مجلة شهرية - العدد (497)  | جمادى الثانية 1439 هـ- مارس 2018 م

الأولية بين الأدب والاجتماع.. مهمة الكاتب أم الناقد؟

أيهما الأسبق الاجتماع أم الأدب؟ وكيف يفكر الكاتب ويصنع الناقد؟ وأيهما الأولى والأول؟ وما هي إسقاطات تاريخ الأدب والأدب التاريخي على الحالات الحاضرة؟ ومن أين يتسرب الإبداع؟

ليس بالضرورة أن يتم التعاون بين المبدع والناقد، بل إن هذا التبادل بين العاملين في النهوض بالعمل الأدبي ورعايته ودمجه كنص بالثقافة، بل علاقة كهذه؛ يشوبها الحذر والتربص المتبادل. وقد صرح كثير من الكتاب والنقاد بهذا، وفي ثقافتنا العربية جاء في طبقات فحول الشعراء: «قال قائل لخلف إذا سمعت أنا بالشعر أستحسنه فما أبالي ما قلت أنت فيه وأصحابك، قال إذا أخذت درهماً فاستحسنته فقال لك الصراف إنه رديء فهل ينفعك استحسانك إياه».
لنظريات العقل الجمعي والجماعي والأدب الملتزم اليد الطولى في تغبيش المسألة التي نروم إلقاء الضوء عليها، ومما يزيد الصعوبة أن تفكيك الأجناس الأدبية والحقول المعرفية وتحقيب العصور الأدبية لا يقارب بنا محطة اليقين، ومع ذلك سنجعل هذه الورقة مفتاحاً لطرح الأسئلة المفيدة حول الأدب والاجتماع، وتلك العلاقة الوشيجة والعصية على الترتيب.
عندما نتحدث عن وصف الأدب للحياة الاجتماعية، بل كيف أن الأدب يصنع حيوات اجتماعية خاصة به، فتقرأ المجتمع الروسي لدى ديستويفسكي وتظنه المجتمع الروسي، وهو في بعض أحيانه المجتمع الديستويفسكي أو ظلال المجتمع الروسي أو المجتمع الروسي من خلال نظارات ديستويفسكي الملونة بالرمادي والأزرق، من هو السابق الأدب أم الاجتماع أم ديستويفسكي ومن أين يأتي الإبداع؟
أراد غوستاف لانسون رسم إطار متكامل لحياة الآداب، واقتفى آثار بعض النقاد الذين وطدوا لظهور المنهج التاريخي في رغبة ملحة لضبط إطار الدراسات الأدبية والاستناد على أصول شبه متفق عليها للخلاص إلى نتائج تثري الفضاء الأدبي من زاوية التاريخ، وهو أول منهج لتناول الأدب وتسليط الآلة النقدية عليه. ولكن هذا المنهج يتداخل مع المنهج الاجتماعي، فمحل درسهما واحد، والرغبة الكامنة خلف الأطر المعرفية واحدة، فهو منهج نقدي يدرس الأدب من خلال المجتمع الذي أنتجه، وما طرأ ويطرأ عليه من متغيرات ثقافية وقيمية، ويمارس التاريخ من خلال عملية التحليل العميق للعمل الأدبي. وقد ابتدأ ذلك (سانت بيف 1804 - 1869م) عندما دعا إلى العناية بالشخصيات الأدبية ودرسها اجتماعياً وعضوياً وصرف الاهتمام إلى عصر العمل الأدبي بغض النظر عن دراسة النص ذاته، ففي هذا المنهج تراعى المتغيرات الاقتصادية والسياسية والثقافية، بل خصوصيات الأدباء من أجل فهم هذه المسألة من أين جاء هذا الإبداع ولماذا؟
جاء بعد ذلك الناقد الفرنسي (هيبو ليت تين: 1828 - 1893م)، وسن قوانين عامة تطبق على جميع الأفراد، من مثل قانون العرق - البيئة - الزمان، وأكد على أن قوانين الأدب كقوانين الطبيعة، وأدباء كل شعب يخضعون لهذه القوانين خضوعا تاماً.
ومما أُخذ على هيبو ليت تين أنه أنكر فردانية العبقرية لدى الأديب، وجعلها عاملاً مشتركاً بينه وبين مكونات مجتمعه.
وينكر ابن قتيبة في الشعر والشعراء عامل الزمن في وجه من الوجوه، ويتضح ذلك معنا من خلال هذا النقل، حيث قال في مقدمة كتابه: «ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختار له، سبيل من قلد، أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره؛ بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلاً حظه، ووفرتُ عليه حقه.
فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله. ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص به قوماً دون قومٍ، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثاً في عصره، وكل شرفٍ خارجية في أوله. فقد كان جريرٌ والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدون محدثين، وكان أبو عمر وابن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته؛ ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمي والعتابي والحسن بن هانئ وأشباههم.
فكل من أتى بحسنٍ من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله، ولا حداثة سنه. كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه».
