مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

صناعة السينما في السعودية المسافة بين الرغبة والقدرة

وأخيراً وافق مجلس إدارة الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع على البدء بإصدار التراخيص لصالات العرض السينمائي في المملكة العربية السعودية، وبذلك أسدل الستار على واحدة من السمات التي تفردت بها المملكة عن كل دول العالم، ولم تعد المملكة الدولة الوحيدة في العالم التي لا تدخل السينما ضمن خيارات الترفيه المتاحة لمواطنيها والمقيمين فيها.

لم يكن القرار مفاجئاً، فقد بدأت التلميحات والإشارات في أخبار صحفية متناثرة هنا وهناك، وفي تبني وزارة الثقافة والإعلام والجمعية العربية السعودية لفعاليات ومناسبات مثل مهرجان أفلام سعودية، مما كان ينبئ بقرب صدور قرار يزيل السينما من منطقة المحظورات في المجتمع السعودي.
جاء القرار في سياق الرؤية لمرحلة تنموية قادمة، رؤية قامت على مرتكزات اقتصادية، لكنها لم تغفل الجوانب والأبعاد الثقافية والترفيهية، حيث ورد في المحور الأول لرؤية المملكة 2030 تأكيد على دعم الثقافة والترفيه كأحد المقومات لجودة الحياة، ولتجاوز إشكاليات تتعلق بقصور الفرص الثقافية والترفيهية التي لم تكن ترتقي لتطلعات المواطنين والمقيمين، ولا ترقى إلى المكانة والثقل السياسي والاقتصادي للمملكة، حيث اشتمل المحور الأول للرؤية على إنشاء صناديق حكومية لتأسيس وتطوير مراكز ترفيهية، لدعم إيجاد خيارات ثقافية وترفيهية متنوّعة تتناسب مع كل الأذواق وكافة الفئات.
ترجمت وزارة الثقافة والإعلام هذه الرؤية إلى مبادرات وأهداف إستراتيجية ضمن مساهمتها في خطة التحول الوطنية 2020، ومنها مبادرة الوزارة لإنشاء مدينة إعلامية سعودية خلال خمس سنوات مالية تبدأ من عام 2016 بتكلفة تتجاوز 624 مليون ريال، بالإضافة إلى ما سيكون مساهمة من القطاع الخاص. ومن الأهداف الإستراتيجية لبرنامج التحول الوطني تنمية الصناعة الإعلامية، والصناعات ذات العلاقة وتعزيز تنافسيتها عالمياً. ومن مؤشرات قياس الأداء لهذا الهدف ارتفاع عدد الوظائف من 10 إلى 16.1 ألف، وارتفاع قيمة الناتج المحلي لها من 5.2 إلى 6.64 مليار ريال، وارتفاع نسبة عائدها في الاقتصاد الوطني من 17 إلى 42 %.
منذ أن صدر قرار الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع بالبدء بالتراخيص لصالات عرض السينما في المملكة، والمشهد الإعلامي السعودي مزدحم بتصريحات وتحليلات صحفية ولقاءات إذاعية وتلفزيونية، كلها تفاؤل بولادة صناعة سينما سعودية، بعض منها يشير إلى أرقام ونسب ستأتي بها السينما إلى الناتج المحلي، ووصل التفاؤل بالبعض إلى أن يشير إلى أن عوائد السينما ستعادل 45 % من الإيرادات غير النفطية.
الهدف في هذه المقالة تقديم قراءة لمدى واقعية ذلك التفاؤل بظهور صناعة سينما في المملكة. لكن قبل ذلك، من المهم الإشارة إلى بعض الملامح الأساسية لصناعة السينما، من حيث أهميتها الاقتصادية، وقطاعاتها الثلاثة مما سيساعد على إدراك تلك المسافة التي يجب أن نقطعها قبل أن ننقل رغبتنا في صناعة السينما إلى واقع، ولنتفادى الإغراق في التفاؤل ورفع السقف بفرصة ميلاد صناعة سينما سعودية فقط بمجرد قرار يسمح بالتراخيص لصالات عرض الأفلام. فالقضية أعقد من ذلك بكثير.
أهمية صناعة السينما
الأفلام السينمائية بكافة تصنيفاتها (القصيرة، والتسجيلية، والطويلة) ومواضيعها (الوثائقية والدرامية والفكاهية والخيال العلمي) ومهامها (التوثيقية والترفيهية والتعليمية) تجسد محوراً أساسياً في المنتج الثقافي للدولة. ولا أدل على ذلك من أن الوزارات والمؤسسات المعنية بالثقافة في كثير من الدول هي من تتولى إدارة قطاع السينما والإشراف عليه. كما تعتبر السينما واحدة من أهم منافذ الترفيه الجماعي التي لا تتم المتعة فيها إلا بصحبة الآخرين مثلها في ذلك حضور المباريات الرياضية، والذهاب إلى المدن الترفيهية. لكن تتفوق السينما عن هذه المنافذ بكونها الأكثر شعبية، ففي الولايات المتحدة تجاوز عدد مرتادي صالات العرض السينمائي 1.3 مليار شخص في عام 2015م، في حين أن عدد مرتادي المدن الترفيهية لم يصل 400 مليون، والملاعب الرياضية لم يتجاوز عدد مرتاديها 134 مليون شخص.
