مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

أول سيمفونيات شهرزاد .. موسقة الحكايا

لما كان (القصيد السيمفوني) مصطلحاً لا يطلق سوى على الموسيقى التي تبنى على القصائد، أو الحكايات، والتعبير عنها، فإن المتتالية Suite الموسيقية الشهيرة: (شهرزاد) التي أبدعها كورساكوف تعتبر بهذا المعنى، أول سيمفونية تصف (ألف ليلة وليلة)، حيث اجتذب نجاحها انتباه الآلاف، وربما الملايين للكتاب، وسلط الأضواء على حكاياته، فطبقت شهرتها الآفاق. وتعتبر (شهرزاد) من أشهر إبداعاته وأحبها لدى عشاق الموسيقى شرقاً وغرباً، وهي الأوسع انتشاراً، وجماهيرية، وأكثرها وفاء بالوصف الموسيقي، حيث تتألق بأضواء وألوان شرقية، عرف كيف يصوغها في إطار سيمفوني فريد في ابتكاره وتعبيره.

درس ريمسكي كورساكوف (1844 - 1908م) الموسيقى بإشراف أساتذة محليين منذ السادسة من عمره. واستجابة لعائلته التحق بالمدرسة التمهيدية للكلية البحرية. حرص في ذات الوقت على دراسة الموسيقى، إلى أن تتلمذ على بالا كيرا يف فتلقى عليه توجيهات أيقظت طموحاته، ليقدم أولى سيمفونياته في سان بطرس برج عام 1865م فاستقبلت استقبالاً حافلاً عين على إثره أستاذاً للتأليف الموسيقي بكونسرفتوار سان بطرس برج عام 1871م. بعد عامين اعتزل العمل البحري وكرس حياته للموسيقى، فأتقن علوم: الهارموني، والكنتربينت، والتوزيع الأوركسترالي، ووضع بجانب سيمفونياته، وأوبراته، كتابين هامين في الهارموني، والتوزيع الأوركسترالي عُدا من أساسيات لغة التأليف الموسيقي. فضلاً عن تفوقه في التلوين الأوركسترالي لدرجة أصبحت معها إبداعاته الموسيقية مرجعاً مهماً يدرس في المعاهد الموسيقية حتى الآن. ورغم ما في موسيقى (شهرزاد) من وصف إمائي، إلا أنه لم يهدف لكتابة عمل موسيقي يصف قصة محدودة، فقد أوضح منطقه في هذا العمل الفائق، حيث كتب: اتبعت في كتابة (شهرزاد) برنامجاً يقوم على تقديم صور أربع من (ألف ليلة وليلة)، هي على التوالي: البحر وسفينة سندباد- حكاية أمير كاليندار- الأمير الصغير والأميرة الصغيرة- مهرجان بغداد والختام. (قارن: د/ سمحة الخولي: القومية في موسيقى القرن العشرين، عالم المعرفة، العدد 162، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1992م، ص128) كان هدفه رسم لوحة شرقية الظلال والأضواء تفوح بعطر الشرق الساحر ومغامرات مثيرة فأبدع مستويين متداخلين، أحدهما: إيحائي تعبيري وتلويني، والآخر: بنائي يشهد بتصميم محكم لكل حركة، عامداً، في ربط الحركات الأربع، إلى تخصيص فقرة من أداء الكمان المنفرد (سولو) نظيراً لعبارة شهرزاد في بداية كل قصة: (كان يا ما كان)، متخذاً لتشخيص دموية شهريار فقرة نحاسية مفتولة العضلات غليظة في بدايتها، خففها تدريجياً، إضافة إلى تهذيب نغمي وتأدب موسيقي، يصف تطويع سلوك شهريار. (قارن: فرج العنتري: في التذوق الموسيقي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1997م، ص99) أما الموضوع الأنثوي الرقيق والناعم المتوسل الحزين في (شهرزاد) فنلمسه في عزف الكمان على إيقاع آلة الهارب وكأنه غزل رقيق منسوج، يجتذب المستمع في بداية بنسيجها الحريري البراق المتمثل في ألحانها الرائعة وتلوينها الفذ، غير أن القيمة الموسيقية الكبيرة وراء هذا الملمس الخارجي الأخاذ المسيطر على البناء الموسيقي، يحتاج لتقييم وتقدير قيمتها الحقيقية. تعامل كورساكوف بذكاء مع تقنيات النص الأدبي، فوظفها واستعان بها في نصه الموسيقي حيث تتميز حكايات (ألف ليلة وليلة) بأساليب سرد انسيابية، ونهايات مفتوحة، وجذب درامي، وتنويع الحبكة والمواقف. هذه مضامين الأساليب التي لجأت إليها شهرزاد لجذب انتباه (المستمع/ الملك) وإثارة فضوله كي لا يتسلل الملل إلى نفسه، وليبقى دائماً منتظراً نهاية الحكاية التي لا تأتي لتداخلها مع حكاية أخرى، ولنعاس شهرزاد وافتعالها النوم، عليه أن ينتظر إلى اليوم الثاني لمعرفة البقية الباقية، وهكذا، وصولاً إلى الليلة الأولى بعد الألف، وبهذه الطريقة تكسب وتضيف شهرزاد أياماً وشهوراً لحياتها المهددة. استخدم كورساكوف الأساليب نفسها تقريباً من خلال الحوارات المتتابعة، والمتضادة للآلات الموسيقية، خاصة الموسيقى المنفردة للكمان