إشراقة مصطفى أن التحديات التي تواجه المرأة السودانية لا تنفصل عن التحديات العامة المتمثلة في حرية التعبير وحقوق المواطنة، وتتساءل: كم من الوقت نحتاج ليكون لنا دُور للعرض السينمائي والمسرحي، ومكتبات في كل الأحياء؟!
إشراقة مصطفى الشاعرة والكاتبة السودانية/ النمساوية، التي تحلم بهوية كونية عبر الإبداع، كانت أحد طيور السودان المهاجرة إلى أوروبا، الذين استطاعوا تحقيق ذواتهم عبر إنجازاتهم الأدبية والإنسانية التي حلقت بهم ليس على سماء الوطن الأب وحسب، بل فتحت لهم آفاقاً أرحب وأكثر اتساعاً، وهي ناشطة في الثقافة والعمل الإنساني، وصاحبة قلم متميز الخُطى، صدرت لها عدة مؤلفات أبرزها: (أنثى المزامير)، (أنثى الأنهار)، (الدانوب يعرفني)، (فيينا)، (سيمفونية الربع الخالي)، كما تَرجَمت وتُرجم لها عدة أعمال من وإلى الألمانية.
التقيناها عبر أثير تضمخه الطيبة السمراء فكان هذا الحوار:
- يقول جبران: (لا أحد يعلم ما أصابك، لا أحد يعلم كيف هي معركتك الخاصة مع الحياة، ما الذي زعزع أمانك، كم كافحت وكم خسرت، لا أحد يعلم حقاً من أنت)، فهلا أخبرتنا من أنتِ؟
أنا عاشقة الحياة بلا منازع، وعمري الحالي ليس إلا عمراً زمانياً، فعمري الحقيقي مرتبط بالأمكنة، منذ ذلك المكان الآمن الذي أحن إليه، رحم أمي. لذا فأنا إنسانة بسيطة وأنتمي للبساطة والبسطاء.
- البدايات بمشقاتها، وعثراتها، ببراءتها وجمالها، وأولى الخطوات في طريق الكتابة؟
بدايات الصبابة كانت بكتابة خطابات الغرام لصديقاتي، كنت أتقمص الدور بمشاعري، وأكتب لهن. ولكن كثيراً ما يساورني اليقين بأني خرجت من بطن أمي الآمن حاملة قصاصاتي، وأن الأحبار كانت صرختي التي أعلنت بها للدنيا وجودي. ساعدني الاطلاع وتحفيز أبي وحبه للقراءة على صقل التجربة. وقد تعودت ومن زمن بعيد أن أكون نفسي لحظة الكتابة، ورغم مرور السنين الطويلة منذ البدايات إلاّ أني مازلت أراني في أول الخطوات وأتمنى أن لا أبارح الخطوة الأولى، فهي محفزي للانطلاق في عوالم الكتابة وفضاءاتها.
- ما الذي يحفز الإلهام في دواخلك أكثر، حب للحياة أم المعاناة فيها؟
حب الحياة طبعاً، وعنادي للانتصار على المعاناة.
- يقال: (إن الشاعر المبدع ليس خلاّقاً للغة فقط، وإنما لعالم آخر يسعى إلى الدخول في أتونه ألا وهو عالم الحلم)، فما الذي سعت إشراقة لتحقيقه من خلال الكتابة؟
أن أقول من نحن وماذا نريد، فالكتابة طريقي الذي اخترته للإسهام في مشروع الاستنارة والوعي. والكتابة إسهامي لأجل عالم تسوده المحبة والسلام. وأسعى لأن يصل صوتي المشحون بكل أصوات من يعانون من حولي.. صوتٌ مشحون بالأمنيات العظيمات. أسعى أن أكتب عن لاجئة على رأس جبل، وعن شباب تركوا بلادهم وكُتبت لهم النجاة من بحار المجهول.. عن نساء منسيات في خريطة العالم، وعمن يموتون في الحروب ويتشرد كثير منهم.
- كيف تنظرين لواقع المرأة السودانية، والتحديات التي تواجهها؟
تحدياتها لا تنفصل عن التحديات العامة، تحديات حرية التعبير وحقوق المواطنة. فالمرأة السودانية التي فاقت رصيفاتها في كثير من دول العالم، في كثير من المناحي، وساهمت في الحركة الوطنية، ونالت حقوقها عبر كفاح طويل ومرير، حق التصويت والانتخاب منذ الستينات، والأجر المتساوي للعمل المتساوي، هي نفسها التي يُمارس ضدها ما أسميه بعنف المؤسسة وذلك عبر ما يعرف بقانون النظام العام وهو قانون قديم ولكن تم تفعيله بعد 1989 بشكل غير مسبوق.
لذا أرى أنها تراجعت كثيراً من ناحية المكاسب وذلك لغياب الديمقراطية والتنمية التي تستهدف إنسانيتها. ومع ذلك ظل ما تنجزه المرأة السودانية يحير الواقعية السحرية.