جاء الناقد الفرنسي (فرديناند برونتير: 1849 - 1906م)، ونزل نظرية (داروين) على الأدب لبيان كيفية نشوء وتطور الأجناس الأدبية من عصر لآخر، وهذا مما يفقد المنهج التاريخي الدقة والانضباط؛ لأنه يعرض الأدب على جانب دون بقية الجوانب مما يؤثر سلباً على النتائج.
وقد تأثر العرب بهذا المنهج، ومنهم عباس محمود العقاد وطه حسين ومحمد مندور.. وغيرهم، بل لعل لذلك جذوراً في الأدب العربي القديم، فهذا ابن سلام الجمحي في كتابه (طبقات فحول الشعراء) يتطرق لعوامل تاريخية أثرت الشعر، وألمح إلى تأثير القرى على شعر أهل القرى، وكذلك المدينة على سكانها.
وممن ذكر أثر العرق والبيئة القاضي الجرجاني في (الوساطة) ومن ذلك السلاسة لدى الحاضرة والجلافة لدى البادية في أشعارهم. وقد جاء في البيان والتبيين قال بشر بن المعتمر: «وكن في ثلاث منازل فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقاً عذباً وفخماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً وقريباً معروفاً، إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت. والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة؛ وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال. وكذلك اللفظ العامي والخاصي، فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك ولطف مداخلك واقتدارك على نفسك على أن تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجفو عن الأكفاء فأنت البليغ التام».
وعلق الجاحظ على هذا بقوله: «أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتّاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً وحشياً ولا ساقطاً سوقياً، وإذا سمعتموني أذكر العوام فإني لست أعني الفلاحين والحشوة والصناع والباعة، ولست أعني الأكراد في الجبال وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل اليبر والطيلسان ومثل موقان وجيلان ومثل الزنج وأمثال الزنج؛ وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب وفارس والهند والروم، والباقون همج وأشباه الهمج، وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم، ولم يبلغوا منزلة الخاصة منا، على أن الخاصة تتفاضل في الطبقات أيضاً».
ويظل الناقد الفرنسي (غوستاف لانسون: 1857م -1934م) المؤسس الحقيقي لهذا المنهج، وهو الذي أرسى قواعده، ففي زمنه كانت هناك روابط بين تاريخ الأدب والسوسيولوجيا، وقد أسهمت مقالاته الإسهام الكبير في ذلك مما سهل تداول النصوص اجتماعياً، ولكن المشكل أن الدراسات كادت تنحصر في أبحاث عن موضوعات، بينما لف الغموض سائر الأجزاء الأخرى. وعليه فقد كان من الملح تبني نظرية تبين العلاقة بين الأدب والمجتمع بشكل نوعي، وهذا الذي تم، ويذكر المؤلفان لسوسيولوجيا الأدب بول آرون وألان فيالا أن هناك صعوبتين اعترضتا طريق هذا التيار التأويلي الشكلاني والذي جاء ردة فعل على التاريخ الأدبي وهما:
أن العلوم كلها تروم العام لا الخاص، والحال أن الظواهر الفنية ولا سيما الأدبية منها هي من جهة وقائع جماعية ومن جهة أخرى تتميز بإبداعات فردية، وفي الوقت نفسه بصدى يختلف باختلاف الأفراد الذين يتلقون هذه الأعمال الفنية، هذا التوتر بين الفردي والجماعي المندرج في طبيعة العمل الأدبي ذاته هو الذي يؤسس المفارقة، وكذلك بالتالي الفائدة في قراءة الأدب قراءة سوسيولوجية تشكل هذه الأخيرة صعوبة ثانية وتتغذى من اقتباسات من الفلسفة السياسية ومن علم الاجتماع ومن الشعرية وعلم الجمال ومن التاريخ، ينشأ عن هذا التنوع طرق شتى متنوعة أيضاً في رؤية الروابط بين الأدبي والاجتماعي، من هنا تظهر في الأعمال الأدبية المدروسة تيارات متكاملة في غالب الأحيان ومتنافسة أحياناً بل متصارعة، ومن ناحية أخرى كما يرى المؤلفان لسوسيولوجيا الأدب أن طرق البحث في الروابط بين الأدبي والاجتماعي تلزم الباحثين عموماً باتخاذ مواقف أيديولوجية لا تلائم الموقف العلمي، من هنا رفض بعض الباحثين والنقاد أخذ سوسيولوجيا الأدب في عين الاعتبار.
