مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

(أكاذيب كبيرة صغيرة).. الحياة المثالية مجرد خدعة

عن واحدة من أفضل الروايات مبيعاً بنفس الاسم للكاتبة الأسترالية (ليان موريارتي)، اقتبس السيناريست والمنتج (ديفيد كيلي) الحاصل على إحدى عشرة جائزة إيمي طوال مسيرته الفنية، أحداث مسلسله الجديد وتم توكيل مهمة الإخراج إلى المخرج الكندي جين مارك فالي وهو مخرج عدد كبير من الأفلام السينمائية الممتازة مثل (مجنون) و(بري) و(نادي دالاس للمشترين) وغيرها.

حقق المسلسل نجاحاً جماهيرياً واسعاً وتم استقباله بإشادة نقدية كبيرة وتتوجيه بثمان جوائز إيمي بخلاف خمس عشر جائزة أخرى من جهات أخرى، وأحد الأسباب الأساسية لنجاح المسلسل هو أنه قد تم اقتباسه بالشكل الصحيح، وليس بالشكل التجاري الذي يحاول أن يزيد من عدد الحلقات على حساب إيقاع الأحداث، ولذلك فهو مسلسل قصير من سبع حلقات فقط لا يتخلله لحظة ملل، يحكي حكاية ثلاث أمهات في مدينة صغيرة في لحظة فارقة من حياتهن، وهو ما يؤكد نجاح السياسية الإنتاجية لشركة (HBO) التي قدمت مجموعة من أفضل الأعمال التليفزيونية على الإطلاق.
عبر لقطات سريعة نتعرف على شخصيات العمل الرئيسة الثلاث، مادلين (ريز ويذرسبون) وسيليست (نيكول كيدمان) وجين (شايلين وولدي)، ثلاث أمهات يقدن أطفالهن بالسيارة إلى أول يوم بالمدرسة، ونكتشف مبكراً للغاية عن وقوع جريمة قتل مروعة في حفل ما، وهو النتيجة الأخيرة التي ستصل إليها الأحداث في النهاية، ولكن قبل ذلك، هناك حادثة تنمر في اليوم الدراسي الأول تكون الشرارة الحقيقية لكل شيء، الفتاة التي تعرضت للتنمر هي آمبيلا ابنة ريناتا (لورا ديرن)، ونفهم سريعاً أن هناك جبهتين في عالم المسلسل، جبهة الأمهات الثلاث بقيادة مادلين أمام جبهة أخرى هي ريناتا، وعلى الرغم من كل تلك المقدمات إلا أن حياة الجميع تبدو مثالية جداً، فالأحداث تدور في مدينة صغيرة رائقة، ومعظم الشخصيات من طبقة الأثرياء، زيجات سعيدة وعلاقات صحية، وإدارة المدرسة في غاية الجودة وكل شيء خاضع للمعايير الأفضل، حتى أن منازل الأبطال تقع معظمها على المحيط مباشرة، ولكن ما أن تتوالى الأحداث، حتى يتكشف زيف كل ذلك.
(أعتقد أن كلاهما يخرجان من تحت طوعنا، كان عليك رؤية (كلوي) اليوم، لقد سارت إلى المدرسة وكأنها شابة، لم تدر ناظرها إليّ وكأنها بمفردها، أشعر أنهن سينضجن ويرحلن، سنكون أنا وأنت بمفردنا وسننتقل إلى فصل آخر من حياتنا، أنت لديك فصل آخر.. لديك عمل، أنا لست كذلك.. أنا أم.. هذا هو عالمي وهذا العالم ينهار) هكذا تصف مادلين مشكلتها لزوجها، ويمكن القول إنها المشكلة الأكثر شيوعاً للنساء في مختلف الأزمان والبلدان، بالطبع يمكن لمسها بشكل أعمق وأكثر تأثيراً في عالم الشرق، حيث إن في العالم الغربي نسبة النساء العاملات والمشتغلات في المجال العام أكثر بما لا يقارن بالبلدان الشرقية، وربما يكون ذلك أحد الأسباب العديدة لنجاح المسلسل وانتشاره على مدى واسع، وهو أن بطلته الأساسية نموذج يعبر عن الكثيرات حول العالم.
