مجلة شهرية - العدد (504)  | محرم 1440 هـ- أكتوبر 2018 م

القريات والجوف قبل الإسلام

لماذا الحديث عن هذه المنطقة قبل الإسلام بالذات، الكلام عن هذا الموضوع ليس وليد اليوم، أو لأنني دعيت لكتابة موضوع ما في مجلة عربية فقط؛ ولكن لسبب أن الإنسان في بعض البيئات وبخاصة لدينا في منطقة الشرق الأوسط غالباً لا يهتم بمخلفات التاريخ من آثار أركيولجية وغيرها، مما يدعو البعض للتساهل بدمارها أو العبث بها أو تناقلها للبحث عن الربح المادي من سرقة للمنقوشات والأواني والأدوات التي خلفها إنسان المكان قبلنا، وذلك إما جهلاً أو عبثاً أو طمعاً منه. وكل ذلك يسيء لتاريخ المكان الذي ننتمي إليه، ويفقده جزءاً من حضارته التي تميز مجتمعاتنا عبر التاريخ.
تميزت هذه المنطقة بموقعها الحيوي على الحدود الأردنية العراقية، ولقربها من سوريا، ولذلك فإن أحداثها تتأثر بأحداث تلك الدول على مر الزمان وليس اليوم فقط. وترتبط معها تاريخياً ببعض الأيدولوجيات التاريخية، وحتى التضاريس والمناخ مقارب لتلك الدول حولها.
إن ما دعاني هو موضوع من سنين كان يبعث للتساؤل، فالمنطقة ليست وليدة اليوم أو البارحة، وما يثير الشغف بها هو أنها كانت منطقة عبور لعدة حضارات تتبادل الأماكن من حولها، وما يثير الاهتمام أيضاً أن هناك مجموعة رحالة بدؤوا من القرن السابع عشر حتى بداية القرن العشرين يعبرون من خلال هذه المنطقة متوجهين لداخل الجزيرة العربية بدولها الإقليمية في ذلك الوقت، وكنت كثيراً ما أقول ربما اختصاراً للمسافة، ولكن حين كانت مدة إقامتهم بالمنطقة تطول مثل بالجريف وآن بلينت؛ أتعجب؛ أيضاً القطار كان يربط بلاد الشام بالحجاز ويستطيعون أن يقتربوا أكثر من منطقة نجد أو من منطقة حايل إن كان هدفهم تلكما الإمارتين في حينها.
وهؤلاء يمكنهم الدخول للمملكة في ذلك الزمان من خلال إحدى مستعمراتهم بالكويت والعراق أو عبر البواخر المتجهة للهند عن طريق عمان واليمن. فجميع هؤلاء الرحالة كانوا بريطانيين، لا أعرف ما سر الجذب بالمرور والمكوث في الشمال الغربي للمملكة وبالذات القريات والجوف. إن المنطقة بكاملها هي محتوى تاريخ لأحداث كثيرة قبل الإسلام، ومواطن عديدة لبعض القبائل والممالك، فاستيطان البشر في هذه المنطقة يعود لعصور متقدمة من التاريخ يصعب تحديدها إن لم تكن هناك علامات تشير لتلك الأزمان.
ولو أخذنا الحقب التاريخية فإن المنطقة تعتمد على العلماء في تخصص الحفريات أو ما يسمى Paleontologia أو ما يسمى حياة ما قبل التاريخ. وهذا لا يمكن إغفاله إن لم نقدمه قبل أن نقول لكم المنطقة فيما قبل الإسلام ماذا كانت وماهو دورها الذي تمثله في المنطقة. ولقد حددت بعثة جامعة أكسفورد (تاريخ شرق الأردن –فريدريك بيك) عمر الاستيطان الزمني بمتوسط يقارب 30000 سنة قبل الميلاد، فهنري فيلد يقول بأن: (الظواهر الأركيلوجية والجليوجية تدل أن المكان خصب وغزير المياه). وقد خصت بعض النصوص الآشورية بذكر أكثر من موقع على ضفتي وادي السرحان الذي تتربع على جانبيه المنطقة، فلا تزال بقايا من تلك الحضارات ماثلة في المنطقة، ويتمثل ذلك في عدة أماكن منها، فهناك قنوات الري بأسراب أنفاق تحت الأرض مثل الحديثة وأثرة وقراقر والعين البيضاء. ولنبدأ بمقولة أحد الرحالة، وهي آن بلينت الرحالة الإنجليزية، وهي تتكلم عن قرية أثرة في القريات: (قرية أثرى قريبة من كاف، وتفخر على كاف بالبناية القديمة، فالقلعة المصغرة في داخل الأسوار على طراز بيوت هارون الرشيد، وهذه مبنية بحجارة سوداء حسنة التربيع منتظمة الوضع بدلاً من الطين، وعلى عتبة المدخل توجد بالأحرى كتابة بحروف قديمة ربما حميرية). وبعض المؤرخين يرى أن هذه النقوش آرامية أكثر من كونها حميرية.
