مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

إرهاب الشارع

تلاحقني من غرفة لأُخرى داخل المنزل، وخارج المنزل، تتبعني أينما ذهبت أصواتهم الشاحبة المتصاعدة من تحت التراب.
في نهاية الطريق المؤدية إلى منزلنا مصحٌ نفسي متهالك، يعمل به طبيب نفسي سبق وأرشدني إليه أصدقائي.
أشباح الأطفال الذين دهستهم تقف في طريقي إلى المصح النفسي، وأصواتهم تتعالى.
بخطوات مثقلة أحاول التقدم.. أغمض عينيَّ.. وأضع إصبعي في أذني لأذهب ذلك المشهد المخيف.. وأُسكت أصوات الأطفال.
أتابع سيري ببطءٍ شديد.. وأصر على الوصول للمصح لمقابلة الطبيب لعله يجد لي مخرجاً من هذا المأزق.
أو يرشدني لوصفة سحرية تنسيني فتوّتي التي تعملقت خلف مقود السيارة.. وجعلت مني فتىً لا يقهر حتى أمام براءة الأطفال العائدين من مدرستهم إلى بيوتهم تحفهم تلك الابتسامات الطاهرة.
تلك الفتوة المرعبة قتلت فيِّ الرحمة التي كانت تنام بين أضلعي.. وقتلت المسؤولية التي أثقلت عاتقي.. حينما جئت (مفحطا) أفرد عضلاتي على الحديد والنار.. وأصهر براءة ثلاثة من الأطفال تحت عجلات سيارتي.
كل تلك القوة غابت أو غيبتها في لمح البصر.. ليتحول ذلك المشهد البطولي الخارق.. لمشهدٍ مضحك باكٍ في آنٍ واحد.. وأهرب كالفأر البغيض الذي تلاحقه القطط الجائعة.
لست مدركاً بعد ماذا فعلت، كل ما أعرفه الآن أن تلك المشاهد البريئة وابتسامات الأطفال.. وركضهم وقفزهم كالطيور البريئة وهم عائدون من المدرسة.. بجانب الشارع.. ما زالت ترعبني.. وتجعلني مضطرباً أكثر كلما رأيتهم.. وكلما هربت أو حاولت الهرب من تلك المشاهد تكررت ولاحقتني.
أين المهرب؟
أخيراً أصل إلى بوابة المصح.. أعبر عتبة ذلك المصح المتهالك.. الممرات تسرق ضوء الشمس من فتحات وضعت في جدرانها الجانبية.. ولا أحد يمر من هناك.. أسير وحدي مرتعباً.. أبحث عن غرفة الطبيب.. بين الغرف المقفلة عن يميني ويساري.. بعد جولة من البحث أرى لوحة صغيرة كتب عليها (الطبيب).. أطرق الباب.. ومن خلفه يأتي صوت رجل عجوز.. (أدخل).. أدخل إليه أسلم وأجلس إلى مكتبه الخشبي..
أساله (أنت قاتل الأشباح؟)
نظر إلي مستغرباً ذلك السؤال.. ليجبني بسؤالي (ومن أنت؟)
أسرد له قصتي مع الأطفال الثلاثة.. ومع أصواتهم المترددة في أذني، لا أعلم من أين تأتي.. وعن صورهم التي تؤرقني كلما نظرت إلى المرآة.
الطبيب: يا بني ليس المسؤول بأعلم من السائل.. ولن تجدني مفيداً لك.. عد إلى حقائبهم.. تسامح مع تلك الحقائب التي كانت على ظهورهم.. تسامح من الشارع الذي أرعبته بدمائهم.. ومن الرصيف الذي احتضن دموع الباكين على أولئك الأطفال.. عد لنفسك التي تركتها بين جموع المشيعين لتلك الجنائز البريئة.. واحتضنها داخلك جسدك الهارب.. عد للأمهات اللاتي فقدن أطفالهن.. والآباء المنكسرين على إطارات الصور القديمة.. عد إلى كل شيء قديم تحبه.. ولا تعد لمن زرعك بين الحديد بالنار.

ذو صلة
التعليقات