- كيف تنظرين للوطن؟
الوطن؟ هو منفى الغريبة كما كتبت في الجزء الثاني من سيرتي الذاتية (الدانوب يعرفني). بعد سنوات طويلة تقترب من ربع قرن من الزمان تبلور لي وعي مُغاير حول مفهوم الوطن، الوطن في الناس أينما وكيفما كانوا، فما أعمق فكرة الوطن التي تتسع لأرواحنا وقلقنا الكوني الذي تظلله شجرة النيم الأولى التي ظللت طفولتي في كوستي... الوطن هو حين أعود من رحلة عمل وصوت الشاعر (حُمّيد) يشقّ جبال الألب، وشعراء النيل محجوب شريف والقدال وأزهري محمد علي، تحتويهم ملكة الدار في حضن فراغها الدفيء.. أناشيد هادرة عرفتْ جلالَ قدرها هذه الجبالُ التي تحيط بي والقطار يدندن: (كل ما تباعد بينا عوارض ألقى هواك يا سمحة ملكني).
- النمسا، وصراع الهوية الأفريقية، حدثينا عن تجربتك؟
هذا موضوع كبير وعميق ومن الصعب تفصيل الرد عليه في سطور ولكن أقول: لقد عشت نزاعي ما بين شد العروبة وجذب الأفريقانية. كنت بالنسبة لكثير من العرب لست عربية، ويتجلى ذلك في اندهاشهم بأني أتحدث العربية بشكل ممتاز.. وأرد عليهم بضحكة متجاوزة الرد المبرر والمعد سلفاً بأن العربية لغتي الأم وانتمائي لرحم أمي. وكثيرٌ من الأفارقة كانوا يرفضون انتمائي لهم لنفس السبب. السؤال ممن تعاملت معهم في نشاطاتي العامة من الأوربيين هو: من الشمال أم الجنوب، والسؤال يستبطن تحملي المسؤولية خاصة ولزمن قريب كانت النظرة للصراع في السودان كأنه صراع بين عرب مسلمين وأفارقة مسيحين. لذا فإن انتمائي إلى الهوية السوداء كفضاء سياسي يتجاوز كل ذلك ويسعى إلى عالم مغاير ينطلق من فهم مختلف عن السلطة والثروة في عالمنا وكيفية توزيعها، كان طريق انعتاقي من التصنيفات الضيقة. الهوية نهر لا يكف عن الجريان وأحلم بهوية كونية عبر الإبداع.
- حدثينا عن مشروع سمفونية الربع الخالي، ومن أين جاءت الفكرة؟
أيّ طريق أنجع من العزف على سيمفونية الأدب والفنون وسط كل هذه الخرائب التي تحدث الآن في عوالمنا؟ إرهاب وتطرف، والأبرياء يدفعون الثمن. كل الأفكار التي تتدافع بشكل إيجابي لغرس وردة مكان رصاصة، ما كان لها أن تشبّ عن الطوق وتتحدّى المستحيل لولا وجود عدد من النمساويين الذين آمنوا بأفكاري ودعموا تنفيذها على أرض الواقع. اختيار جمعية (القلم) لي ممثلة للأدب العربي كان قطرة البداية التي انطلقت منها مشاريع إبداعية تقوم على بناء جسور بين النمسا والبلاد العربية والأفريقية عبر الأدب والفنون.
(سيمفونية الربع الخالي) بادرتُ بفكرتها وكتابتها كمشروع واحتضَنها (القلم) النمساوي إيماناً بحرية الكلمة وفضاءاتها الإنسانية، ولخلق حوار جاد مع الكاتبات والكتّاب في دولة الإمارات وسلطنة عُمان. وقد تزامن تنفيذ البرنامج مع التفجيرات التي حدثت في فرنسا (2015)، وكان حواراً جاداً انطلق من نَصّ الشاعرة العمانية شميسة النعماني: (لا تَمتْ مثلهم)، فتبنّى معنا قسمُ حوار الثقافات بوزارة الخارجية النمساوية ورشة عمل ضمن البرنامج الثقافي، وكان المحور بعنوان: (ماذا يعني الموت؟). الموت هو الموت، والسلام مبتغانا. هكذا عبّرت الكاتبات وعبّر الكتّاب عن إنسان المنطقة العربية. مشروع دعمته الشاعرة والناشطة الإماراتية كلثم عبدالله وسانده بإيمان مطلق الكاتب العُماني خميس العدوي وكان حينها رئيساً للجمعية العمانية للكتّاب والأدباء. سلسلة من المشاريع تستمر في أفق ممتد مسنود بالديمقراطية التي تتمتع بها الدولة النمساوية ودفعت الغالي والنفيس لأجلها.
- كيف تنظرين لمستقبل المشهد الثقافي السوداني المعاصر في ظل التحولات الجديدة؟
سيكون مشهداً قاتماً إذا لم يحدث التحول الديمقراطي، والاعتراف فعلياً بحرية التعبير وإزالة كل ما يعيق الانطلاق في دروب الإبداع المختلفة. كم من الوقت نحتاج ليكون لنا دُور للعرض السينمائي والمسرحي، ومكتبات في كل الأحياء؟
- برأيك، كيف يسهم الخطاب الشعري والنثري - في رفع نسبة وعي الشباب وتحرير عقولهم من الأدلجة؟
الشعر موقف وانحياز للإنسان عبر مخاطبة وجدانه، والإنسان يستطيع أن يميز ما يشكل حدائق وعيه وينحاز له، تلك اللحظة الفريدة هي انحياز للنفس وطموحها.

ذو صلة
التعليقات