طريق الحرير والمنطقة
أقرب مدن المملكة تقريباً لطريق الحرير القديم برياً هي محافظة القريات. وقد كانت هناك طرق فرعية تصل من طريق الحرير المؤدي لدمشق وبقية مدن بلاد الشام ومدينة الموصل في العراق، حيث تصل لوادي السرحان والذي تقيم منطقة القريات على ضفافه، وهو أطول وادٍ في شمال وغرب الجزيرة العربية، ويبلغ طوله 500 كيلو متر، يبدأ من جنوب شرق الأردن بمنطقة الأزرق، وقد يصل بنهايته إلى منطقة النفود بقرب الجوف، وتحتوي ضفافه على بساتين بسيطاء العامرة بالمزارع والمشاريع الزراعية في زماننا الحالي.
وقد سمي وادي السرحان بهذا الاسم بعدة روايات مختلفة، تعود إلى سكنى قبيلة السرحان فيه، وهناك مقولة تشير أن اسمه السابق يطلق عليه وادي الأزرق حتى سكنته هذه القبيلة فسمي باسمها. وفي مدلولات أخرى أن القبيلة نفسها أخذت الاسم من الوادي بسبب سكنها بجانبه حيث اسمه وادي السر، وهو اسم قديم كان يطلق على هذا الوادي وما حوله. فاسم الوادي لدى الإغريق (أرض أوسيتس –ِAusitis)، فقد ورد في التوراة العهد القديم بهذا الاسم، وقد ذكره نصر الإسكندري باسم وادي السر. ورجوعاً لما قال ياقوت: (حرة راجل بين وادي السر ومشارف حوران)، وقد قيل بوادي السرحان والعيون من حوله باسم (بنات قين)، حيث كان القين بن تغلب ينزل بها، ويقول عنهن هؤلاء بناتي. وقد سأل عمر بن الخطاب عن بيت شعر يقول:
نأت سعاد عنك نوى شطون
فبانت والفؤاد بها رهين
وحلت في بني القين بني جسر
فقد نبتت لنا منهم شؤون
وقيل له إنه للنابغة الذبياني في عيون بنات قين لوادي السر. والعامري في بلاد العرب للأصفهاني/ ص245. يقول:
(أثره والرفيعة وأبايض كلهن من بلاد بلقين، وهن في طرف بادية الشام).
وهذه المنطقة من أكثر مناطق شبه الجزيرة العربية التصاقاً بتلك الحضارات في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وبالأحرى الهلال الخصيب بكاملة، فهناك طريق تجارة موصل بين تيماء ودادان وتدمر وبصرى تخترق وادي السرحان حيث يمر بهذا الوادي ليتوجه بشكل مشع لعدة طرق تتوجه للهلال الخصيب ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد كان من أوائل من عبر هذه المنطقة الفينيقيون والكنعانيون متوجهين لبلاد الشام، وكان طريق القوافل من جرهاء ومملكة ديلمون (دراسة في التاريخ القديم – القطيف/ سلمان رامس)، والمتجهة إلى ساحل البحر الأبيض وغزة وسيناء. إذاً المنطقة كانت تتمتع بتحكمها بطريق تجاري حيوي ومعبر للحضارات.
طريق الهجرات
المنطقة بكاملها كانت تشكل بوابة الهجرات قبل أن تكون مستقراً دائماً للحضارات المحيطة بها. فحيث وجود مكان آمن في أي طريق يسلكه السالكون في تلك الحقب الزمنية للوصول لأرض العمل أو الكثافة السكانية العالية. لذلك كانت تلك المنطقة بالنسبة لقاطنيها هي مركز ثقافي يمد قاطنيها بشتى أنواع الثقافات من حولها، ففي الجنوب الحجاز واليمن ونجد وسط الجزيرة العربية وشرقها كل منطقة الخليج العربي وفي شمالها العراق من غير بلاد الشام والتي هي أشبه بجزء ملتصق بها على طول الخط التاريخي قبل الإسلام وبعده.