ويضربان مثلاً على تناول قضية العلاقة بين الأدبي والاجتماعي بأعمال أفلاطون، حيث طور نظريته عن مبدأ الفن الشعري (المحاكاة)، ونظريته في الأنواع الأساسية، وقد استنتج أيضاً أن الصور الشعرية (الأساطير والخرافات) يمكن أن تؤثر تأثيراً عميقاً في نفس الجمهور، كما أن على الشعراء أن يخضعوا في المدينة الفاضلة للأفكار التوجيهية التي يضعها الفلاسفة، وقد ظل الشعر والخطابة والتاريخ تتحد وتقدم للناس الجمال والفائدة والمتعة، ويظهر فيما بعد الأدب بأجناسه وظلاله خلال القرن السابع عشر وينزوي التاريخ ويبزغ فجر الرواية على أنقاض الملاحم الطويلة الميتافيزيقية، ويتكون شيئاً فشيئاً فضاء للنقد يروم الاقتراب من تحديد الأولية، ومن أين يأتي الإبداع. وكما مر فالتاريخ يعود مع التاريخ الأدبي على يد المذكورين أعلاه، ويطرح السؤال عن العلاقة بين الأدبي والاجتماعي، وذلك بحسبهما حين بدأ الأدب يظهر كقيمة مؤسسية وظهور المؤسسات الجديدة كالأكاديمية الفرنسية ومع الاعتراف بالكاتب كشخص اجتماعي.
ترى جرمين دو ستايل في بدايات القرن التاسع عشر أن الأدب امتداد للمجتمع، وأن الإنسان له شخص داخلي وشخص خارجي، ومهمة الثاني إظهار الأول، ولذلك نحن نسأل هل هو المجتمع أم المجتمع في عين الكاتب؟
تذهب ستايل أيضاً إلى أن الكوامن في العرق وأبناء البيئة متشابهة، ويكون النص الأدبي بهذه المثابة تعبيراً عن ما يختلج في هذا الروح الجمعي، وبطبيعة الحال يرى مونتسكيو، وهو سابق لستايل؛ أن القوانين الاجتماعية تعمل من غير أن يشعر بها الناس، فهناك قوى تحركهم ككائنات اجتماعية مصنفة إلى مجموعات متماثلة الهوية في أمم من كل الأنماط.
ولعلنا نختم بقوانين لانسون الستة كما وردت في سوسيولوجيا الأدب وهي:
- قانون الترابط بين الأدب والحياة إلى تأثيرات الحالة السياسية على الخيارات الأدبية.
- تأثير بعض الأقطاب الأدبية الكبرى بما يتجاوز اللغات والانتماءات القومية، وهكذا فإن النمط ذاته من الاهتمامات يمكن أن ينتشر في عدة بلدان في اللحظة ذاتها تقريباً.
- قانون تبلور الأنواع يعبر عن تأثير خمول ما لدى الكتاب والجمهور المعتادين على تقليد تحف فنية من الماضي، لذلك فإن التراث (كذوق جماعي للأجيال السابقة) يمارس ضغطاً شديداً على الخيارات الأدبية للأجيال الجديدة.
وهذا شائع في سائر الثقافات كما نعلم وحتى في ثقافتنا العربية كم وكم طالعنا من أخبار مقاومة الشعر المولد وفي بعض الأحيان التسامح معه مما يدل على حضور النمط القديم وتشبثه بدفة الذوق العام، بل ملئه للفضاء الأدبي بحيث لا يسمح للدخيل من النفوذ إلى عالمه إلا في حدود معينة ومع أشخاص معينين، كذلك وحتى في أدبنا المعاصر وقفنا على معارك أدبية ضارية بين دعاة شعر التفعيلة وبعده الشعر الحر وبين حراس التقاليد وسدنة المدن العتيقة.
- قانون الترابط بين الأشكال والغايات الجمالية الذي يكسر الصورة الجمالية بين الشكل والمضمون، يشير بذلك إلى أن استخدام شكل معين استوردته ظروف مختلفة يسبق تصور خصائص هذا الشكل وقوته، هكذا ظهرت أعمال مسرحية في فرنسا قبل أن تتبلور النظرية الكلاسيكية عن هذا النوع الأدبي.
- قانون ظهور التحفة الفنية، وهو أساسي في التاريخ الأدبي كما يراه لانسون: البحث عن المصادر والمؤثرات، فالأعمال الكبرى لا تظهر وحدها وبصورة مفاجئة، بل هي بحاجة إلى محاولات وأخطاء سابقة فـ(الكتَّاب الكبار انتهازيون) و(من هنا يبدو اختيار التوقيت نصف المهمة وعلامة العبقرية).
- قانون أثر الكتاب في الجمهور، فالكتاب ليس نتاج شخص بمفرده، بل هو يحمل بصمات (ضغط الوسط المحيط) ويؤثر عكساً عليه (إنه ليس مؤشراً فحسب على عقلية الجمهور بل هو عامل من عوامل تكونها).
ويبقى عنواننا المركب سؤالين مفتوحين. ولا نجد ما نختم به أفضل من التصريح الذي أدلى به بول آرون وألان فيالا من أن الأدب حقيقة اجتماعية، ذلك أن النص لا يصير أدباً بالمعنى الدقيق إلا بالتبادل، أي حين يقرأ أو يسمع أو يرى كأدب.

ذو صلة
التعليقات