VIOLIN والهارب، ورد الاوركسترا عليها، وتلوين الجمل الموسيقية وزخرفتها والانتقال برشاقة من جملة إلى أخرى كالارتفاع والانخفاض بأصوات الآلات، واستخدام أسلوب القطع المفاجئ لتصوير حالات التوتر التي تنتاب علاقة الزوجين. يلاحظ أيضاً تميز النص الأدبي باستخدام القالب الموسيقي المعروف بالروندو RONDO أو (اللحن الدوار) اللحن المميز الذي يكثر ترديده خلال العمل الموسيقي بشكل مستمر، حيث تتكرر الجملة الأساسية في بداية كل ليلة: (بلغني أيها الملك السعيد ذو العقل الرشيد)، ومع نهايتها: (وأدركت شهرزاد الصباح وسكتت عن الكلام المباح)، للإيحاء بلا نهائية الحكايات وتشعبها وتوالدها، ومن ثم دورانها حول محور القصة الرئيسي (شهريار- شهرزاد). وظف كورساكوف نفس الأسلوب، باستخدامه في العمل الموسيقي موتيف MOTEF لحني واضح المعالم يلازم الشخصية ويدل عليها خلال سير الأحداث، مثل: موتيف شهريار في مواضع كثيرة من الموسيقى، وتكراره عدة مرات بأشكال مختلفة بأكثر من آلة للتذكير بوجود شهريار وحضوره القوي وتأثيره المباشر، كونه مستمعاً إيجابياً يتمتع بقدرة ووضع، فيما بعد، نهاية الأحداث، وليس مجرد مستمع سلبي يستمتع بالحكايات فقط. فإذا أخذنا في الاعتبار هدف كورساكوف: رسم لوحة شرقية الظلال والأضواء تفوح بعطر شرقي ساحر وبمغامرات مثيرة (بعيداً عن التصوير الفعلي)، سنجد أننا أمام مستويين متداخلين من الإبداع الموسيقي، الأول: إيجابي تعبيري وتلويني، الثاني: بنائي يشهد بتصميم محكم لكل حركة على حدة، وربط بارع بين الحركات الأربع. تتألف متتالية (شهرزاد) من أربع حركات شأنها شأن التأليف السيمفوني، الحركة الأولى سريعة، والثانية رشيقة مرحة، والثالثة بطيئة، والرابعة نهاية بناء سيمفوني. ترمز آلة الكمان الأنثوية إلى شهرزاد كما يبدو من المقاطع الناعمة الرقيقة ذات الطابع الارتجالي، التي تعبر عما تقصه من حكايات وما تنشده من أشعار في تضاعيف قصصها، هامسة: (بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي السديد)، بموسيقى الكمان المنفرد، ثم تصور الاوركسترا هدوء البحر وعبور سفينة سندباد محملة بالبضائع بانسياب وهدوء، وتأتينا من بعيد ترنيمات تحمل إيقاعات من موشحات وقدود، لا يلبث أن يقطعها صخب عاصفة تهاجم السفينة، يعبر عنها بآلات النفخ الخشبية والنحاسية والطبول. تتحطم السفينة، ويلجأ سندباد لجزيرة العجائب، حيث يشرح (الهارب)، و(الفلوت) ما يعترضه من مخاطر، ينضم إلى الألحان صوت آلتي التشيلو، والترومبيت، وضجيج الطبول لتصوير هروبه عابراً الجبال، بعد ربطه لنفسه تحت جناح طائر الرخ، ليصل في النهاية إلى وطنه بغداد. ولكي لا نفقد الشعور بأننا مع حكاية أسطورية فإن ضخامة ارتطام السفينة بالصخرة التي يقف فوقها الرجل النحاسي، لا تلبث أن تترك مكانها لصوت راويتنا شهرزاد. لم يتوقف التحليل الموسيقي كثيراً، وفقاً للدكتورة/ سمحة الخولي، عند حكايات: (رحلات سندباد السبع)، (الرجل النحاسي)، (الأمير الصغير والأميرة الصغيرة). حيث سلمنا قيادتنا لفنان ملهم ارتحل بالموسيقى إلى عالم شهرزاد، فبرع في إثارتنا بتلوينه وزخرفته للموسيقى التي اعتمد فيها على قدراته الإبداعية في توظيف اوركسترا سيمفوني كبير، فاصلاً بين الخيالي والواقعي من خلال ستار أضفته أصوات آلة الهارب الناعمة. لكن تؤكد الموسيقى عموماً أن سحر الشرق، كان السبب الرئيس الذي دفع كورساكوف الرومانسي إلى التشبث بحكايات (ألف ليلة وليلة) كي يكشف للعالم عن منجم ثر لا تنفد كنوزه باعتبارها إفرازاً لعبقرية عربية تراكمية لطالما أثارت الخيال، وسحرت العالم بعجائبها وغرائبها. وحتى اليوم لم تزل الفرق السيمفونية العالمية تعزف موسيقى (شهرزاد) بعد أن خلد كورساكوف شخصية شهرزاد الراوية بإبداعه اللايت موتيف الشهير لآلة الكمان الذي يرمز إليها. حيث امتد تأثير إبداعها إلى فن الباليه، فأخرجت عدة عروض وتصميمات على نفس الموسيقى، كان أولها: باليه شهرزاد عام 1910م في روسيا وضعه فوكين، ثم أعيد على موسيقى كورساكوف عام 1950م بكوريو جرافيا جديدة صممتها (آنيسيموفا) أما الباليه الذي قدمه (كاخيدزا) في تبليسي عام 1994م فاعتمد على أفكار أخذت عن رافيل، وكورساكوف.

.

ذو صلة
التعليقات