كانت هجرة الفينيقيين من الخليج العربي بعد تركهم لحضارة دلمون وتوجههم لبلاد الشام، فبعض قوافلهم وطأت هذه المنطقة والبعض استقر بها بإشارة لبعض النقوش الموجودة على بعض الصخور (الدكتور سامي سعيد الأحمد – التجارة في الخليج العربي في الألف الثالثة ق.م. ص - 227).
أما ما يلفت النظر فهو مرور أو مقام ذي القرنين بأحد مواقع المنطقة والمسماة بالحنو، حيث يقول الشاعر في ذلك:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاوياً
بالحنو في جدث أميم مقيم
(البداية والنهاية _ ص 97 الجزء الأول طبعة القاهرة)
والحنو هنا شهد كثيراً من الأحداث، وقد ورد ذكره بأشعار العرب، حيث يقول أعشى قيس:
أما تميم فقد ذاقت عداوتنا
    وقيس عيلان مس الخزي والأسف
وجند كسرى غداة الحنو صبحهم
    منا غطاريف ترجو الموت وانصرف
لقوا ململمة شهباء يقدمها
    للموت لا عاجز فيها ولا خرف
لما رأونا كشفنا عن جماجمنا
    ليعلموا أننا بكر فينصرفوا
لو أن كل معد كان شاركنا
    في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف
فالقصيدة تكلمت عن موقعين قريبين من بعض مكانياً في المنطقة، فالحنو بجانب موقع ذي قار، حيث ورد في كتاب أيام العرب في الجاهلية لمحمد أحمد جاد المولى وآخرين معه بنص: (فوافقه كسرى وأقرهم، حتى إذا قاظوا جاءت بكر بن وائل فنزلت بالحنو حنو ذي قار).
ومنطقة قراقر والتي تاريخياً تعود لبني كلب إحدى قبائل العرب المعروفة في الجاهلية، فموقعهم وآثارهم لا تزال شاخصة في هذا المكان بالقرب من أثرة في القريات. وقد تكلم عنه كثير من المؤرخين والرحالة، كما ورد ذكر الموقع بعدة أشعار للعرب منهم النابغة الذبياني:
شكرت لك النعمى فأثنيت جاهدا
    وعطلت أعراض العبيد بن عامر
ولولا أبو الشقراء ما زال ماتح
    يعالج خطافاً بإحدى الجرائر
بخالة أو ماء الذنابة أو سوى
    مظنة كلب في مياه المناظر
له بفناء البيت دهماء جونة
    تلقم أوصال الجزور العراعر
بقية قدر من قدور تورثت
    لآل الجلاح كابراً بعد كابر
تظل الإماء يبتدرن قديحها
    كما ابتدرت كلب مياه قراقر
وهذه الأبيات الشعرية المتفرقة في أشعار العرب تثبت وجود بعض القبائل العربية في هذه الأماكن، وقد جاءت عن طريق الهجرات أو التجارة أو الطلب للمرعى أو مواطن المياه، وهي طبيعة حياة الإنسان الأول في معيشته وثقافة حياته.
ممالك المنطقة ودياناتها
عندما نتابع حركة الممالك على الخرائط الجغرافية والتي حددها بعض الباحثين، وتم التأكيد عليها من خلال البحوث الطويلة في القرن الماضي، والتي وثقت عبر عدة مراجع؛ فإننا نستطيع أن نرجح أن المنطقة خضعت لعدة ممالك وعدة ديانات على مر تاريخها، حتى وصلت بعد غزوة دومة الجندل وتحديداً بعد بناء مسجد عمر بن الخطاب إلى الإسلام. ويستطيع أن يقول المؤرخون إن المنطقة أصبحت تخضع لسلطة المسلمين وتتبع الدين الإسلامي بشكل عام إلى يومنا هذا.
تجاهُل المؤرخين لهذه المنطقة هو تجاهل للبحوث الطويلة والكثيرة التي يتم بها متابعة النقوش والآثار التي تزخر بها المنطقة ومتناثرة بين وديانها وسهولها وجبالها وقراها القديمة، وهذا مما يستدعي تكلفة مادية عالية.
إذاً هناك حضارات متعاقبة على هذه المنطقة مثل الأنباط وبقية دويلات المنطقة عبر التاريخ. ونستطيع أن نسرد منها عدة أسماء، ولنأخذ الألفية الأولى قبل الميلاد مثلاً:
- الآراميون، وهم أحد الشعوب السامية، وموطنهم الأصلي بلاد الشام، وبخاصة سوريا بأنحائها. ولكن بحسب أحد المراجع يعود موطنهم أو أنهم شعوب نزحت من وسط الجزيرة العربية، وبالتحديد من وسط نجد بحسب رواية (سليمان الذيب – نقوش تيماء الآرامية ص 11)، ولغتهم تنسب لاسمهم وهي اللغة الآرامية التي لا يزال بعض من قرى سوريا القديمة مثل معلولا وغيرها تتكلم هذه اللغة الميتة، فكانت شمال المملكة في تلك الحقبة قبل الميلاد من أمصار هذه الشعوب الآرامية.
