مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

الزعيم العابر للحدود

عبَّر شيخنا العلامة أبو عبدالرحمن بن عقيل في (تباريح) العدد (495) من (المجلة العربية) عن بعض مما في وجدانه تجاه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.. أثار بعضاً مما في وجداني وأنا من الجيل اللاحق لجيل شيخنا حفظه الله.. والذي لم يقع تحت تأثير وهج رئاسة جمال عبدالناصر وأثير إعلامه، فما وقر في وجدان جيلي والجيل الذي تلاه هو أثر نتائج أعماله على أرض واقعنا العربي اليوم.

كل حاكم عربي كان له أثر بشكل أو بآخر على الوطن العربي.. والنتاج الذي يعيشه العرب اليوم هو حصاد ما زرعوه.. فمنهم من زرع الدمار في مجتمعه وآذى العرب معه، ومنهم من زرع النماء فاستفاد مجتمعه وأفاد العرب معه.. والرئيس جمال عبدالناصر (يرحمه الله) هو أحد المؤثرين الكبار في تاريخ العرب المعاصر.. وفيما يلي قراءة ورؤية شخصية حول سنين حكمه:
1 - (الزعيم العابر للحدود) هو أحسن وصف قرأته عن الرئيس جمال عبدالناصر.. فبعد العدوان الثلاثي على مصر عام (1956م).. أعطته تلك الحرب وما آلت إليه مرتبة الزعيم القومي العربي الأوحد.. وأهَّلته لكسب حضور شعبي عربي طاغٍ.. جاشت برأسه وجعلته يتدخل في شؤون الدول العربية الأخرى ويقدِّم نفسه على أنه زعيم العالم العربي قاطبة، ومن يجرؤ من الحكام على رفض ذلك فإنه يدبر ويدعم محاولة انقلاب عسكري ضده!.. بعض هذه المحاولات فشل كما في السعودية والمغرب والأردن وتونس، وبعضها نجح كما في ليبيا والسودان والعراق، أما سوريا فقد دخل في اتحاد معها، وعَدَّ ذلك نواة لدخول بقية الدول العربية تحت مظلته، وخاض حرباً في اليمن لتغيير نظام الحكم فيها، انتهت بخسائر بشرية كبيرة خصوصاً في الجانب المصري. في غضون ذلك صنَّف العرب إلى فسطاطين: ملكيات رجعية وجمهوريات تقدمية. وأصبحت دول العالم تتعامل معه على أنه زعيم المنطقة.
2 -في مقالة لوزير الخارجية الليبي الأسبق عبدالرحمن شلقم وصف العدوان الثلاثي على مصر بأنه (الهزيمة المجيدة)، حيث تحولت إلى نصر مجيد بتدخل أطراف خارجية بسبب ظروف ليس لعبدالناصر أو مصر فيها علاقة، اكتشف بعدها عبدالناصر قوة الجماهير العربية التي أيدته نتيجة ذلك العدوان، بهذا الاكتشاف سيطر جمال عبدالناصر على الأذن العربية بخطاباته النارية الحماسية الثائرة مستفيداً من الإذاعة بشكل ليس له مثيل في زمانه وإلى زماننا هذا، إضافة إلى أنه امتاز بصوت إذاعي أخاذ حتى قال عنه أحد الإعلاميين العرب: (لو لم يكن رئيساً لكان مذيعاً ناجحاً). هذا الاجتياح الإذاعي الخطابي مسَّ شغاف القلوب لمجتمعات إما حديثة عهد بالاستقلال كما في دول شمال الجزيرة العربية ودول شمال أفريقيا، أو حديثة عهد بالمدنية كما في دول الجزيرة العربية، وكان من نتائجه صعود التيار القومي في العالم العربي حتى أصبح الصوت الأوحد، إلى درجة أن الجموع المؤمنة بالقومية سَمَّت نفسها (ناصرية).
3 - هذا الإيمان الواسع بالناصرية بين أفراد مجتمعات الدول العربية، أسكر عبدالناصر، وظهر هذا جلياً في خطبه الإذاعية التي لم تكن موجهة لمصر وحدها، بل للعرب، وأحياناً للعالم، على اعتبار أنه يمثل كل العرب، وهو ما جعله يتجاوز كثيراً حدود كياسة الزعامة ووقار الرئاسة إلى غوغائية العامة، حتى استفاق عام (1967م) على النكسة.
4 - يختزن اليوتيوب مقاطعاً من تلك الخطب الحماسية، اخترت منها فقرات مختلفة كانت تستمع لها مصر وكل الشعوب العربية الطامحة إلى التغيير إلى الأفضل. وقد كانت هذه الخطب تهز الجميع وتـُلهب حماسهم وتؤلب مشاعرهم حتى على أوطانهم أحياناً، وكانت تجد هوى في نفوس المستمعين من العامة والنخب على حد سواء إبان مرحلة انطلاقة العرب في عصرهم الحديث، حينها صارت (الناصرية) حزباً في كل دولة، وأمست القومية العربية دين تلك المرحلة، وانتهت بكارثة لا تزال نتائجها تتداعى على العرب كافة.
= في خطاب شهير بعد أن أغارت الطائرات المصرية على جيزان ونجران عام (1963م) بَرَّر عبدالناصر الهجوم فقال: (كام واحد من الإخوان المسلمين اللي هربوا سنة (1954م) راحوا في موسم الحج.. فيصل اداهم فلوس عشان يهاجموا عبدالناصر والثورة).
= في (2 مايو 1967م) قبل شهر وأربعة أيام من النكسة هاجم عبدالناصر الملك حسين فقال: (الملك حسين بيشتغل في (السي آي إيه).. يبقى الإذاعة بتاعته بتشتغل في (السي آي إيه).. يشتموا بقا كلام سافل وكلام وسخ.. الكلام اللي بتقوله إذاعة الملك حسين.. أنا وهما والزمن طويل).
= ثم هاجم الرئيس التونسي بورقيبة فقال: (بورقيبة أنا مش عايز أتكلم عليه.. الراجل عيان ربنا يشفيه.. ويشفي قلبه.. لكن لازم نقول يشفي عقله كمان.. معركتنا ما هياش مع فيصل ولا مع حسين ولا مع الملحوس بورقيبة.. ولا مع شاه إيران.. دول أصلهم أدوات بيشغلها الأمريكان.. وهذه الأدوات لا تساوي شيئاً).
= وأيضاً هاجم أمريكا على إيقاف المساعدة المالية لمصر بقوله: (مساعداتكم على الجزمة).
= في حفل تكريم لسيد قطب أقامه الضباط الأحرار بعد ثورة يوليو مباشرة.. وقف خطيباً في الحفل وقال: (أخي الكبير سيد: والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا، جثثاً هامدة، ونعاهدك باسم الله، بل نجدد عهدنا لك على أن نكون فداء لك حتى الموت).. ثم أعدمه شنقاً بعد أن استلم الرئاسة.
5 -  في رأيي أن عبدالناصر (يرحمه الله).. لم يلتفت للشأن الداخلي المصري، بل تفرغ تماماً وفَرَّغ كامل مقدرات الدولة المصرية لخدمة طموحاته خارج مصر، فانهار الداخل المصري.
6 - كتب وزير خارجية مصر الشهير عمرو موسى في مذكراته (كتابيه) عن سر هزيمة (67) أن الرئيس جمال عبدالناصر كان يعتبر نفسه أكبر من مصر. بل إنه اختصر مصر في شخصه، فما هو جيد له جيد لمصر.

ذو صلة
التعليقات