مادلين تحاول أن تشغل وقت فراغها بالدخول في معارك لا تنتهي، لديها ثلاثة رجال في حياتها، زوجها السابق التي تناصبه العداء ودائماً ما تقارن بين ما يفعله مع زوجته الجديدة وما كان يفعله معها أثناء زواجها، ومهما حاول زوجها السابق أن يشرح لها أنه أصبح ناضجاً بعد مرور خمسة عشر عاماً على انفصالهما وأنه لم يعد نفس الشخص ومن حقه أن يكون إنساناً أفضل مع زوجته الجديدة، إلا أن مادلين تأخذ تصرفاته على محمل شخصي ضدها، وهناك زوجها الحالي الذي تكن ناحيته كل الاحترام ولكن بمشاعر ليست دافئة وهو ما يعيه ويحاول تعزيزه معها للأفضل بلا فائدة، وهناك العشيق الذي يفهمها جيداً ولكنها لا تسمح لنفسها بالاستمرار معه رغم مقاومته من حين لآخر، على الناحية الأخرى لديها معارك مع ثلاث سيدات، مع ريناتا التي آذت ابن صديقتها، ومع بوني زوجة زوجها السابق التي تسرق منها ابنتها الكبرى، ومع ابنتها الكبرى التي خرجت من عالمها دون تردد أو تأنيب ضمير، في وسط كل هذه المعارك تشن مادلين حرباً ضد عمدة البلدة الذي منع مسرحية في مدرسة أطفالها تقوم هي بالإشراف عليها، بشكل ما أو بآخر مادلين أعلنت الحرب على الجميع بلا هوادة فقط لكي تدافع عن عالمها الذي ينهار ولا تعرف سبيلاً إلى إصلاحه.
أما الزوجان سيليست وبيري فيمران بعلاقة زوجية شديدة التعقيد، فبعد مشاهد أولية خادعة تُظهر مدى التجانس والمثالية والسعادة التي يعيشها الزوجان مع ابنيهما التوأم، نفاجأ أن سيليست ما هي إلا ضحية للعنف الأسري، بالشكل الكامل الذي وصفته (ليزي مورجان شتاينر) عبر كلمتها الشهيرة في مؤتمر (TED)، بيري قام بعزل الضحية عن محيطها الآمن، بعيداً عن مدينتها الأصلية وأهلها وأصدقائها وجعلها تتخلى عن مستقبلها الوظيفي كمحامية ممتازة، والتفرغ فقط من أجله ومن أجل الأولاد، على الجانب الآخر تسقط سيليست في هذا الفخ وتعيش حالة إنكار تام لكل العنف الذي تتعرض له، فهي جميلة ذكية ثرية ولا تريد أن تحطم هذه الصورة البراقة لنفسها أمام الآخرين، وهي تمارس هذا الإنكار ليس فقط بالصمت أمام الآخرين، ولكن بالعنف المضاد كلما أمكنها ذلك، ففي المرة التي يصفعها فيها زوجها ترد هي أيضاً الصفعة بكل ما أوتيت من قوة، ولكن مع تزايد عنف بيري لم تعد قادرة على مجاراته، خصوصاً عندما يحملها ويلقي بها بعيداً مما يسبب لها العديد من الرضوض والكدمات، ورغم كل ذلك فعندما تواجهها مستشارة العلاقات الزوجية، ترفض سيليست النصيحة مرددة أنها ليست ضحية ولن تكون، وهو ما يضعها في مأزق لا تستطيع الفكاك منه.
وليس بعيداً عن العنف الأسري فالأم الثالثة جين، هي أم عزباء لطفل وحيد نتج عن علاقة غير شرعية وعنيفة في ذات الوقت، ونتيجة ذلك اضطرت الابتعاد طواعية عن موطنها الأصلي كي لا يتعرض ابنها للوصم المجتمعي من قبل عائلتها ولكي تحافظ على صحته النفسية قدر الإمكان، ولكن كل ذلك ينهار بسلسلة مفاجآت ليست في الحسبان، فالفتاة آمبيلا تتهم ابنها زيغي بالاعتداء عليها وخنقها، وهو ما يتسبب في وصمه في المدرسة بالمتنمر رغم أنه طفل ذكي وهادئ بشهادة الجميع، والمشكلة أن أمه تشك في صدق ابنها لأنها تخشى أن يكون قد ورث الطابع العنيف عن والده الذي لم تلتق به سوى مرة واحدة، ومن ناحية أخرى فجين على عكس سيليست لا تعيش حالة إنكار، فقد تشربت الحادثة العنيفة وتركت عليها تأثيرها البالغ، فأصبحت مدمنة على تدريبات الرماية بالأسلحة النارية، وتحاول أن تهدئ من غضبها عن طريق الركض بمسافات طويلة على صوت عال للأغاني وكأنها تهرب من الماضي عبر مطاردة لا تنتهي، ولكنها لا تتمكن من الفرار لأن شبح الرجل الذي بالكاد تذكره يزورها في كوابيسها وأحلام يقظتها وترى نفسها وهي تلاحقه وتقتله ولكن دون جدوى.
إذن فمادلين ليست وحدها التي تعبر عن نموذج واسع الانتشار عالمياً ولكن أيضاً سيليست ضحية العنف الأسري الموجود في مختلف الثقافات وجميع الشرائح الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بعكس ما هو شائع بكونه محصوراً في الطبقات غير المتعلمة أو ذات المداخيل المنخفضة، وهو ما ينطبق على جين أيضاً، واللافت للنظر أن ثلاثتهن على قدر كبير من الوعي الذاتي والذكاء العاطفي الذي به يستطعن تفسير تصرفاتهن ودوافعهن الداخلية والخارجية.