– العمونيون والمؤبيون، ينتمون لأصل واحد، وهم من القبائل السامية، وقد ذكروا بالتوراة، بدأت تحركاتهم بالهجرة من بلاد الشام إلى الجنوب الغربي، حيث ما يسمى الآن بالأردن حتى تيماء. وقد رصد تاريخ تواجدهم بالمنطقة نحو القرن 14 قبل الميلاد. وانتهت مملكة المؤبيين فيما يقارب القرن 6 قبل الميلاد وبدأ عهد جديد للآدوميين.
- مملكة تدمر، أما هذه المملكة فقد وصلت لحدود مارد وتراجعت عندما انهارت مملكة التدمريين نحو 271 قبل الميلاد.
- الغساسنة، كانت المنطقة أشبه بممرات آمنه لتلك الحقبة الغسانية. وليست مستقراً لهم أو من نواحيهم المهمة، ولكنها تعتبر من أمصارهم التي يعتمدون عليها في حماية المملكة من حيث أن الأطراف دائماً هي أشبه ببرج المراقبة لنواحي الدولة.
 - الآدوميون، سكنت آدوم منطقة ما نسميه الآن جنوب الأردن، وامتدت ما بين الحسا وخليج العقبة والبحر المتوسط، فالآدوميون هم قبائل عربية هاجرت من اليمن في القرن 14 قبل الميلاد وسكنت الأردن في القرن الثاني عشر قبل الميلاد حتى السادس قبل الميلاد، وقد ذكرت مملكة آدوم أو مدينة آدوم بالتوراة في أسفار العهد القديم بين مملكة آدوم وبني إسرائيل.
قدمت الباحثة د.هند بنت محمد التركي في: (مملكة قيدار.. دراسة في التاريخ السياسي والحضاري خلال الألف قبل الميلاد)؛ قدمت نصاً يكشف النقاب عن هذه المنطقة بتاريخها القديم، ويتكلم عن ملك شارك الحروب مع الآشوريين اسمه جنديبو، بقولها: (حيث تشمل وادي السرحان الذي يصل سوريا بشمال الجزيرة العربية منطقة الجوف ومركزها واحة دومة الجندل، فجنديبو كان يسعى للمحافظة على مملكته ويرجح أن مملكته هي أدوماتو – الجوف حالياً). وقد ذكرت الباحثة أسباب تسمية أدوماتو وذكرها بالتوراة بهذا الاسم (دوماه). وقال عنها الواقدي باسم دوماء الجندل.
وقد تمتعت المنطقة وإدارتها العامة باسم أدوماتو بالاستقرار والأمان السياسي والحضاري، بعد قضاء الفرس عام 539 قبل الميلاد على الدولة البابلية. حيث اعتمدت على استثمار المقومات الطبيعية والإشراف على حركة الطرق التجارية التي تمر عبر أراضيها، حينها تمكن الأنباط من بسط نفوذهم على هذه الواحة العريقة بعمق التاريخ، وكان الأنباط بدؤوا يمارسون دورهم الحيوي بالمنطقة بعد عدة صراعات لهذه المنطقة الحيوية، فهي مفصل لكل الحضارات من حولها. من هذه الدويلات التي وجدت تاريخها في المنطقة تكون الجوف والقريات من أشهر المدن التي تمتد عبرها تلك الممالك وتنحسر عنها، فاسم أدوماتو، ودومة، وقراقر، والحنو، وذي قار، ليس اسماً وليد البارحة، بل هي أسماء قديمة لهذه الأماكن بعمق وقدم التاريخ نفسه.  وقد تعاقبت على هذه المنطقة مجموعة من المنظومات الدينية قبل الإسلام، وكان منها الديانات اليهودية والمسيحية والصابئة، وقبلها كانت بعض المعتقدات الوثنية من عباد الشمس والقمر.
وبدأ الإسلام بفتوحاته، وكان من السهل أن تستسلم هذه المنطقة لجيوش المسلمين، وكان حصنها مارد قد تمرد على مملكة تدمر. ولن أتجاوز بمقالي هذا حدود هذه الحقبة لأن تغطية تاريخ ما قبل الإسلام هو تمهيد لمن يريد أن يبدأ الحديث عن فتح مارد وبناء مسجد عمر.

ذو صلة
التعليقات