لا خلاف على الأهمية الثقافية والاجتماعية للسينما، لكن ذلك لا يعني تجاهل القيم المضافة عندما تتحول السينما إلى مجال اقتصادي يتسم العمل فيه بالمهنية والاحترافية، ويحولها إلى صناعة تسهم بنسب متفاوتة في الناتج المحلي. وقد أدركت كثير من الدول الأهمية الاقتصادية لقيام صناعة سينما محلية تجني منها حراكاً ثقافياً، ومردوداً اقتصادياً في السوق المحلية أو الدولية.
الفوائد الاقتصادية لصناعة السينما تتمثل في الأثر المضاعف Multiplier Effect وهو من المقاييس الاقتصادية الاسترشادية لتقييم أهمية الصناعة في أي قطاع ومدى مساهمتها في الناتج المحلي. يتمثل الأثر المضاعف لصناعة السينما في الآثار المباشرة لما ينفق فيها على الناتج المحلي والمتمثل في الصرف على السلع والخدمات والمستلزمات اللوجستية التي تحتاجها صناعة السينما.
تشير تقارير أن مؤشر الأثر المضاعف لصناعة السينما تراوح بين 2 في بريطانيا و2.67 في أستراليا، والمتوسط العالمي 2.43. ما يعني أن كل دولار ينفق في القطاعات الثلاثة (الإنتاج - التوزيع - العرض) لصناعة السينما يكون مردوده على الناتج المحلي 2.43 دولاراً.
يضاف إلى ذلك أن صناعة السينما تعد محركاً أساسياً لعدد من الصناعات الإبداعية الأخرى مثل النشر (الرواية وكتابة النص) والفنون التمثيلية، والموسيقى، والتصوير، والتصميم، والأزياء، والبرمجيات، والعمارة (تصميم وديكور مواقع التصوير)، التلفزيون (أحد منافذ العرض للأفلام) والإعلان (لتسويق الأفلام).
ونظراً لهذه العوائد الاقتصادية لصناعة السينما، تبنت كثير من الدول برامج ومبادرات تقدم قروضاً لدعم المشاريع السينمائية، وفيها إعفاءات تبدأ من 20 % كما في فرنسا وترتفع لتصل إلى 40 % كما في سنغافورة.
شهد العالم خلال تسع سنوات بين عامي 2005 و2013 ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الأفلام السينمائية، حيث ارتفع عددها من 4642 فيلماً في عام 2005 إلى 7610 أفلام في عام 2013 بنسبة زيادة وصلت إلى 64 % تقريباً. وعلى الرغم من أن هذه الأفلام أنتجت في تسعين دولة، إلا أن هناك هيمنة لخمس دول (الولايات المتحدة، الهند، اليابان، الصين، فرنسا) يتجاوز إنتاجها نصف (56 %) الإنتاج العالمي من الأفلام السينمائية.
صناعة السينما
تشير أبجديات الاقتصاد الجزئي إلى أن الصناعة (أي صناعة) تقوم على ثلاثة قطاعات تتكامل مع بعضها البعض: قطاع الإنتاج، وقطاع التوزيع، وقطاع العرض. وهذه القطاعات الثلاثة تتمثل بوضوح في الصناعات الإعلامية. فالمؤسسات الصحفية تتولى عملية (الإنتاج) للصحف والمجلات، لتأتي بعد ذلك شركات (التوزيع) التي تتولى توزيعها على منافذ البيع (العرض)، وكذلك هو الحال في المنتجات الموسيقية، والمنتجات التلفزيونية من مسلسلات وبرامج وثائقية، وصناعة السينما بالطبع لا تستثنى من ذلك.
قطاع الإنتاج
تتأسس العملية الاستثمارية في صناعة السينما على قطاع الإنتاج والمتمثل في شركات تبدأ منها اللبنة الأولى والركيزة الأساسية في منظومة صناعة السينما. وإنتاج الأفلام يقوم على سلسلة من أربع حلقات متتابعة:
• مرحلة التطوير: وهي مرحلة ولادة الفكرة التي عادة ما تكون مأخوذة من قصة أو رواية منشورة، أو من فيلم آخر، أو من قصة واقعية أو من فكرة إبداعية أو خيالية.
• مرحلة ما قبل الإنتاج: يتم خلالها وضع الميزانية والخطة التنفيذية للمشروع، بما في ذلك اختيار الممثلين وتحديد أدوارهم، وتكوين الفريق الفني للإنتاج (التصوير، الصوت، والإضاءة وغيرهم)، وتحديد أماكن التصوير وتجهيزها، وما إلى ذلك من ترتيبات لوجستية لاستقبال الممثلين وطواقم العمل الفني والإداري تمهيداً للمرحلة التالية.
• مرحلة الإنتاج: فيها يبدأ تصوير المشاهد الداخلية والخارجية التي عادة ما تأخذ وقتاً وجهداً مضنيين، وفقاً لطبيعة ومتطلبات الفيلم ورؤية المخرج.