يعاب على السينارست ديفيد كيلي أمر واحد، فبالرغم من الاقتباس الرائع والكتابة الجيدة، إلا أنه بالغ كثيراً في التركيز على جريمة القتل التي تحدث في الحلقة الأخيرة، منطلقه في ذلك هو جذب فضول المشاهد من اللحظة الأولى، وتوفير أكبر قدر من المعلومات عن الشخصيات الرئيسة من خلال تحقيقات الشرطة مع أولياء الأمور الآخرين والمدرسين في مدرسة الأطفال، صحيح أن هذه الإستراتيجية حافظت على تركيز المتفرج وجعلته على قدر كبير من الاهتمام والترقب، إلا أنها رفعت سقف توقعاته بطريقة مبالغ فيها، فالطريقة التي يتم بها عرض الجريمة، تشي أن ما حدث في حفل الختام هو مجزرة بشعة طالت الجميع دون أن يخرج منها أحياء، لنكتشف في النهاية أن كل هذه الزوبعة بسبب قتل شخص واحد فقط، صحيح أنها كانت مفاجأة بكل المقاييس من عدة نواح، إلا أنها قد بولغ كثيراً في التعويل عليها كأداة جذب، خصوصاً أن شخصيات المسلسل وأحداثه جذابة بالفعل بالقدر الكافي، وربما لهذا السبب حصل على جائزة إيمي إحدى عشرة مرة كمنتج لمسلسلات أنتجها وكتبها، ولم يفز ولا مرة عن أحد مسلسلاته ككاتب سيناريو، ربما لأنه يفكر في العمل بعقلية المنتج، أكثر بكثير مما يفكر فيه بعقلية السيناريست.
تجربة المسلسل من الناحية الإخراجية أثبتت مرة أخرى أن المخرج الواحد للعمل ككل أفضل بشكل عام من أن يكون لكل حلقة مخرج جديد حتى لو سار جميع المخرجين على النمط الإخراجي الواحد لمؤسس المسلسل، يظهر هذا جلياً في عمل المخرج جين مارك فالي ذو البصمة الواضحة والنسق الإخراجي المتسق بصرياً طوال الحلقات، وليس هذا معناه أن تعدد المخرجين يؤذي العمل بشكل حتمي، ولكن طالما العمل الفني محدود بعدد ساعات معينة كالمسلسلات القصيرة التي تبدو كفيلم سينمائي طويل، فالأفضل أن يقود دفة العمل مخرج وحيد، والدليل على إبداع جين مارك فالي بصرياً هو حصوله على جائزة الإيمي في الإخراج.
وليس غريباً أن يحصد الإيمي أيضاً الثنائي نيكول كيدمان وإلكسندر سكارسجارد، فقد مثَّلا قصة العنف الأسري بشكل مذهل، من السهل تجسيد الشخصية المختلة العنيفة، ولكن من الصعب جداً تجسيد المحب العنيف أو المحبوب الذي يتحمل العنف بشكل مقنع وصادق، لأن هذا النوع من الشخصيات يعتبر فخاً مثالياً للوقوع في المبالغات الأدائية خصوصاً من الطرف المعتدي، وهو ما نجح في تقديمه بالحساسية والذكاء المطلوب كل من كيدمان وسكارسجارد.
مسلسل أكاذيب كبيرة صغيرة عمل نسوي بامتياز، بالرغم من أن كاتبه ومخرجه من الرجال، وليس المقصود النسوية السياسية/الاجتماعية التقليدية التي تنادي بحقوق المرأة، ولكن كاتبة الرواية ليان موريارتي نجحت في تقديم عمل إنساني رفيع المستوى عن عالم النساء من الداخل، عبر تقديم شخصيات حقيقية جداً ومنتشرة جداً وتستطيع مقابلتها في أي مكان من العالم، دون تحيز جندري ضد الرجل، ونموذج إد مكانزي زوج مادلين خير دليل على ذلك، فهو الزوج الصبور المحب المتفاني الذي يريد تقديم كل السند والدعم لزوجته رغم كل ما ترتكبه من أخطاء ومعاركة طواحين الهواء بسبب ودون سبب، موريارتي لديها قدر كبير من الذكاء العاطفي والوجداني الذي انعكس بوضوح على كافة شخصيات روايتها، وتستطيع لمس تفرد رؤيتها وحساسيتها العاطفية في كافة أرجاء العمل.

 

ذو صلة
التعليقات