مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

الدرجات

في محاولةٍ لإزالة الحدود بيني وبين نفسي، وجدتني أمام ممر من ظلام قاتم وكثيف، دخلته دون وجل أو تردّد.
قادني الممر إلى ما يشبه درجاً قديماً، بلاطاته مخلّعة ومطفأة اللمعة، وقد نبت العشب بينها.
حينها تذكّرت الدرج الآخر وعرفته، فبكيت: أنا في الثامنة من العمر، أعود وشقيقي من المدرسة ظهراً، ما أن نقتربَ من المنزل حتى أسرع لأسبقه صاعدةً الدرجات، فيبدأ بالركضِ ورائي إلى أن يمسك بي، كما يحدث في معظم المرّات يشدّ جدائلي كما اتفقنا.
المغلوب ينال عقابه ضرباً، أو يُحجز تحت الدرج، أو تُشد خصلات شعره - إذا كانت فتاة. تذوّقتُ حلاوة النصر مرّة واحدة أو مرّتين، لم يستطع فيهما أخي اللحاق بي وصعود الدرجات قبلي..
هل قلت إنها ثلاث عشرة درجة؟ قبل عتبة البيت تماماً، وقفت أنتظر ضحيتي المهزومة..
وصل أخي رافعاً يديه فوق رأسه استسلاماً كان عرقه يتصبّب من وجهه بينما يلتقط أنفاسه بصعوبة:
- ما العقاب الذي تريده؟ قلت باستهزاء..
- ألْبِدُ تحت بيت الدرج دون غداء.
- لا، لن أقبل.
فبدأ يفاوضني من جديد بأمل يدرك جيداً أنّه لن يتحقق:
- أنسخُ كل واجباتك، وأكتب الأرقام عشر مرّات، من رقم واحد حتى رقم عشرة.
- ليس لديّ واجبات.. ضعْ حقيبتك جانباً، أرفعْ يديك ودرْ بوجهك للحائط.
أذعنَ، فبدأتُ أسوطه بالحزام بقوّة حتى ارتفع صوته متوسلاً بأن أدعه..
قال بأنّه سوف يسامحني غداً ويدعني بلا عقاب، أحياناً كنت أستجيب، وأحياناً تذهب توسلاته سدى، مثلما كانت تخيب توسّلاتي.
الآن،
مَن يبكي هزيمته فوق درجات عتيقة ومتخلّعة؟ من يتذكّر إنْ كانت له عينان بلونٍ أخضر شاحب؟
لا صوت الآن إلا صوت ذاكرتي..
أذكر أنني كنت أقرع الباب وأدخل ثم أغلقه سريعاً، يكون أبي بانتظاري دائماً..
يحتضنني، يهمس في أذني: أين أخوك؟ دون أن يخفي طيف ابتسامة ألمحها ترتسم فوق وجهه..
لعبنا معاً لعبتنا وهزمته، إنّه الآن يبكي إنّه مهزومٌ وخاسر
يربتُ على ظهري، ولا يفتح له الباب أو يذهب لمناداته، مثلما كان يحدث وأكون أنا المهزومة أمام أخي..
الآن في هذه اللحظات، أنا في حاجةٍ لحواسي في حاجةٍ لجسدي الذي أريد له أن ينزف، أن يتنفّس، ويعرق ويُهْزَم  في حاجةٍ إلى ذلك كلّه لكي أستمر في الحياة، لكي أصرخَ وأنادي أخي دون أن أحصي هزائمي دون أن أتجاوز الدرج، ثم العتبة، وأدخل البيت مثلما كنت أفعل دائماً، لأجد هناك من يحتضنني!
يا إلهي! لقد كنّا أكثر من أخوين شقيق وشقيقة! في المساءِ نراجعُ دروسنا، ونكون قد نسينا خصوماتنا الصغيرة، وهزائمنا المضحكة قبل أن ننام طفلين في سرير واحد..
أين ذهب الذين لم تعد لهم سوى أسمائِهم العارية من كل شيء سواها؟
والسرير، هل ما يزال يحتفظ برائحتنا، وألواننا ودموعي؟
أشعر بأنّ الهواء ثقيل وخانق.. نفسي تمسك بنفسي الجديدة وتحجب ما بينهما..
كان الدخول إلى البيت، بيتنا، أراه الآن، فأرى النافذة هي نافذة مغلقة، منذ متى؟ كانت أمي تدعها مفتوحة وأرى الباب  لكل بابٍ مفتاح، هل أملك مفتاحاً لأدخل؟
أفتّش جيوبي.. فارغة حقيبتي.. فارغة ويداي فارغتان أيضاً، فلماذا إذن وقوفي فوق بلاطات درج متخلّعة؟
الحديقة يبست أشجارها.. شجرة التوت الكبيرة.. أحسّ جفافاً في حلقي، نشافاً في فمي، وأدرك الآن بأنني لن أرتوي قط
أين تقودني نفسي؟ كأنما هو كمين نُصب لي ولا أرى خلاصاً منه أو فكاكاً.. ما الذي جاء بي إلى هنا؟ عيناي لا تريان شيئاً.. عيناي تخلّتا عني الآن لا تريان شيئاً متعيناً.. هي ظلالٌ داكنة، وخطوط باهتة تمتد بارتخاء تشبه نسيج عنكبوت..
تغزوني رائحة ثقيلة وعتيقة رائحة مزمنة أقرب إلى روائح الأشياء المتعفّنة.. يا نفسي عودي إليّ يا نفسي عودي إلى نفسي!
وكان أن سقطتُ عن الدرج، ولَبَدْتُ تحت زاويته اليسرى، فيما أزاحت يداي الغبار عن وجهي وثيابي ونمت.
* * *
استيقظت بعد ساعات حسبتها أطول بكثير مما كانت حقاً،
الفراغ في كل مكان، فراغ ورائحة راكدة، خِلْتُ أنني كنت في نومي المتعب قد سمعت ما يشبه الصرخات، أو حشرجات مبهمة أم هو صوت يشبه الأنين المتقطّع لأناس ربما كانوا يحلمون بي، أو ربما كنت أنا من يحلم بهم.
وحيدةٌ على درجات متخلّعة، والغبار يحرسني على العتبة، ككلب بيتٍ قديمٍ ومهجور.
ولم أغادرني قط، أعني لم أغادر نفسي، أوتغادرني نفسي الأولى، لأعود كما كنت من قبل، أو لأراني طفلة بجدائل سود لها من العمر ثماني سنوات، تلعب وحيدة على درج بيت صغير
* * *
بماذا وعدتكم؟ أو بماذا وعدتموني أنتم يا من لا تنهضون الآن؟! انهضوا انهض يا أخي، وعانقني، وشق هذا الظلام الساتر الكثيف المتطاول أمامي، أمامنا، وقل لي: هل حلمتَ بي؟ أنا حلمت بك كثيراً، لكنك لم تتوقف.. أنت لم تتوقف لمرّة واحدة في حلمي لتراني.. لم تتوقف لتلقي عليّ التحية بإشارة من أصابع يدك الناحلة.. لم تنظر وراءك لمرة واحدة من أجلي، من أجل مواصلة حلمي بك.
* * *
تتشابه الأشياء جميعها في النهاية..
تتشابه وتلتقي هناك في آخر الدرج، حيثُ أرى في الظلامِ ما أخاله يخترق هذا الظلام ويتجاوزه، فيطلع كلبٌ ضخمٌ أسود يهز ذيله كالمروحة، ثم يقعي يواجهني على درجات متخلّعة لبيت قديم ومتآكل، ويبدأ بإطلاق نباحه نحوي.

ذو صلة
التعليقات