• مرحلة ما بعد الإنتاج: وهي المرحلة الأخيرة في العملية الإنتاجية، حيث يتم فيها عمليات المونتاج وإضافة المؤثرات الصوتية والموسيقى التصويرية.
مرحلة التطوير هي المرحلة الأصعب في سلسلة المراحل الأربع، والصعوبة فيها ليست في اختيار الفكرة والاتفاق عليها، وليست في كتابة السيناريو والحوار التي عادة ما تأخذ عدة أشهر يتم خلالها التعديل بالإضافات والحذف للوصول إلى الدرامية المنشودة في أحداث الفيلم. الصعوبة هنا في تقييم الفكرة من حيث جدواها الاستثمارية، ويتم التقييم عادة بمشاركة شركات التوزيع، ويكتب تقرير في حدود 25 صفحة يبين حبكة القصة وتصنيف شخصياتها، وربما أسماء الممثلين المرشحين لبطولة الفيلم. تنتهي هذه المرحلة بالتواصل مع مستثمرين لتمويل الفيلم.
تجدر الإشارة إلى أن معظم المشاريع (بين 70 و80 % ) لا تتمكن من تجاوز هذه المرحلة نظراً لما تكتنفه صناعة السينما من مخاطر استثمارية عالية. تشير كثير من التقارير في اقتصاديات الإعلام أن واحداً فقط من كل أربعة أفلام يحقق أرباحاً مجزية، والبقية بالكاد تسدد تكاليفها إن لم تكن خاسرة أساساً. ما يتم إنتاجه في هوليوود لا يمثل في الغالب إلا 25 % تقريباً من المشاريع السينمائية التي كانت تبحث عن تمويل.
قطاع التوزيع
يشكل قطاع التوزيع العمود الفقري لصناعة السينما، فهو يمثل حلقة الوصل بين قطاع شركات الإنتاج وصالات العرض السينمائي. تحصل شركات التوزيع حصة الأسد من إيرادات التذاكر، حيث تتراوح هذه النسبة بين 50 - 90 %، وذلك لتغطية تكاليف النسخ للفيلم بعدد دور العرض، وتكاليف الإعلانات الترويجية للفيلم، وربما تكاليف الترجمة أو الدبلجة ومتابعة إجراءات الفسح من إدارات الرقابة إن كان الفيلم سيعرض في دول تختلف لغتها عن لغة الفيلم.
قطاع العرض
عرض الأفلام ليس محصوراً في صالات العرض السينمائي كما يعتقد البعض، فإيرادات بيع التذاكر في الغالب دون 40 % من إجمالي إيرادات الفيلم. والنسبة الباقية من الإيرادات تأتي من مبيعات الفيلم وتأجيره وعرضه على أنظمة الفيديو عند الطلب وفي القنوات المشفرة وعلى القنوات المجانية في نهاية المطاف. كثير من الأفلام قد تكون راقية من حيث الموضوع والمستوى الفني، لكنها -من وجهة نظر النقاد- لا تملك من مقومات الإثارة التي تمنحها فرصة النجاح جماهيرياً، لذا لا تجد لها حظاً في صالات العرض.
صناعة سينما سعودية
تتسم صناعة السينما بما يعرف في دراسات الاقتصاد باحتكار القلة، حيث المجال والفرصة للاستثمار فيها مفتوحة ومتاحة للجميع، لكن متطلبات النجاح لا يقدر عليها إلا عدد قليل من الشركات الكبرى ممن لديها القدرة المالية التي تمكنها من المخاطرة في سوق يتسم بالكثير من المخاطرة.
الإشكالية ستتمثل في وجود مستثمرين لديهم الرغبة والقدرة المالية للدخول في صناعة يكتنفها الكثير من المخاطرة، وهذه طبيعة الاستثمار في الأفلام السينمائية الطويلة. وهذا ما تشير إليه تجارب دولية، فواحد فقط من كل أربعة أفلام يحقق أرباحاً مجزية، والبقية خاسرة أو بالكاد تسدد تكاليفها. هل المؤسسات المالية في المملكة لديها الرغبة في الدخول للاستثمار والتمويل لمجال يحتاج إلى كوادر فنية وإبداعية شحيحة في المجتمع السعودي؟ فعلى الرغم من الثقافة والتراث الزاخر بالكثير من القصص والروايات التي يمكن تحويلها إلى قصص وأفلام سينمائية، إلا أن الإشكالية تتمثل في وفرة كتاب السيناريو والحوار القادرين على المعالجة الفنية لما في التراث والثقافة من قصص لتتحول إلى أفلام سينمائية، ومن الشواهد على هذا العجز ما يلاحظ من سطحية الكثير من المسلسلات التلفزيونية التي هيمنت عليها المواضيع الكوميدية الساذجة.
وجود صالات العرض السينمائي ليس كافياً لولادة صناعة سينمائية. صالات العرض متوفرة في كل الدول العربية، لكن لم توجد صناعة سينمائية إلا في مصر، حيث الوفرة في الفنون المساندة للإنتاج السينمائي.

 

ذو صلة
التعليقات